شبكة الرقيب الإعلامية
إعلان
أخبار محلية

الأكاديمية هنيدة غانم لـ”القدس العربي”: العامان المقبلان الأخطر على الشعب الفلسطيني

رام الله – “القدس العربي”: ترى الأكاديمية الفلسطينية والباحثة في علم الاجتماع السياسي، هنيدة غانم، أن “المنطقة تمر بمرحلة انتقالية، تتنازعها قوى متناقضة وخطيرة ومليئة بالتوحش”، وترى أن إحدى الإفرازات الممكنة تتمثل في أن يذهب الاحتلال الإسرائيلي باتجاه فاشي أكثر.

شبكة الرقيب الإعلامية - وتؤكد غانم، التي تُدير “المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار”، في حديث مطول مع “القدس العربي”، أن إسرائيل موجودة في أزمة عضوية غير قابلة للحل بالأدوات التي أفرزت الأزمة ذاتها، وهو ما يجعلها “تعيش حالة حرب أهلية باردة”.
وخلال الحوار المخصص للانتخابات الإسرائيلية وتداعياتها على الشعب الفلسطيني، تؤكد الخبيرة والمتخصصة في الشأن الإسرائيلي أن نتائج الانتخابات المقبلة لن تحمل أي تغيير جوهري لصالح الفلسطينيين، في ظل أن المعسكرين يجمعان على إدامة الاحتلال، والتعامل مع القضية الفلسطينية كملف أمني.

“إسرائيل ليست دولة لها حرب، إنما إسرائيل هي حالة حرب لها دولة”

وترى غانم أن إسرائيل “ليست دولة لها حرب، إنما هي حالة حرب لها دولة”، وهو ما يجعل الانتخابات فيها تُخاض كحرب عالمية، وتثمن المشاركة العربية في هذه الانتخابات، حيث تصفها بأنها “قوة لتعطيل الشر”.
وتحذر غانم في الوقت ذاته من أن غياب استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة يحوّل الفلسطينيين إلى مراقبين للأحداث بدلاً من فاعلين قادرين على التأثير في مسار مستقبلهم. وفيما يلي نص الحوار:

هنيدة غانم

– هل لنا أن نفهم خريطة المعسكرات الإسرائيلية في هذه الانتخابات وما تمثله؟
تنقسم الأحزاب والقوائم المطروحة في الانتخابات إلى ثلاثة معسكرات: اليمين الحاكم، والتغيير – المعارضة، والتكتل الثالث الذي يضم الأحزاب العربية. أما عدد القوائم المسجلة للمنافسة فيصل إلى 37 قائمة، لكن القوائم التي لها حظوظ في تجاوز نسبة الحسم هي 13 قائمة. هنا علينا القول إن الأحزاب الموجودة على العتبة (الحافة كما يُقال) هي التي سيكون لها دور كبير جداً في تحديد من سينتصر في النهاية في هذه الانتخابات.
في العمق، إذا نظرنا اليوم إلى البنية الاجتماعية والتاريخية والأيديولوجية للمعسكرين، نجد أن هناك تقاطعية ما بين الانتماء الإثني والمكانة الاقتصادية ومكان السكن مع الهوية الحزبية الخاصة بكل معسكر. وبالتالي، فإن معسكر التغيير هو بالأساس إعادة إنتاج لجماعة المؤسسين الصهيونية الأشكنازية العلمانية. أما معسكر اليمين، فنجد أنه يضم الحريديم واليهود الشرقيين الذين يشكلون القاعدة الشعبية الصلبة لحزب “الليكود”. وبالتالي، يمكن القول إن الصراع بين معسكرين يمثلان جيلين وتيارين ونموذجين: نموذج المستوطن الأول المؤسس، والنموذج الذي أفرزته نجاحاته في تحقيق المشروع الصهيوني، لكن جدليته أبرزت الجماعة التي يتصارع معها اليوم. وهو صراع له وجهان، وجه تجاوز داخلي للمؤسسين، ووجه خارجي تجاه الفلسطينيين، وهما لا ينفصلان عن بعضهما من أجل تحقيق مشروعهما السياسي، والذي سأختصره بكلمة أسميها “مشروع المستوطنة مقابل مشروع المستعمرة”.

