قبيل قرار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، يعيش متداولو السندات حالة من التوتر. وبينما يتوقع معظمهم أن يُبقي صناع السياسة أسعار الفائدة من دون تغيير، تضع أصوات بارزة في أنحاء وول ستريت ثقلها خلف رفعها، في ثاني اجتماع فقط يديره الرئيس الجديد كيفن وارش.
ويشير ذلك إلى عهد جديد في الاحتياطي الفيدرالي، إذ يسعى وارش إلى الاختلاف عن أسلافه من خلال التوقف عن الإشارة إلى قرارات أسعار الفائدة للأسواق قبل وقت طويل.
ومن شأن رفع الفائدة أن يرسخ مصداقية وارش في مكافحة التضخم، ما دفع بعض الجهات، مثل “سيتاديل سيكيوريتيز” و”بي جي آي إم” إلى ترجيح احتمال أكبر للزيادة يوم الأربعاء.
وبالنسبة إلى المتداولين، يعني ذلك مزيداً من القلق، وهو ما يتجلى في الطلب القياسي المسجل هذا الأسبوع للتحوط من رفع مفاجئ لأسعار الفائدة.
وقال جو بويل، اختصاصي استثمارات الدخل الثابت لدى “هارتفورد فندز” (Hartford Funds): “لا يزال وارش أشبه بورقة مجهولة إلى حد ما، وكان مصراً تماماً على أنه غير مهتم بالتوجيه المستقبلي”. وأضاف: “إنه غير مهتم بالإفصاح المسبق عن أي شيء، لكن ربما تتسرب إشارة ما، وربما يفعل شيئاً يُنظر إليه على أنه توجيه مستقبلي”.
وحتى الساعة 3:30 مساءً يوم الثلاثاء في نيويورك، كانت تسعيرات سوق المبادلات تشير إلى احتمال يقارب واحداً من ثلاثة بأن يرفع صناع السياسة سعر الفائدة القياسي الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس، حتى في وقت كانت سندات الخزانة تتجه نحو أطول سلسلة مكاسب لها خلال شهر.
تزايد الدعوات إلى رفع أسعار الفائدة
تتسع دائرة الأصوات المؤيدة لمبررات رفع أسعار الفائدة. وفي خطوة مفاجئة، غيّر فرانك فلايت، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي لدى “سيتاديل سيكيوريتيز”، هذا الأسبوع سيناريوه الأساسي إلى توقع الزيادة، في خطوة قال إنها “ستنهي بصورة قاطعة عصر التوجيه المستقبلي”، مع تأكيدها في الوقت نفسه استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
وقال لو كراندال، كبير الاقتصاديين لدى “رايتسون آيكاب” (Wrightson ICAP)، إنه لا يوجد سبب وجيه يمنع الاحتياطي الفيدرالي من رفع أسعار الفائدة. وفي “بي جي آي إم”، قال روبرت تيب، رئيس السندات العالمية وكبير استراتيجيي الاستثمار، إن السوق ربما تقلل من تقدير احتمال اتخاذ إجراء يوم الأربعاء.
وأضاف تيب: “لقد هيأ بالفعل الأجواء لرفع الفائدة”. وأضاف: “تأجيل القرار الآن من شأنه أن يزيد احتمال تنفيذ رفع بمقدار 50 نقطة أساس في سبتمبر”.
وذهب المخضرم في سوق السندات هارلي باسمان خطوة أبعد، مجادلاً في مذكرة يوم الثلاثاء بأن على الاحتياطي الفيدرالي أن “ينزع الضمادة دفعة واحدة”، ويرفع أسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية، وهي خطوة من شأنها أن تمنحه المصداقية في مكافحة التضخم، وأن تتيح له في الوقت نفسه التصدي لضغوط الرئيس دونالد ترمب لخفض تكاليف الاقتراض.
وكتب باسمان على موقعه المخصص للتعليق على الأسواق المالية، المعروف باسم “ذا كونفكسيتي ميفن” (The Convexity Maven): “إن رفعاً بمقدار 50 نقطة أساس يُظهر أن هناك مسؤولاً جديداً في المدينة، وأنه غير خاضع لسلطة الرئيس”.
