شبكة الرقيب الإعلامية
إعلان
مقالات

التعليم العالي: راس مالنا الذي لا يصاد

شبكة الرقيب الإعلامية -  

د. طارق عاشور

الاقتصاد لا يقاس فقط بما يدخل الخزينة من دولارات ولا بما يصل من منح، فهذه تدفقات تنتهي بانتهاء مصدرها. ما يبقى هو المخزون، وله وجهان: راس مال مادي وراس مال بشري. وقد اصبح اقتصاد الموارد البشرية اساسيا في أي عملية تخطيط استراتيجي، حين تبين ان الفارق بين اقتصاد ينمو واخر يراوح مكانه لا يفسره حجم الاستثمار المادي وحده، بل مستوى التعليم والمهارة في السكان. وفي بلد بلا سيادة على ارضه ومعابره وعملته ينتقل هذا المخزون من باب التنمية الى باب الامن القومي، لان ما يبقى للجماعة بعد مصادرة اصولها المادية هو ما تحمله في رؤوسها.

وقد فهم هذا رجلان قبل نصف قرن دون ان يحتاجا الى نظرية. في اواخر 1974 ابعد حنا ناصر من بيته الى خارج الوطن، فظل رئيسا لجامعة بيرزيت تسعة عشر عاما وهو ممنوع من دخول حرمها. وابعد منذر صلاح عن جامعة النجاح، ثم عاد رئيسا لها، ثم وزيرا للتعليم العالي. والتقيا في الشتات على ملف واحد في دائرة التعليم العالي بمنظمة التحرير، بمال قليل وحاجات لا تنتهي، فلم يشتريا اثاثا لمكتب ولا سيارة لوفد، بل مقاعد جامعية لطلبة في المخيمات والعواصم. وقبلهما بستين عاما كان خليل السكاكيني يدير في القدس مدرسة بلا عصا ولا عقاب ولا ترتيب للتلاميذ بالعلامات. القاعدة التي عمل عليها هؤلاء لا تحتاج فلسفة كثيرة: الارض تصادر، والبيت يهدم، والحساب يجمد، والشهادة تعبر الحاجز مع صاحبها.

يلزم استحضار هذا قبل قراءة تشخيص قراته حديثا على احد صفحات احدى الجدرائد المحلية للدراسات العليا عندنا يتناول حسب الكاتب: معايير ابتعاث غامضة، وعلامة جامعية حلت محل القدرة البحثية، وبلد ينتج القابا اكثر مما ينتج باحثين. الفرضيات الثلاث لا تصمد امام الفحص، لا لان القطاع بلا نواقص، بل لان الكاتب تقيس بمسطرة لا تستعمل مع اي قطاع اخر، وتحمل اداة ادارية صغيرة نتيجة تتشكل خارج نطاقها بالكامل.

الفرضية الاولى تفترض ان تقييم المقترح البحثي اقرب الى الحقيقة من العلامة. لكن المرشح في منتصف العشرينات لا يملك سجلا بحثيا يقاس، ومقترحه وثيقة يستطيع غيره كتابتها له دون ان تتوفر وسيلة للتحقق. العلامة مؤشر ضعيف، غير انه علني يقبل الطعن والمقارنة، بينما التقدير النوعي للجان في مجتمع اكاديمي صغير متشابك العلاقات هو المدخل الطبيعي للواسطة لا الحاجز امامها. ومن يطلب الشفافية والتقييم النوعي معا يطلب شيئين يتنازعان: الاول يحتاج معيارا صلبا يصعب التلاعب به، والثاني يحتاج سلطة تقديرية واسعة. والطريف ان السكاكيني رفض العلامة ايضا، لكنه رفضها ليحرر التلميذ من الخوف، لا ليضعه تحت رحمة لجنة.

والفرضية الثانية تقترح تحويل المنحة الى عقد يلزم صاحبها بالنشر وبتحويل نتائجه الى اوراق سياسات. هذا استبدال مقياس سهل عند المدخل بمقياس اسهل عند المخرج، فعدد المنشورات اكثر المؤشرات قابلية للتلاعب في الاكاديميا كلها. الجامعات تعاني اصلا من نشر متضخم في مجلات مفترسة يدفعه شرط الترقية، واضافة التزام تعاقدي فوقه توسع سوق الرسوم لا الانتاج المعرفي. ثم ان المرشحين الاقوى يملكون بدائل غير مشروطة في الخارج فيتركون المنحة المشروطة لمن لا بديل امامه، فتنتقي الاداة عكس ما صممت له. والعائد الذي يدرس خمسة مساقات في الفصل براتب يصرف جزئيا لا يفي بالعقد ولو اراد.

والفرضية الثالثة، ان البلاد تنتج القابا لا باحثين، تخلط بين الشخص وشروط عمله. الباحث تصنعه ميزانية ووقت محمي ومختبر ودورية تنشر له بلا رسوم، وحامل الدكتوراه هو ما يتبقى حين يغيب ذلك كله. ومنه يسقط القول ان ابحاثنا لا يستفاد منها، فالفجوة بين البحث والسياسة فجوة طلب لا عرض: كتب الاقتصاديون عن المقاصة وبروتوكول باريس منذ ثلاثة عقود، وما ينقص جهة تملك ادوات التنفيذ. اما ربط موضوعات الابتعاث بقائمة اولويات رسمية فتخطيط مركزي للمعرفة، وقائمة كتبت قبل عشرين عاما لم تكن لتذكر اقتصاد المنصات ولا العملات الرقمية.