– ماذا عن الموقف من القضية الفلسطينية والسلطة الفلسطينية التي يبدو أنها في حالة انتظار للنتائج؟
أولاً، الانتظار هذا محزن، فهو يخبرنا أن المشروع السياسي الوحيد الموجود هو ماذا سيفرز الجانب الآخر، وأنت متعلق به ولا تمتلك أي شيء بديل عنه، وهذا محزن أكثر، لكون هذا هو الحال منذ متابعتي لهذا الملف منذ عام 2009 وحتى الآن.
ثانياً، من يتابع المجتمع الإسرائيلي يعرف أن هناك انزياحاً مستمراً نحو اليمين، وهذا ليس ناتجاً عن سبب ظرفي. بالعكس، هذا التفجر المرعب الذي نراه اليوم في الأوضاع، جزء كبير منه ناتج عن الانزياح المستمر للمجتمع الإسرائيلي باتجاه اليمين، بمعنى رفض أي تسوية تتعلق بما يسمونه أرض إسرائيل، على أساس أن الضفة الغربية هي القلب النابض لأرض إسرائيل.
خذ مثالاً، في الانتخابات الإسرائيلية عام 1992، حصل حزبا “ميرتس” و”العمل” سوياً على 56 مقعداً لوحدهما، أما اليوم فإن الحزبين يمكن أن يحصلا على 10 مقاعد. إذاً ما الذي حدث؟ وإلى أي مدى كانت هناك إمكانية لسؤال التسوية في المجتمع الإسرائيلي؟ هذان سؤالان مهمان.
الصهيونية جاءت من الأساس بفكرة أن أرض إسرائيل هي أرض الميعاد. صحيح أن من أقام إسرائيل هو تيار علماني اعتقد دوماً أنه قادر على إخضاع الديني والتوراتي والميثولوجي للفكرة الدولاتية، لكن صارت هناك جدلية ونقاشات وصراعات انتهت باغتيال رابين (مشروع السلام). هذه كانت تقريباً آخر مرة كان من الممكن أن تحدث فيها تسوية سياسية معينة دون أن ينشق الشارع الإسرائيلي.

“نحن أمام حرب أهلية باردة، لأن الفجوة والشرخ بين المعسكرات كبيران”

بعد عام 2009، وهي آخر محاولة اتصال جدية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس، تحوّل الموضوع الفلسطيني تقريباً إلى موضوع هامشي، والاستراتيجية التي عمل عليها نتنياهو تمثلت في تحويل المسألة الفلسطينية إلى قضية ليست هامشية فقط، إنما نقطة عمياء.
يمكن ملاحظة أن النقاش الإسرائيلي الداخلي يعكس حالة التحول في الخطاب، فالقضايا الأساسية هي قضايا اجتماعية وعلاقة الدين بالدولة وخدمة الحريديم، وهي كلها قضايا داخلية. رافق ذلك إعادة ترتيب القضايا الجيوسياسية باتجاه إيران بصفتها العدو، ويمكن لنا أيضاً رؤية كيف تحوّل خطاب المعارضة السياسية إلى ما كان يريده اليمين الإسرائيلي.
نحن اليوم أمام مشهد فيه معسكر يميني يعرف ماذا يريد تماماً أيديولوجياً وسياسياً، مشروعه: أرض إسرائيل بين النهر والبحر، وفرض سيادة واحدة يهودية، وكذلك التفوق اليهودي والتعامل مع حدود دولة إسرائيل على أنها تخوم قابلة للتوسع باستمرار. وهناك معسكر تغيير يعرف ما الذي يريده (لا يريد نتنياهو)، لكنه لا يعرف ما يريد سياسياً. لكن من المهم جداً التأكيد على أننا إذا نظرنا إلى الوضع بوصفه مرتبطاً بهذه الانتخابات، عندها ستكون لنا ذاكرة قصيرة جداً، فهذا أمر بدأ يحدث منذ عام 2009 وصولاً إلى اليوم.

