شبكة الرقيب الإعلامية
إعلان
رئيسي

طنجة..! من أزقة التاريخ إلى هدير الميناء المتوسطي,,

طنجة بين النهضة والتحدي: قراءة ميدانية في مفارقات النمو وضريبة التحول الاقتصادي

شبكة الرقيب الإعلامية - كتب رئيس التحرير – طلعت العلوي 

من أزقة التاريخ إلى هدير الميناء المتوسطي

من شرفة فندق “قصر المدينة” في قلب المدينة العتيقة بطنجة، يبدو المشهد جامعاً لمفارقة التنمية المغربية في أبهى تجلياتها؛ أزقة أثرية هادئة تحتضن قروناً من التاريخ، يقابلها على مرمى البصر خليج بحري صاخب يربط القارة الإفريقية بأوروبا.

ليست طنجة اليوم هي تلك المدينة التي استكانت لعقود على هامش النشاط الموسمي؛ بل تحولت خلال العقدين إلى الثلاثة عقود الماضية من ثغر سياحي وملاذ للمثقفين إلى عاصمة صناعية ولوجستية تنافس موانئ الحوض المتوسطي، وباتت الواجهة الاستراتيجية الشمالية للمملكة بحكم قربها الشديد من السواحل الإسبانية وميناء “طريفة”.

ومن هنا استذكر جيش طارق بن زياد، وافتخر باعظم قصة طموح عرفها التاريخ بتوقيع عبد الرحمن الداخل الذي ركب البحر وعبر من هنا من مضيق جبل طارق في العام 138 هجرية، وقد مصر الأمصار وبنى اعظم دولة في العالم وعلى راسها قرطبة عاصمة العلم والعلوم في زمانها.

مظاهر النهضة والبنية التحتية الشاملة

ما يلفت انتباه الزائر على امتداد محاور المدينة ليس مجرد طفرة إسمنتية عابرة، بل تخطيط عمراني متكامل يتحدث بلغة الأرقام والمشاهدات:

توسع عمراني ونظافة حضرية: شوارع رئيسية فسيحة ومنظمة، ومستوى ملحوظ من النظافة والخدمات الميدانية، يعكس استثمارات مكثفة لتأهيل المشهد العام للمدينة. مرونة منظومة النقل والربط اللوجستي من محطات قطار حديثة ومرنة تخدم خط القطار فائق السرعة “البراق”، ومطار يتسم بالسلاسة وسهولة الإجراءات، إلى جانب موانئ بحرية باتت ركيزة للتجارة الدولية والعبور السريع نحو شبه الجزيرة الإيبيرية.

ورش مفتوحة لا تهدأ وتواصل لاعمال توسعة شبكات الطرق والبنية التحتية المحيطة بالمدينة، مما يؤكد أن عجلة الإنفاق الاستثماري العام لم تتوقف، بل تسير بوتيرة متسارعة لاستيعاب الزخم السكاني والتجاري المتزايد.

ضريبة التحول ومعضلة الأجور وغلاء المعيشة

خلف واجهة المباني الحديثة ومناطق التجارة الحرة، يبرز تحدٍ هيكلي بدأ يفرض نفسه على معيشة المواطنين وسكان المدينة:

  • طفرة الأسعار المزدوجة: تحول طنجة إلى مدينة تجمع بين الطابع السياحي الفاخر والنشاط الصناعي المكثف فرض ضغوطاً متصاعدة على تكاليف الإيجارات، العقارات، والسلع الأساسية.

  • فجوة الحد الأدنى للأجور: تلتزم المصانع والشركات الأجنبية متعددة الجنسيات المستقرة في المناطق الحرة بالحدود الدنيا للأجور، وهو اقل من 4000 الاف درهم شهريا، الا أن هذه المداخيل باتت تواجه صعوبة بالغة في مجاراة القفزات السعرية في مدينة، والتي لم تعد تكلفة العيش فيها تشبه المدن المغربية الأخرى. وإذا كانت الدولة تمنح كبار المستثمرين والشركات الأجنبية حوافز استثنائية وإعفاءات ضريبية وجمركية واسعة لجذب رؤوس الأموال، فلماذا لا تُوجّه حوافز مباشرة وموازية للعامل المغربي نفسه؟ إن ربط الامتيازات الاستثمارية بتحسين الأجور وتجاوز عتبة الحد الأدنى، وتقديم بدلات سكن ونقل وتأمين مدعوم، ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل ضرورة اقتصادية ملحة لتمكين العامل من مواجهة غلاء المعيشة، وضمان انعكاس ثمار التنمية على حياته اليومية وقدرته الشرائية.