ويدفع عدم اليقين المتداولين إلى الإقبال بأعداد قياسية على رهانات للتحوط من نتيجة هذا الأسبوع. وتجاوزت العقود المفتوحة في عقد أغسطس للعقود الآجلة للأموال الفيدرالية، أي عدد العقود التي يحتفظ المتداولون بمراكز فيها، يوم الجمعة الرقم القياسي المسجل لعقد أكتوبر 2024، لتصل إلى 909714 عقداً. وأظهرت بيانات يوم الإثنين زيادة إضافية إلى 967136 عقداً.
وارش يتخلى عن التوجيه المستقبلي
منذ توليه القيادة، تعهد وارش بإعادة صياغة اتصالات الاحتياطي الفيدرالي من خلال إبعاده عن الإفصاح المسبق عن نواياه، واستعادة استقرار الأسعار بعدما ظل التضخم أعلى من مستهدف البنك المركزي لعدة سنوات.
وفي أول مؤتمر صحفي له الشهر الماضي، امتنع عن تقديم رؤية محددة بشأن الاتجاه الذي يرى أن أسعار الفائدة ستسلكه خلال الأشهر المقبلة.
وتعكس إعادة تسعير أسعار الفائدة خلال الجلسات الأخيرة إلى حد كبير عودة ارتفاع أسعار الطاقة بعد تجدد تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب قوة سوق العمل.
التضخم المرتفع باقٍ.. وعلى الجميع التعايش معه
وبينما ارتفعت سندات الخزانة يوم الثلاثاء مع تراجع أسعار النفط، لا يزال المتداولون يسعرون بالكامل رفعاً بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول سبتمبر، ونحو نصف نقطة مئوية بحلول مارس.
وقال مارك كابانا، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية لدى “بنك أوف أميركا” (Bank of America Corp): “تسعر السوق خطراً حقيقياً جداً بأن يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة”. وأضاف أن المستثمرين “لا يزالون يحاولون فهم كيفية عمل الاحتياطي الفيدرالي تحت رئاسة وارش”.
ويتوقع استراتيجيو البنك، بقيادة كابانا، أن يُبقي البنك المركزي أسعار الفائدة من دون تغيير يوم الأربعاء، لكن مع اعتراض رئيسي فرعي الاحتياطي الفيدرالي لوري لوغان وبيث هاماك، وفقاً لمذكرة بحثية صدرت يوم الجمعة. لكن الاستراتيجيين كتبوا: “إذا كانت السوق لا تستبعد خطر رفع الفائدة، فنحن أيضاً لن نستبعده”.
ومنذ عام 2015، توقع المتداولون القرار النهائي للاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة بمتوسط خطأ بلغ 2.4 نقطة أساس في اليوم السابق لإعلان البنك المركزي، وفقاً لمذكرة صدرت يوم الثلاثاء عن إيان لينغن، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية لدى “بي إم أو كابيتال ماركتس” (BMO Capital Markets).
وقال لينغن: “السوق مهيأة لرد فعل أولي أكثر حدة تجاه إعلان اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة مقارنة بما يكون عليه الوضع عادة”.
قرار وارش يحجب الرؤية عن الأسواق
قال جوناثان بينغل، كبير الاقتصاديين الأمريكيين لدى “يو بي إس” (UBS)، إنه لم يشعر بهذا القدر من عدم اليقين حيال قرار وشيك للاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة منذ 20 عاماً، عندما أصبح بن برنانكي رئيساً للاحتياطي الفيدرالي.
وأضاف أن افتقار وارش إلى سجل سابق، والانقسامات الأخيرة بين مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، يزيدان ضبابية التوقعات، من دون أن يستبعد سيناريو يكون فيه وارش هو من يدلي بالصوت الحاسم.
شهادة وارش وبيانات التضخم ترسمان ملامح قرار “الفيدرالي” في يوليو
وتابع: “نظراً إلى حقيقة أنه يستطيع في الوقت الراهن تحريك ما يشبه الرأي الوسطي للجنة، فإنه سيقرر السياسة النقدية خلال الاجتماعات القليلة المقبلة، وليس لدينا أي فكرة حقاً عن الطريقة التي يفكر بها كيفن وارش في السياسة النقدية”.