– ما أبرز السيناريوهات، سواء فوز اليمين وانعكاساته على القضية الفلسطينية، أو سيناريو فوز التغيير/المعارضة؟
اسم معسكر التغيير ملائم لهدف تغيير نتنياهو فقط. من ناحية ملف غزة أو الضفة، فإن هناك توافقاً على التعامل مع القضية الفلسطينية كقضية أمنية أولاً وثانياً وثالثاً، وليس بصفتها قضية سياسية. فيما يخص إيران فإنهم متفقون على طريقة التعامل معها، وكذلك “حزب الله”، وغزة حيث الاتفاق على إنهاء “حماس” ونزع سلاحها. وبالتالي، لا يوجد فرق في النتيجة استراتيجياً، غير أن النقاش بين المعسكرين ينحصر في مسألة الإدارة، وهذا فيه أهمية نوعاً ما، خاصة إذا كان هناك معسكر يضعك على حبل المشنقة ومعسكر يحكم عليك بالمؤبد. أنا أرى أن حكم المؤبد أقل ضرراً من حكم الإعدام، حكم المؤبد هو معسكر التغيير، لأنه يمنحك المجال كي تتنفس قليلاً، لكن تيار حكم الإعدام يتجه نحو حسم المسألة الفلسطينية.
معسكر اليمين يخطط ويعد وينفذ وعوده، وهو مجرب بالنسبة لنا، والميدان يشهد بذلك. أما المعسكر الثاني فهو في حالة من التخبط، لكنه في النهاية يمتلك خياراً، وهو العمل على استبدال نتنياهو. معسكر لا يملك مشروعاً سياسياً، لكن الجميع يعرف أن أي قضية سياسية لا تُحل إلا بالطرق السياسية. عملياً، لن تقدر إسرائيل على حل القضية الفلسطينية بالقمع والعنف إلا إذا أبادت الشعب الفلسطيني، وهذا لا يمكن أن يحدث، والسبب ببساطة أن نصف شعبنا خارج فلسطين المحتلة.

– سؤال التوقعات يشغل الجميع.. ما أبرز السيناريوهات في ظل الملامح الراهنة؟
الاستطلاعات الحالية لا تعطي حسماً لأي طرف، النتائج متقاربة جداً. إذا حصل معسكر التغيير على مقاعد أكثر من معسكر نتنياهو، فإن من يقرر هو نتيجة وحجم التصويت للأحزاب العربية.
هنا علينا التأكيد على أن كلام ما قبل الانتخابات تمحوه النتائج بعد الانتخابات. صحيح أن الجميع يقول إنه لا يريد حكومة أقلية مدعومة من العرب، لكن هذا قد يتغير. وبالتالي، السيناريو الأول، حكومة أقلية بقيادة أيزنكوت مدعومة من القائمة المشتركة، ومن منصور عباس. وأرى أنه قد يكون السيناريو الأقرب للتحقق، مع أنه سيناريو لن يستمر إلا لعدة أشهر ستكون كافية من أجل الإطاحة بنتنياهو وسن قوانين جديدة من أجل عدم عودته.
السيناريو الثاني “سيناريو الأزمة” الذي كان موجوداً من عام 2019 إلى 2022، أي لا يستطيع أي من الطرفين الوصول إلى تشكيل حكومة، ونضطر للعودة إلى الانتخابات مرة ومرتين.
السيناريو الثالث عودة اليمين، ولا يجب الاستهانة به، خاصة أن الانتخابات تُخاض كحرب عالمية. فإذا خرجت قائمة “عمخا يسرائيل”، فإن هذا يزيد حظوظ نتنياهو في هذا السيناريو.
سيناريو رابع يتمثل في تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهذا قد يحدث في حال تجددت الحرب على إيران.
هناك عوامل تؤثر على النتائج، منها عتبة الحسم، ومن هي الأحزاب الموجودة على الحافة، وكذلك نسبة التصويت عند العرب. والأخيرة مهمة، فكلما ارتفعت نسبة التصويت عند العرب، تزداد إمكانية تقليل حظوظ أحزاب اليمين على الفور. تخيل أن تحصل الأحزاب العربية على 15 مقعداً، هذا يعني أن قدرتها على التأثير ستكون أكبر. في انتخابات عام 2022، كانت نسبة التصويت عند العرب تقريباً 51 بالمئة.

