«المجمع الانتخابي» نقله الفلسطينيون عن الأمريكيين وهؤلاء عن الفاتيكان

رام الله- «القدس العربي»: مفجأة.. طفا على سطح النقاش الفلسطيني مصطلح «المجمع الانتخابي» Electoral College بصفته حلا لأحد أبرز إشكالات الحالة السياسية وتحديدا انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني الذي يفترض أن يمثل الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم.
شبكة الرقيب الإعلامية - ومع تنامي استخدام المصطلح فيما وصف أنه المجلس الوطني في الكويت والبحرين وألمانيا وقبل ذلك في لبنان، ظهرت أسئلة كثيرة حول استخدام المجمع الانتخابي الذي يعتبر أحد سمات النظام السياسي الأمريكي وفيه يتم الاستعانة بمجموعة من الأفراد ليمثلوا الناخبين الأمريكيين في انتخاب الرئيس الأمريكي عبر آلية التصويت غير المباشر.
وخلال الأيام الماضية، رفض بيان صادر عن فصائل وقوى فلسطينية من بينها «حماس» والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» و»الجهاد الإسلامي» و»تيار الإصلاح الديمقراطي» بقيادة محمد دحلان، ما وصف بـ»التعيين والإقصاء والتفرد في تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني»، داعيًا إلى «إعادة العملية الانتخابية لمسارها الوطني الصحيح من خلال التوافق على قانون وآليات موحدة للانتخابات».
جفال: الجذور في انتخابات الكنيسة
يجيب الخبير في الانتخابات عارف جفال على سؤال «القدس العربي» حول من أين ظهر مفهوم المجمع الانتخابي عندنا بشكل عام، مشيرا إلى أن مفهوم المجمع الانتخابي ظهر بداية عند الكنائس حيث تتم عملية انتخاب البابا من الأحبار والكرادلة بهذه الطريقة. حيث يقومون بعمل مجمع انتخابي يضم الرهبان من كل العالم لتتم لاحقا عملية انتخاب الباب، وبالتالي، النظام الأمريكي أخذ هذه الجزئية منهم.
ويضيف: «في التجربة الأمريكية مثلا هناك عملية انتخاب مباشرة يترتب عليها لاحقا عملية انتخاب غير مباشرة (أي أن المجمع هو الذي يقرر)، لكن المؤكد هنا أنه يجب أن ينسجم رأي العدد الذي يقرر مع رأي الجمهور الذي انتخب مكونات المجمع الانتخابي، وليس رأيه الشخصي.
وحول انسجام النظام الأمريكي مع ما يجري في انتخابات المجلس الوطني يضيف جفال أنها تشبه كل شيء إلا التجربة الأمريكية، فنحن نأخذ الاسم فقط لا غير من هذه العملية الديمقراطية.
ويعرض مجموعة من الملاحظات التي يمكن تسجيلها على هذه الانتخابات، « وجوب أن يكون منصوصا في نص نظام انتخابات المجلس الوطني على فكرة المجمع الانتخابي وعدد الأعضاء في كل دولة أو دائرة، فعندما نقول اليوم أن ألمانيا لها تسعة أعضاء والكويت لها عضوان يحق لنا السؤال: من أي جاء ذلك؟ ما هي الآلية؟ هل هذا موجود في النظام مثلا ولم ينشر ولم يعلن؟
ويشدد على وجوب أن تكون هناك مرجعية واحدة موحدة، بحيث تعمل تحت اسمه لجنة الانتخابات في المجلس الوطني حيث كان هناك وجوب تشكيلها وتحديدا بعد اعتذار لجنة الانتخابات المركزية عن متابعة هذه الملف، ومن ثم ينبثق عن كل منطقة من المناطق لجان انتخابية فرعية.
ويقول «أما ما نراه ونسمع عنه على الأقل فهو تقسيم العالم إلى أقسام، فهناك أوروبا الغربية، وشمال أفريقيا، والخليج العربي والعراق، ولبنان وسوريا لكن لا يوجد تخصيص لكل دولة».
