حبس المدين في فلسطين.. متعثرات يطالبن بوقف أوامر الحبس
وإيجاد بدائل قانونية تحفظ حق الدائن وكرامة الأسرة

شبكة الرقيب الإعلامية - خاص
تصاعدت الدعوات في فلسطين إلى إعادة النظر في ملف حبس المدين والمتعثرين ماليًا، ولا سيما النساء، في ظل شكاوى من آثار اجتماعية ونفسية واقتصادية تقول متعثرات إنها ترتبت على أوامر الحبس وملاحقتهن قضائيًا بسبب الديون والشيكات.
جاء ذلك خلال حلقة من برنامج «الرقيب»، استضافت مداخلات لعدد من المتعثرين وسامر الدرابيع ممثلا عن الحراك، إلى جانب نقاش حول التداعيات التي تتركها أوامر الحبس على النساء وأسرهن، والدعوة إلى إيجاد حلول قانونية تضمن حقوق الدائنين دون أن تؤدي إلى تفكك الأسر أو حرمان الأطفال من أمهاتهم.
متعثرات: لم نقترض للترفيه وإنما لتأمين أساسيات الحياة
وقالت إحدى المتعثرات، في مداخلة هاتفية خلال البرنامج، إنها تتحدث باسم عدد من النساء اللواتي يواجهن أوضاعًا مالية ونفسية صعبة، مؤكدة أن كثيرًا من المتعثرات لم يحصلن على الأموال بهدف السفر أو الكماليات، وإنما لتأمين احتياجات أسرهن الأساسية.
وأضافت أن ظروفًا اقتصادية صعبة وانقطاع مصادر الدخل دفعت بعض الأسر إلى الاستدانة، مشيرة إلى أن لديها ثلاثة أطفال، أصغرهم في عمر يقارب العام، وأن الخوف من تنفيذ أمر الحبس دفعها، بحسب روايتها، إلى مغادرة منزلها واللجوء إلى منزل أهلها.
وتحدثت المتعثرّة عن خسارتها جزءًا كبيرًا من وزنها نتيجة الضغط النفسي، وعن شعورها المستمر بالخوف من طرق باب منزلها خشية أن يكون الطارق جهة تنفيذية لتنفيذ أمر حبس.
أكثر من 50 متعثرة في مجموعة خلال يوم واحد
وخلال الحلقة، أشار المشاركون إلى وجود مجموعة تواصل خاصة بالنساء المتعثرات، وقالوا إن عدد المشاركات فيها تجاوز 50 إلى 60 امرأة خلال يوم واحد، مع استمرار انضمام متعثرات أخريات.
كما تحدث المشاركون عن ورود اتصالات ورسائل من نساء يواجهن أوامر حبس أو يخشين تنفيذها، مع التأكيد على أن الأرقام التي جرى تداولها خلال الحلقة تحتاج إلى توثيق رسمي وإحصاءات من الجهات المختصة قبل اعتمادها كأرقام نهائية.
دعوة إلى إحصاء رسمي لأعداد المتعثرات
وطالب المشاركون بالحصول على أرقام دقيقة حول أعداد النساء اللواتي صدرت بحقهن أوامر حبس أو يواجهن إجراءات تنفيذية بسبب التعثر المالي، مع تصنيفها جغرافيًا، باعتبار أن وجود بيانات رسمية يشكل خطوة أساسية لفهم حجم المشكلة ووضع حلول لها.
وطُرحت خلال النقاش فكرة البدء بإحصائية خاصة بمحافظة الخليل، على أن يجري العمل لاحقًا على توسيع نطاقها، مع التأكيد على عدم المطالبة بأسماء النساء أو بياناتهن الشخصية، وإنما بالأعداد والتوزيع الجغرافي.
«لا نطالب بإسقاط حق الدائن»
وشدد المشاركون في الحلقة على أن المطالبة بوقف حبس المدين لا تعني، بحسب طرحهم، إلغاء حقوق الدائنين أو إسقاط الديون.
وقال المتحدثون إن المطلوب هو إيجاد بدائل قانونية للتنفيذ تتيح للمدين المتعثر سداد ما عليه وفق قدرته، وفي الوقت ذاته تحفظ للدائن حقه في استرداد أمواله.
وذهب النقاش إلى أن حبس شخص متعثر لا يعني بالضرورة استعادة الدين، خصوصًا إذا كان المتعثر لا يملك القدرة المالية على السداد، بينما قد يؤدي غيابه عن منزله وعمله إلى زيادة صعوبة تسوية الدين.