– جزء من السيناريوهات يبرز مسألة أن إسرائيل في أزمة كبيرة؟
كتبت سابقاً دراسة حول الأزمة العضوية للمشروع الصهيوني، “إسرائيل ما بين الحرب الأهلية والإبادة”، نُشرت بداية عام 2025. والمؤكد أن إسرائيل موجودة في أزمة عضوية غير قابلة للحل بأدوات البنية التي أفرزت هذه الأزمة، والتي تنعكس حالياً في انهيار هيمنة الصهيونية المؤسسة، وعدم وجود مجموعة قادرة على بناء هيمنة بديلة. لذلك نرى إسرائيل تعيش حالة حرب أهلية داخلية باردة، إذ إن أمامنا معسكرين غير قادرين على الحسم. ولا يكون الخروج من الأزمة العضوية إلا في حالة واحدة، وباستخدام أدوات من خارج البنية التي أفرزتها. الأمر الثاني، لا يوجد مشروع استعمار استيطاني في العالم نجح من دون تجاوز مسألة السكان الأصليين. إسرائيل لم تستطع أن تتجاوز المسألة الأصلانية.

– ماذا يحدث إذا رجعت الأزمة ولم تتشكل حكومة بفعل عدم الحسم؟
هذا ما يحلم به نتنياهو، فهو سيناريو جيد له، حيث سيبقى يصرف الأعمال لمدة قد تصل إلى عامين، وتخيل هذه الفترة مع وجود ترامب. برأيي يمكن أن يكون أقرب سيناريو، وهو سيناريو 2019.

– كيف يفهم الفلسطينيون بالداخل (مناطق 1948) دورهم وما يحفزهم على المشاركة أكثر؟
هناك شعور لديهم بأن هذه الانتخابات مصيرية. لقد فهموا وعاشوا وقائع عملية إطلاق يد المافيات عليهم، حيث تمت خصخصة العنف لصالح العصابات. نحن نتحدث عن فقدان الأمن الشخصي، عملياً نشهد أكبر ارتفاع في نسبة القتل. في عام 2022 كان معدل الجريمة 122 ضحية، أما عام 2023 فكان نحو 244 ضحية، أما عام 2025 فالعدد أكثر من 270 ضحية. الأرقام مرعبة، هذا الانفلات ليس قضية اجتماعية، هذه قضية قومية، هذا فعل سياسي.

“أنا أتعامل مع العرب بالأساس على أنهم قوة لتعطيل الشر”

من زاوية ثانية، أنا أتعامل مع العرب بالأساس على أنهم قوة لتعطيل الشر، وبالتالي إذا كان العرب قوة قادرة على تعطيل تشكيل حكومة اليمين، ودعمهم للحكومة الأخرى، فإن هذا سيكون له مقابل معين. لكن الأمر المهم ألا يُبنى ذلك على سيناريوهات وأحلام وردية زائدة عن اللزوم، فالتغييرات لن تكون تغييرات استراتيجية، إنما تغييرات موضوعية محلية. أتوقع أن تتغير السياسة في السجون مثلاً، السجناء اليوم متروكون للتوحش. وهذا أولاً. ثانياً، الفلتان الذي نراه في الاستيطان، لست متأكدة مما سيحدث فيه. سأقول هنا إن قوة الزعران من المستوطنين المتطرفين في الضفة فاقت قدرة الدولة على احتوائهم، واحتواؤهم دون شك سيكون جزءاً منه مواجهة بينهم، وهذا ملف يجب أن نراقبه.
انظر عمّ يتحدث حزب “يشار” مثلاً، يتحدث عن تحسين صورة إسرائيل الدولية. هل يمكن فعل ذلك مع المشاهد التي نراها يومياً؟ أكيد أنه ستكون هناك محاولة ضبط، لكن ليس بالطريقة التي نتوقعها.
مثال آخر، معسكر التغيير يتعامل مع الجريمة في الداخل بصفتها موضوعاً يهدد الدولة، والمشهد يقول إن هناك ميليشيات مسلحة تستخدم العنف خارج إطار الدولة، وفي الضفة هناك ميليشيات تستخدم العنف بحق السكان وخارج إطار الدولة، وهذه إشكالية. معسكر نتنياهو يسعى لتجاوز كل الخطوط الحمراء، وهو يعكس حالة ترامبية لكن بصيغة إسرائيلية.