ويضرب مثلا واقعيا على الملاحظات المهنية: «قبل أيام تفاجئنا مثلا أن ألمانيا خصص لها تسعة مقاعد، والسؤال: من أين جاء العدد؟ وأين نشر؟ وعلى أي أساس؟ نجد أن ذلك غير معروف وغير موجود، بالمقارنة مع النظام الأمريكي مثلا نجد أنه كل مئة ألف مواطن يحق لهم أن يكون لهم عضو في المجمع، وبالتالي المسألة يجب أن تتناسب مع أعداد الناخبين الأساسيين».
ويضيف «أما في الحالة الفلسطينية وحسب معلوماتي التي حصلت عليها من الإحصاء الفلسطيني فإن كل الأرقام التي تتحدث عن أعداد الفلسطينيين في العالم هي أرقام تقريبية وتقديرية، علما أن دولة مثل تركيا تضاعفت فيها أعداد الفلسطينيين في السنوات الأخيرة بشكل كبير جدا، وهو أمر يطرح تمثيلهم في الانتخابات بطريقة عادلة».
ويتابع الخبير جفال أسئلته قائلا: «ثانيا من الذي يشكل المجمع وعلى أي أساس؟ اليوم نسمع عن دعوة الجمعيات والفصائل والمؤسسات الفلسطينية المختلفة والنشطاء، وهنا أتحدى وجود جهة لديها حصر شامل بالمؤسسات الفلسطينية المختلفة بالمهجر، بما فيهم السفارات الفلسطينية».
ويخلص إلى أن ما رشح عن المجمعات الانتخابية التي انبثق عنها «انتخاب» أعضاء للمجلس الوطني يعكس «آلية تعيين وليس نظام المجمع الانتخابي».
أما النقطة الثانية، فـ»يمكن تلخيصها بسؤال: هل طلب من أي دولة من الدول إجراء انتخابات فيها؟، وحسب علمي أنه لم يحدث ذلك، كان من الممكن أن نشر المراسلات التي أرسلتها المنظمة أو وزارة الخارجية الفلسطينية للدول طالبين منها السماح بعقد انتخابات لكن ذلك لم يتم».
وبرأيه «لو فعلوا ذلك ورُفض طلب الجهات الفلسطينية، عندها كان يمكن أن يكون مبررا للخيار الذي ذهبوا إليه، وعندها كان يمكن الخروج علينا والقول إننا ابتكرنا طريقة وآلية جديدة تسمى المجمعات الانتخابية، لكننا بدأنا من النهاية، ذهبنا للمجمعات والتوافقات والتي تعكس حالة من التعيين».
توام: لا يجمع التجربتين غير الاسم
وفي سياق مواز، سألت «القدس العربي» الخبير في القانون الدستوري الدكتور رشاد توام، حول متى ظهر هذا المصطلح في التجربة السياسية الفلسطينية فرد قائلا بسخرية أنه «من يومين!!».
وتابع حديثه: «هذه بدعة جديدة، فالاسم استلهم من التجربة الأمريكية كي يصبغ على استخدامه لدينا نوع من الديمقراطية من خلال ربطه بالتجربة الأمريكية، لكن الحقيقة تقول إنه لا يجمع بين التجربة الأمريكية والفلسطينية غير الاسم.
وأضاف توام وهو الباحث والأستاذ الجامعي الفلسطيني: «المجمع الانتخابي في الولايات المتحدة الأمريكية بالمحصلة هو مجمع منتخب من المواطنين، فالأحزاب ترشح شخصيات أو قوائم والناس تنتخب، أما في الحالة الفلسطينية فلا يحدث ذلك».
وحول طبيعة ما حدث في الكويت والبحرين وربما قريبا في ألمانيا يرى توام أن ما يجري هو نوع من «اللمة»، وهي تشبه كثيرا لمة مؤتمر فتح الثامن الذي عقد قبل فترة قصيرة، حيث كان يفترض أن من يشارك في عضوية المؤتمر هو مجموعة من الأعضاء الذين تنطبق عليهم مجموعة من الشروط، وغالبيتهم، بحكم مناصبهم، هم أعضاء في المؤتمر، لكن ما جرى أن القائمين على المؤتمر جلبوا أعضاء جددا أو ناخبين بشرط أن تكون أصواتهم مضمونة ومعروف سلفا لمن سيصوتون.