ضغط الهجرة الداخلية والواقع الماكرو-اقتصادي

شكلت طنجة عبر نهضتها الصناعية نقطة جذب رئيسية لآلاف الشباب الباحثين عن فرص عمل والقادمين من مدن ومحافظات داخلية تشهد معدلات بطالة مرتفعة. هذا التدفق البشري المستمر رفع من وتيرة الطلب على الإسكان والنقل والخدمات العامة، وولد واقعاً يتماشى بدقة مع المؤشرات الاقتصادية الكلية التي تطرحها الحكومة في الرباط:

في حين تستهدف الحكومة الجديدة في برنامجها الخماسي تحقيق معدل نمو سنوي بمتوسط 5% حتى عام 2031، وحصر التضخم عند 2%، وخفض عجز الموازنة دون 3%، فإن المعطيات الميدانية وتطلعات الأسر تعكس فجوة ملموسة بين الأرقام الرسمية والقدرة الشرائية.

تتقاطع هذه المشاهدات مع دراسة المندوبية السامية للتخطيط التي سجلت أن ما يزيد عن 76% من الأسر المغربية تشكو من تدني مستوى معيشتها، مما يفسر تركيز الخطاب الرسمي الحالي على توسيع القاعدة الضريبية، وتعديل ضريبة الدخل، ورفع السقف الأدنى للتقاعد إلى 3000 درهم، وتكثيف الدعم الاجتماعي المباشر لمواجهة أعباء المعيشة.

استحقاق مونديال 2030 وسؤال الاستدامة للعقود القادمة

تقف المغرب اليوم أمام اختبار زمني حاسم يتمثل في استضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. هذا الاستحقاق يضع المدينة أمام فرص غير مسبوقة لكنه يضاعف التحديات:

ومنها سباق التأهيل والتوسعة: تسريع وتيرة الأشغال في الملعب الكبير لطنجة ومحيطه، وتطوير شبكات المواصلات والقدرات الإيوائية الفندقية. والمخاطر التضخمية من حيث تغذية حمى المضاربات العقارية وارتفاع الأسعار الموسمي قبيل البطولة.

وسؤال “ما بعد 2030”: التحدي الاستراتيجي للـ 20 و30 سنة القادمة يكمن في ضمان عدم تحول هذه المنشآت الضخمة إلى كلفة تشغيلية معطلة، بل دمجها لتكون أصولاً اقتصادية مستدامة تخدم الاقتصاد الحقيقي وتوفر وظائف ذات قيمة مضافة تتجاوز عقود البناء المؤقتة.

من الهامش الميداني.. نبض الناس وطبيعة الشمال

لا يكتمل التقرير الاقتصادي دون الإنصات للشارع. خلال الطريق الجبلي الصاعد من طنجة باتجاه تطوان وشفشاون، تتجلى العلاقة العاطفية المعقدة بين الإنسان والمكان.

“ارتفعت الاسعار في طنجة وزاد الازدحام.. لكن طنجة لا نستطيع أن نعيش إلا فيها، نحبها كما هي”.

 سائق التاكسي على طريق تطوان – شفشاون 

حديث تلو حديث لم ينقطع على طول الطريق مع سائق التاكسي الذي سافرت معه باتجاه شفشاون؛ رجل يختصر بكلماته العفوية نبض الشارع وهمومه اليومية. لم يُخفِ مرارة الشكوى من وطأة الأسعار التي تكوي جيوب البسطاء، وغلاء السكن الذي بات يزاحم أهل طنجة في مدينتهم، لكنه في غمرة حديثه كان يتحدث عنها بلهفة وعشق لا ينكسر: “بعض الاسعار ارتفعت لاكتر من الثلث، لكن طنجة في القلب ولا نبدلها بشيء”. مفارقة تختصر علاقة أهل المغرب بمدينتهم؛ يكابدون تكلفة نهضتها المتسارعة، ويغفرون لها كل أعبائها حباً وانتماءً.

عند التوقف بالقرب من جماعة الزينات، ثم الاستراحة في منطقة أمطيل الساحرة وسط الجبال لاحتساء كأس شاي مغربي أصيل، يبدو الفارق جلياً بين صخب طنجة الصناعي وهدوء الريف الشمالي. وعلى مفرق بني عمران وبني حسان، حيث يقف أبناء المنطقة عارضين ثمار فاكهة “البخنّو” البرية الطازجة المقتطفة من خيرات الغابة، يلمس المرء بساطة الاقتصاد المحلي التلقائي واعتزاز الناس بأرضهم، في مشهد إنساني يختصر أصالة الشمال وطيب معشره وسط تحولات تنموية كبرى تعيد رسم ملامح المنطقة برمتها.

في قلب المنطقة الصناعية: شهادة مستثمر في قطاع الرخام

داخل المنطقة الصناعية بطنجة، وفي لقاء خاص مع أحد رجال الأعمال المحليين—وهو صاحب شركة ومصنع متخصص في صناعة وتوريد الرخام—لم يكن الحديث مقتصراً على حركة الإنشاءات وزخم الطلب، بل غاص عميقاً في بنية التحول الاقتصادي للمدينة.

