حين تصبح الجباية هدفا

شبكة الرقيب الإعلامية -
د.طارق عاشور
يحدد الاحتلال حجم الكعكة ولا جدال في ذلك. يغلق المعابر، ويحتجز المقاصة، ويتحكم في حركة السلع والعمال، ويحصر الاقتصاد الفلسطيني في مساحة لا تسمح بنمو حقيقي. لكن هذا كله يفسر حجم الموارد، ولا يفسر كيف توزع. تقسيم ما تبقى قرار محلي بالكامل، يتخذه وزراء ومستشارون يحمل العديد منهم شهادات عليا في الاقتصاد والمالية.
وحين ينظر المرء في القرارات الاقتصادية للسنوات الاخيرة، يجد نمطا يتكرر: تختار السياسة من بين خيارات ضيقة اكثرها ضررا بدخل المواطن وبالقاعدة الانتاجية، ثم يصحح الخطأ بقرار اشد كلفة منه. ما دام معيار القرار هو زيادة التحصيل بذاته، لا حماية الدخل والخدمة والمؤسسة القاعدية، فالمسار الذي ينتظرنا معروف مسبقا: انكماش اضافي في 2027، بلديات فقدت قدرتها على تقديم الخدمة، تعليم بثلث طاقته، وهجرة شبابية تفرغ سوق العمل من افضل ما فيه.
نبدأ تدريس الاقتصاد الجزئي بثلاثة مفاهيم: الموارد نادرة، وكل اختيار يعني التنازل عن بديل، والغاية من الاختيار تعظيم المنفعة. ثم نمضي فصل كامل في تفكيك سؤال واحد هو كيف نعظم المنفعة من موارد محدودة. والمفارقة ان الحالة الفلسطينية تستوفي شروط هذا الدرس بحذافيرها: ندرة قصوى، بدائل قليلة لكنها موجودة، ومساحة قرار حقيقية مهما ضاقت. ومع ذلك تختار السياسة النقطة الادنى على منحنى المنفعة مرة بعد مرة. وهذا بالضبط ما يجعل السؤال عن المنهج مشروعا: هل نحن امام قصور في المعرفة، ام امام قرار يتخذ خارج المعرفة اصلا؟
الارقام الرسمية تحسم اتجاه المسار. الجهاز المركزي للاحصاء اعلن تراجع الناتج المحلي الاجمالي في الربع الاول من 2026 بنسبة 8% عن الربع الاخير من 2025، وهبوط نصيب الفرد من الناتج الى 545 دولارا. وظل الناتج في 2025 اقل بنحو 24% من مستواه في 2023. قبل ذلك بستة اشهر كانت التوقعات الرسمية تتحدث عن نمو بين 4.1% و4.5%. الفجوة بين التوقع والنتيجة ليست خطأ في نموذج احصائي، بل دليل على ان الافتراضات التي تبنى عليها الموازنة والسياسة لا تلامس ما يجري في السوق.
على جانب الايرادات، يظل الاعتماد على المقاصة قدر مفروض بحكم بروتوكول باريس، وتقدرها الدراسات بنحو 68% من الايرادات العامة. لكن ما يجري داخل الـ32% المتبقية قرار محلي بالكامل. توسيع القاعدة الضريبية افقيا هدف معلن في وثائق وزارة المالية منذ سنوات، ونتائجه على الارض متواضعة. جزء واسع من النشاط الاقتصادي ما زال خارج السجل الضريبي، والتسرب المالي عبر الاستيراد غير المباشر يحول ضرائب مستحقة للخزينة الفلسطينية الى خزينة الاحتلال، وملف اعفاءات الشركات الحكومية ذات الطابع التجاري لم يحسم. هذه ثلاثة ابواب تحتاج جهد اداري وتشريعي وسياسي طويل ومكلف سياسيا. في مقابلها باب واحد سريع ومضمون العائد: الجباية على المشتقات النفطية. ولان التحصيل صار هدف لا وسيلة، اختير الباب السريع.