– ذكرتِ أن موضوع الجريمة في الداخل يشكل محدداً أساسياً لصعود الصوت العربي، ما العوامل الأخرى التي تتحكم في زيادة التصويت؟

موضوع الجريمة هو أكثر موضوع يؤرق الداخل الفلسطيني، لكنه ليس الموضوع الوحيد. الفلسطينيون في الداخل عاشوا خلال السنوات الأربع الماضية حالة اضطهاد وملاحقة مرعبة، حبس وطرد بسبب منشورات بسيطة جداً. طلاب طُردوا من الجامعات وسُجنوا في بداية الحرب على أمور تافهة، وهناك من سُجن وفقد مستقبله بسبب صورة “شكشوكة”. أنت تتحدث عن حالة ترهيب واضطهاد مهولة، تخللها رعب بسبب ما كان يحدث في غزة، وهو ما انعكس على الخوف من مستقبلنا كلنا، فالملفات متداخلة جداً.
ثانياً، المتطرف سموتريتش جاء وقال بوضوح إنه سيستنسخ مشروع البؤر الاستيطانية في الجليل، يعني الاستيطان في المناطق العربية بالداخل. لقد كتبت ذات مرة مقالاً حول “المستوطنة تحتل المستعمرة”. هناك ما يُطلق عليه الأندية التوراتية، وهي عبارة عن أندية للاستيطان يقيمها المستوطنون في مناطق علمانية أو مناطق عربية في الداخل من أجل تغيير الـDNA لهذه المناطق واستيطان القلوب كما يقولون. لقد بدأوا الدخول في تل أبيب، في المناطق العلمانية جداً، وكذلك في المدن العربية، مثل: اللد والرملة وعكا ويافا، والشيخ جراح في القدس. هنا يجب أن نتذكر دوماً، وألا تكون ذاكرتنا قصيرة، نحن نتحدث عن سيرورة قادت إلى هذا الانزياح الكبير. لاحظ كيف أن المستوطنات التي كانت بدايتها مع حزب “العمل” في بداية السبعينيات من القرن الماضي تشكلت وتطورت، وأعادت تشكيل ذاتها لتدخل من جديد وتحوّل إسرائيل ذاتها. فبدلاً من أن تضم إسرائيل المستوطنات حدث العكس، حيث نجد أن المستوطنة ضمت المستعمرة.

– هل هناك أثر للبعد الدولي على الانتخابات الإسرائيلية، بمعنى هل صورة إسرائيل المتردية في العالم أو دعم ترامب لنتنياهو… إلخ، لها تأثير على الانتخابات؟
أكثر جملة دالة بقوة عن إسرائيل مفادها أن إسرائيل لها سياسات داخلية تؤثر وتتأثر بها، ولا تتأثر بالسياسات الخارجية. هنا تشعر أن الصراعات الداخلية هي العامل الأساسي المؤثر عليها. بالنسبة لدعم ترامب، أرى أنه يرسخ دعم اليمين الإسرائيلي لذاته وليس أكثر، فما نشاهده اليوم هو حدوث انقلاب داخل المعسكرات وليس خارجها، بفعل حالة التمترس التي وصل إليها المجتمع الإسرائيلي. نحن أمام حرب أهلية باردة، لأن الفجوة والشرخ بين المعسكرات كبيران.
لكن هل يمكن الرهان على هذه المعطيات في إحداث تغيير يخدم القضية الفلسطينية؟ وهل وصلت إسرائيل إلى مستوى نهائي من العنف بحقنا أم هناك ما هو أكثر توحشاً؟
أنا لا أقلل من أهمية إزاحة بن غفير مثلاً، بالنسبة لي هذا لوحده سبب كافٍ. أنا بين من هو سيئ ومن هو أسوأ، وأنا لست ممن يؤمنون بأن إسرائيل وصلت في عنفها إلى الذروة. أعتقد أنه يمكن أن يكون هناك ما هو أسوأ، ومزيد من الأدوات التي تدفع باتجاه هاوية أعمق. وبالتالي، كلما شعرت إسرائيل أن هناك خطراً على بنيتها، خطراً على المشروع الصهيوني فيها، سيزداد عنفها بشكل غير مسبوق. لذلك أعتقد أن إزاحة بن غفير قد تزيح خطراً.
نتنياهو يتحدث عن “سوبر إسبرطة”، في عام 1948 كانوا يتحدثون عن “إسبرطة”، واليوم هناك تحول كبير، وهي أيضاً تقود تطور اقتصاد ذاتي، لأنهم يضعون في الحسبان مسألة تصاعد عمليات المقاطعة.
نقطة أخرى، إسرائيل ليست دولة لها حرب، إنما إسرائيل هي حالة حرب لها دولة، بمعنى أن الحرب نفسها هي أداتها للبقاء والاستمرار، ففكرة أن تتعامل معها بمفهوم الدولة الطبيعية التي يمكن أن تخضع للضغوطات، هذا مستبعد. مسألة أخرى، انظر إلى كمية السلاح التي تُصدّر إلى إسرائيل، والأهم هو عملها على إعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية بمنطق جديد يفكر في مرحلة ما بعد أمريكا. هي ترى أنها ستخسر علاقتها مع أمريكا بعد عامين، هي تعلم ذلك تماماً. من أجل هذا، أرى أن أخطر عامين على الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 هما العامان المقبلان، فإذا تقاطع وجود ترامب مع استمرار وجود نتنياهو، فإن السعي للحسم سيتواصل، حيث ستلتقي مجموعة فيها العجرفة مع شعور بالقوة ووجود الدعم الاستراتيجي.