وبرأي توام فإن المجمعات الانتخابية بالخارج لا تفرق عن هذا الأمر كثيرا، «لقد بحثوا عن مخرج مقبول بالنسبة للقائمين على هذا الأمر، ومتى حدثت عملية إحضار أعضاء مضموني التوجهات، فإن نتيجة ما يسمى بـ»انتخابات المجمع» معروفة ومتوقعه وهي تحصيل حاصل».
وردا على سؤال حول الأسس التي يتم بموجبها تشكيل تلك المجمعات أكد الأكاديمي والخبير في القانون الدستوري أنه لا يتوفر له الكثير من المعلومات حول ذلك، «أنا لدي تخيل كيف يتم العمل قياسا على مؤتمر فتح، أي البحث عمن يمكن التفاهم معهم».
ويرى توام أنه في ظل الحديث عن عدم عقد الانتخابات التشريعية فإنه يتم الدفع بـ»انتخابات المجلس الوطني للأمام، والسبب ببساطة يعود إلى أن أحد نتائج عدم عقد الانتخابات التشريعية هو تغييب المؤسسات في الداخل، وبالتالي هم بحاجة لهيئة بديلة تمنح الشرعية مع هذا الغياب، والخيار هنا المجلس الوطني أو ما ينبثق عنه من «مجلس مركزي جديد» حيث عدد الأعضاء يكون أصغر وهو ما يمنح سهوله في جمعه متى أرادوا.
وهذا سيناريو حذرت منه كثيرا في ندوات وكتابات منذ ربيع 2021 على الأقل، وقد بدأ التحضير له فعليا في العام 2018، الذي شهد جملة من الشواهد على دخول تحولات العلاقة بين السلطة والمنظمة في طور خامس جديد، وهو طور استنجاد السلطة بشرعية المنظمة، هربا من الاستحقاقات الانتخابية الحقيقية على مستوى السلطة.
ذلك أن المجلس التشريعي لا يمكن أن يكون إلا منتخبا، وهو ما يبدو متعذرا حسب وجهة نظرهم، وبالتالي يكون البديل تشكيل مجلس مركزي جديد ينبثق عن مجلس وطني جديد، يصفونه بـ»المنتخب».
ويشدد الباحث والأكاديمي توام أنه وحسب نظام انتخاب المجلس الوطني الصادر مؤخرا، فقد كان الخيار الأول أن يكون تشكيل المجلس عبر انتخابات، وهو خيار لا يبدو أنه جرى فحص إمكانيته، بل ذهبوا للخيار الثاني، كما أن هناك أيضا خيارا ثالثا من خلال التعيين.
ويضيف: «كان الأحرى بهم أن يجربوا ويفحصوا إمكانية عقد الانتخابات المباشرة. صحيح أن بعض المناطق سيتعذر إجراء انتخابات مباشرة فيها لكن في مناطق أخرى يمكن أن يكون ذلك ممكنا، وبالتالي ذهبوا للمنطقة الوسط، لا تعيين ولا انتخابات. ولكن أيضا قد نشهد تعيينا مباشرا في بعض المناطق».
وحول مدى ديمقراطية الأفكار التي يتم تخليقها لتناسب اللحظة يرى توام أن العبرة في أي أفكار إبداعية وجديدة هو أيها تكون ديمقراطية أو غير ديمقراطية، «لكن من يقوم على الأمر لا يهمه المظهر الديمقراطي ولا كيف يجب أن تكون الأشياء، فالأفكار تبقى أفكارا، والعبرة في كم هي ديمقراطية وتنسجم مع تطلعات الشعب أم لا».
ويضرب مثالا حول ذلك بالتعديلات التي أُجريت مؤخرا على القوانين الفلسطينية حيث ترتب عليها ثغرة قانونية تتمثل في عدم مقدرة أحد الجمع بين رئاسة السلطة ورئاسة المنظمة.
وقال «لقد كتبت عن هذا الموضوع بوازع ضميري وعلمي حيث أن فك الرئاستين بارتجالية ومن دون تخطيط كان سيترتب عليه مشاكل في النظام القانوني، لقد نبهت إلى المشكلة وقدمت حلا قانونيا وديمقراطيا لها، لكنهم أخذوا الحل الخاص بي وقدم بأسلوب غير ديمقراطي للأسف».