ثم ان الاداء لا يقاس بلا مقارن، والمقارن الصحيح هو بقية القطاع العام في الظرف نفسه، لا نظام تعليم في دولة اسكندنافية. فاقتطاع اموال المقاصة والعجز المالي دفعا الخزينة الى صرف جزئي للرواتب سنوات متتالية، فتراجعت الخدمة الصحية وخدمات البلديات وشبكات الحماية الاجتماعية. وفي وسط هذا الانهيار اكتمل العام الاكاديمي، وعقدت الامتحانات، وبقيت الشهادة الفلسطينية مقبولة في الجامعات التي تستقبل خريجيها. حالة كهذه لا توصف بالاخفاق بل بالشذوذ في حسن الاداء.

والفارق الاوضح يظهر على طاولة المساعدات. حين تعرض الدول عونها او نذهب اليها ل نطلبه، تطلب اغلب الجهات مستهلكات: سيارات واجهزة واثاثا. اما التعليم العالي فيطلب مقاعد دراسات عليا في الطب والصيدلة والاقتصاد والادارة والعلوم السياسية والهندسة. اسطول السيارات يستهلك نفسه في خمس سنوات، ويحتجز على المعابر، ويدمر في اول عملية عسكرية. والمقعد يتحول الى طبيب او استاذ يعمل ثلاثين عاما ويشرف على عشرات الرسائل. راس المال المادي يصادر ويقصف، وراس المال البشري لا يصادر ولا يقصف.

وخلف هذا الخيار يعمل موظفون واكاديميون بلا ظهور ولا بيانات. عملهم في جوهره تحويل علاقة دبلوماسية الى مقعد مجاني في الطب او الصيدلة او الاقتصاد. كلفتها على الخزينة قريبة من الصفر وعائدها عمر مهني كامل. يجري هذا في صمت لان اصحابه لا يملكون ما يعرض في مؤتمر صحفي، فلا مبنى يفتتح ولا شريط يقص. ومن السهل انتقاد من لا يرد.

وثمة مفارقة تستحق التوقف. نتلقى من المانحين ملاحظات متكررة على المشتريات والتوظيف وضبط الانفاق. لكن ملف البعثات نادرا ما يظهر في تلك القوائم: معايير معلنة، ومقاعد تاتي من طرف ثالث يطبق شروطه على المرشح، وسلسلة اختيار قابلة للفحص. ان يجلدنا المانح على ادارة المال العام فذلك جزء من العلاقة، اما ان نجلد انفسنا في الملف الذي لم يجلدنا عليه احد، وهو الملف الذي نمنح فيه ابناء بلد محاصر دراسات عليا مجانا، فمسالة اخرى تماما.

ومن المفهوم ان يضيق الاحتلال بهذا الاستثمار تحديدا. سلطة تغلق الجامعات باوامر عسكرية، وتبعد رؤساءها، وتمنع دخول معدات المختبرات بحجة الاستخدام المزدوج، تعرف ماذا يفعل التعليم بشعب يراد له ان يبقى بلا كيان. غير المفهوم ان ياتي النقد الاقسى لبناء راس المال البشري من داخل الاكاديميا. والتفسيرات المتاحة قليلة وكلها غير مريحة: قصر نظر يخلط بين اداة ادارية صغيرة وظاهرة بنيوية كبيرة، او ضيق افق عند من يرى في تعليم غيره مزاحمة له، او عادة قديمة تجعل جلد الذات دليل وعي وذم المبدع نزاهة، فيعامل تنامي اعداد حملة الشهادات العليا رغم الحصار وتدمير جامعات غزة عرضا مرضيا لا انجازا يحسب.

الاصلاح الجاد يبدا ببند في الموازنة لا بتشكيل لجنة: صندوق وطني للبحث بتمويل حقيقي، وعبء تدريسي اخف يحتسب وقت البحث في سلم الرواتب، واعادة بناء ما دمر في غزة. وما يمكن تحسينه في الادارة محدود وقابل للتنفيذ غدا: نشر عدد المقاعد لكل دولة وتخصص، ومواعيد فتح الباب، ومعايير الترتيب، والية التظلم. هذا تحسين اداري نافع، وتسميته اصلاحا للبحث العلمي مبالغة تصرف النظر عن موضع الخلل.

الفرق بين حامل الدكتوراه والباحث حقيقي، لكنه ليس فرقا في النية ولا في بوابة الاختيار بل في شروط الانتاج. واي اصلاح يبدا بالشك في الباحث وينتهي بتوسيع السلطة التقديرية على موضوعاته سينتج باحثين اقل. ويبقى ان الاصل الوحيد الذي لا يمر عبر معبر ولا يقتطع من المقاصة هو المعرفة في راس صاحبها. حين اشترى رجلان مبعدان مقاعد جامعية بمال قليل قبل نصف قرن كانا يعرفان هذا. ومن ينتقد اليوم ذلك الخيار عليه ان يعرف انه ينتقد الشيء الوحيد الذي ما زال يعمل.

إعلان

انفوجراف الرقيب

تصفح أسرع وبث مستمر

حمّل تطبيق الرقيب

آخر الأخبار بين يديك مباشرة

--:--فلسطين
--°القدس