– ماذا عن تأجيل الانتخابات، هل هذا ممكن؟
هو ممكن في حال حدثت حرب، حيث سيكون هناك سبب للتأجيل، مع أن الجميع يقول إنه يمكن أن تحدث حرب، أنا أجد صعوبة في هذا السيناريو.
في الختام، هناك مثل صيني يقول إننا على الأقل نعيش في مرحلة مثيرة وغير مملة. أنا أريد أن أعيش في مرحلة مملة، والأكيد أننا إزاء مرحلة صعبة، نحن أمام سنتين في غاية الصعوبة على الشعب الفلسطيني. يجب العمل بكل الطرق وبكل الوسائل حالياً على تعميق قدرة الشعب على الصمود. وجودنا هنا يزيد أزمة الاحتلال، وجودنا هو المشكلة بالنسبة للاحتلال.
المفارقة هنا أننا في هذه الانتخابات اليوم تقريباً 15 مليون إنسان بين الماء والماء، تقريباً هناك 50 بالمئة فلسطيني و50 بالمئة يهودي، لكن الأغلبية العظمى من الفلسطينيين لا تستطيع أن تنتخب، ورغم ذلك يُقرَّر مصيرها في هذه الانتخابات. وبالتالي، هي انتخابات مصيرية بالنسبة لنا، لكن من يقرر فيها هو الإسرائيلي.

– أخيراً، ما هو توصيفك للمرحلة التي نمر بها في هذه الفترة؟
نحن، بإيحاء من المفكر غرامشي، في مرحلة انتقالية، تتنازعها قوى متناقضة، ومن غير الواضح ما الأمر الجديد الذي سيخرج. هي مرحلة صعبة وخطيرة ومليئة بالتوحش، إحدى الإفرازات الممكنة أن يذهب الاحتلال باتجاه فاشي أكثر، وأن تتحول الفاشية إلى نظام. خاصة في ظل أن إسرائيل بنت الدولة على أساس اقتصاد حرب، والصهيونية حوّلت المجتمع إلى ما يشبه الطائفة المغلقة قومياً.
هناك أمر آخر فيما يخص احتمالات التغيير، المسألة اليهودية هي مسألة أوروبية، وبالتالي يصعب أن يكون التغيير أوروبياً، أما أمريكا فهي متحررة من هذه المسألة إلى حد ما. وعليه، أتوقع أن يكون التغيير القادم من أمريكا أسهل. على المستوى القريب الوضع صعب، لكن على المستوى البعيد أرى أنه لا يوجد حل إلا أن نعيش معهم سوياً، جميعاً، في كينونة مبنية على قيم الديمقراطية والمساواة، وهذا يحتاج إلى شغل فلسطيني وإعادة تفكير في كل الأدوات.

إعلان

انفوجراف الرقيب

تصفح أسرع وبث مستمر

حمّل تطبيق الرقيب

آخر الأخبار بين يديك مباشرة

↗
--:--فلسطين
--°القدس