دعوة لإعادة النظر في حبس النساء
وطالب المشاركون بإعطاء أولوية خاصة للنساء المتعثرات والأمهات، خصوصًا في الحالات التي يكون فيها أطفال صغار يعتمدون بصورة مباشرة على الأم.
وتحدثت إحدى المتعثرات عن مخاوفها من تأثير توقيف الأم على الأطفال، مشيرة إلى أن طفلها الصغير يحتاج إلى وجودها ورعايتها، وأن اعتقال الأم قد يترك آثارًا نفسية واجتماعية تتجاوز الشخص المدين لتصل إلى أفراد الأسرة.
كما انتقد المشاركون ما وصفوه بتنامي الخوف لدى بعض الأطفال من رؤية الشرطة نتيجة ارتباط وجود رجال الأمن في أذهانهم بعمليات توقيف أمهاتهم أو آبائهم، مؤكدين في الوقت نفسه أن رجل الشرطة أو رجل التنفيذ يقوم بواجبه وفق القانون وليس هو طرف الخصومة.
«نريد حماية حق الدائن وكرامة المدين»
وفي مداخلة خلال الحلقة، دعا المتحدثون إلى معالجة القضية من خلال تعديل أو تطوير الإطار القانوني بما يحقق توازنًا بين حق الدائن وحماية المدين المتعثر وأسرته.
وأكدوا أن التشريعات يمكن تطويرها لإيجاد أدوات تنفيذ بديلة، بحيث يكون الحبس خيارًا أخيرًا وليس الوسيلة الأساسية في التعامل مع حالات التعثر المالي.
كما دعوا مختلف أركان منظومة العدالة، من الجهات التشريعية والقضائية والتنفيذية والمحامين، إلى المشاركة في نقاش قانوني ومجتمعي حول الملف.
تحذير من استغلال حاجة المواطنين إلى القروض
وتطرق النقاش كذلك إلى شكاوى وادعاءات تتعلق بآليات الإقراض والكمبيالات، حيث تحدث أحد المشاركين عن حالات قال إنها تتعلق بتوقيع أوراق متعددة عند الحصول على القروض، وأثار احتمال وجود ممارسات تستوجب التحقيق والتدقيق.
وهذه الادعاءات تبقى، وفق ما ورد في الحلقة، بحاجة إلى أدلة ووثائق وتحقيق من الجهات الرقابية والقضائية المختصة، ولا يمكن اعتمادها كوقائع مثبتة دون توثيق مستقل.
دعوة للحكومة والجهات المختصة للتحرك
ووجه المشاركون نداءً إلى الحكومة والجهات الرسمية المعنية للتعامل مع ملف المتعثرين باعتباره قضية اقتصادية واجتماعية وقانونية، وليس مجرد قضية ديون فردية.
وطالبوا بإيجاد حلول عاجلة للنساء الموقوفات حاليًا، ثم الانتقال إلى معالجة أوسع لملف حبس المدين، بما يشمل دراسة البدائل القانونية وإعادة تقييم الإجراءات المعمول بها في حالات التعثر.
كما دعا البرنامج إلى التواصل مع الجهات المختصة للحصول على بيانات رسمية حول أعداد النساء المتعثرات وأوامر الحبس الصادرة بحقهن، بما يسمح ببناء معالجة تستند إلى أرقام حقيقية.
«المشكلة لا تتعلق بالمال فقط»
وخلص النقاش إلى أن قضية حبس المدين، وفق رؤية المشاركين، لم تعد مسألة مالية بحتة، وإنما أصبحت مرتبطة بالأسرة والأطفال والاستقرار الاجتماعي والثقة بالقانون ومؤسسات الدولة.
وأكد المشاركون أن معالجة التعثر يجب أن تقوم على معادلة واضحة: حماية حق الدائن في تحصيل أمواله، وفي الوقت نفسه عدم تحويل التعثر المالي إلى سبب يؤدي إلى تفكك الأسرة أو حرمان الأطفال من أحد والديهم، مع توفير مسارات قانونية واقعية للسداد.
وتأتي هذه الدعوات في وقت يتزايد فيه النقاش المجتمعي حول واقع المتعثرين ماليًا في فلسطين، والحاجة إلى بيانات رسمية وحوار قانوني ومجتمعي يحدد حجم الظاهرة ويبحث عن حلول قابلة للتطبيق.