طرح الرجل تشخيصاً اقتصادياً لافتاً يلخص المفارقة القائمة؛ إذ يرى أن “وتيرة تسارع النمو في طنجة باتت تسبق المدينة نفسها”، مشيراً إلى أن المدينة تتحمل عبئاً تنموياً واجتماعياً يفوق طاقتها الاستيعابية نتيجة تدفق الهجرة العمالية المستمرة من مختلف المدن المغربية نحو طنجة.

ومن قلب تجربته الاستثمارية، أطلق تساؤلاً تنموياً واستراتيجياً في غاية الأهمية:

“لماذا لا تُوجّه بعض الاستثمارات الصناعية الكبرى والمصانع مباشرة إلى مدن الشمال الأخرى والمناطق الداخلية المصدرة للعمالة؟”

إن توجيه رؤوس الأموال ومشاريع البنية التحتية لتلك المدن لا يخفف فقط الضغط الديمغرافي والعمراني الخانق عن طنجة، بل يسهم في إبقاء تلك الحواضر عامرة بفرص العمل، ويحمي نسيجها ومكونها الاجتماعي من شبح التفريغ والهجرة القسرية بحثاً عن لقمة العيش، محققاً بذلك توازناً اقتصادياً حقيقياً للشمال المغربي بأسره.

نجحت طنجة في بناء قاعدة صناعية وبنية تحتية عالمية وضعتها في صدارة مدن الحوض المتوسطي، لكن استدامة هذا النموذج للعقود الثلاثة القادمة تظل مشروطة بإعادة التوازن بين جاذبية الاستثمار الأجنبي والعدالة الاجتماعية المحلية، وضبط معادلة الأجور والأسعار، لضمان أن يظل أبناء طنجة وسكانها هم المستفيد الأول من ثمار هذه النهضة الاستثنائية.

جغرافيا الاستثمار وسؤال التوازن الوطني

لا يمكن قراءة تجربة طنجة بمعزل عن الصورة الكلية للمملكة المغربية؛ فالمغرب بلد شاسع المساحة تمتد لأكثر من 710 آلاف كيلومتر مربع، ويحتضن كتلة ديمغرافية تقارب 40 مليون نسمة في الداخل، يضاف إليها ثقل نوعي واستراتيجي يتمثل في مغتربي المملكة بالخارج (“مغاربة العالم”) الذين يتراوح عددهم قد يصل عددهم الى 7 ملايين مغترب يشكلون جسراً مالياً واستثمارياً حيوياً.

في بلد بهذه الأبعاد الجغرافية والبشرية الممتدة، ومع تحديات الصحراء، والتحديات السياسية والاقليمية في هذا البحر من التلاطم السياسي العالمي وغياب الاستقرار والمخاوف الامنية المستمرة.  لا شك أن إدارة الدولة من جهة وادارة تدفقات الاستثمار وتوزيعها بعدالة جغرافية ليست بالمهمات السهلة على الإطلاق؛ إذ تميل رؤوس الأموال بطبيعتها إلى التكدس في المراكز الكبرى والبوابات الساحلية واللوجستية مثل طنجة والدار البيضاء. غير أن هذا التحدي، رغم صعوبته وتعقيده، يظل خياراً ممكناً وحتمياً للمصلحة العليا للاقتصاد الوطني على المدى البعيد.

إن الرهان الاستراتيجي الحقيقي للمرحلة المقبلة لا يكمن في الاكتفاء بتحويل طنجة إلى قطب جاذب تفرغ إليه المدن الأخرى طاقاتها، بل في إعادة هندسة خريطة توطين الاستثمارات. وقد يكون من الضروري تقديم حوافز موجهة تأخذ بيدي المناطق والمدن الداخلية التي تحتاج إلى جرعات تنمية وحضارة وبنية تحتية، لتبقى تلك الحواضر عامرة بأهلها ومحافظة على نسيجها ومكونها الاجتماعي، عوضاً عن استمرار نزيف الهجرة الداخلية المعاكسة التي تدفع خيرة شباب تلك المناطق نحو طنجة وغيرها بحثاً عن فرصة عمل.

إن استغلال الإمكانات الاقتصادية الواعدة للمغرب وتعبئة طاقات أبنائه في الداخل والخارج يتطلب أن تصبح “نهضة طنجة” نموذجاً يُستنسخ في عمق البلاد، لا عبئاً ديمغرافياً يستنزف الأطراف لصالح المركز.

في طنجة لا تكاد تجد زقة او زنقة الا وترى العلم الفلسطيني يرفرف خفاقا – الصورة من شرفة احد الفنادق في طنجة المدينة. 

إعلان

انفوجراف الرقيب

تصفح أسرع وبث مستمر

حمّل تطبيق الرقيب

آخر الأخبار بين يديك مباشرة

↗
--:--فلسطين
--°القدس