كلفة هذا الاختيار لا تظهر في الجداول ولا في التصريحاتبل يعيشها المواطن على الارض. في كانون الثاني 2025 كان لتر السولار يباع بـ6.06 شيكل، وفي اب 2026 بـ8.56 شيكل، بارتفاع يقارب 41%، فيما ارتفع بنزين 95 من 7.01 الى 7.99 شيكل. جزء من الارتفاع عالمي المنشأ ولا يد لاحد فيه، لكن توزيع عبئه قرار محلي، والدليل ان الحكومة( وحسب تصريحاتها) تحملت في اذار 2025 نحو 58% من زيادة تعرفة الكهرباء بكلفة قدرت بـ220 مليون شيكل سنويا، اي ان امتصاص الصدمة ممكن حين تتوفر الارادة. والسولار ليس سلعة استهلاكية، بل مدخل انتاج داخل في كل رغيف ونقلة بضاعة ودورة ري ومولد يعوض انقطاع الكهرباء. رفع كلفته في اقتصاد منكمش يخفض الدخل الحقيقي، ويرفع سعر المنتج المحلي امام المستورد، ثم يقلص الوعاء الضريبي نفسه بعد بضعة اشهر. وفي المالية العامة نعلم الطالب ان السياسة المطلوبة في الركود تعاكس الدورة لا تسايرها، وان تحصيل شيكل اليوم على حساب انتاج عشرة غدا خسارة لا انجاز.
اما على جانب الانفاق فالمشكلة في التركيب لا في الحجم. موازنة الطوارئ لعام 2026 قدرت ايرادات بنحو 15.7 مليار شيكل مقابل نفقات تقارب 17.6 مليار، وتذهب السيولة المتاحة الى الاجور والتشغيل، فيما تحول الانفاق التطويري الى بند شكلي. ويبقى السؤال الاصعب هو ما لا يعرفه احد: كيف ترتب الاولويات داخل هذا الرقم، وباي معيار، وبناء على اي دراسة اثر. الموازنة تقر منذ سنوات بقرار تنفيذي في غياب مجلس تشريعي منذ 2007، والافصاح المنشور اجمالي لا يسمح بتتبع بند بعينه، ومتأخرات الخزينة تجاه القطاع الخاص وصناديق التقاعد وجموع الموظفين بلا جدول زمني معلن. وحين احال ديوان الرقابة المالية والادارية في 2025 ثلاثة تقارير تتضمن شبهات فساد الى هيئة مكافحة الفساد، لم يعرف الرأي العام مضمونها. الشفافية هنا ليست مطلب اخلاقي مجرد بل شرط اقتصادي، فالخزينة التي لا تفصح ترفع كلفة اقتراضها وتخسر ثقة المانح والمستثمر والمواطن معا.
ملف صافي الاقراض يختصر المنهج كله. المشكلة قديمة وحقيقية، وضبطها هدف مشروع. لكن الاداة كانت خصم ينتهي عبؤه على البلديات ومجالس الخدمات المشتركة، اي على القلعة الاقرب الى الناس والاقدر على تثبيتهم في ارضهم. وفرت الخزينة بضعة ملايين وقدمتها بوصفها انجازا، وفي المقابل بات عدد كبير من المجالس المحلية عاجزا عن دفع اجور موظفيه او صيانة شبكة مياه او انتظام رفع النفايات. الوفر ظهر في السطر المالي، والكلفة لم تظهر لانها لا تقاس في جدول: خدمة متردية في القرية، وشاب يحسم قرار هجرته على اساسها.
التعليم يقدم النموذج نفسه. عام دراسي جديد يبدأ الاسبوع بعد المقبل ودوام المعلمين حسب التوقعات فيه ثلاثة ايام. وزارة التربية تقول ان اجندتها الرسمية خمسة ايام مع اعتماد ثلاثة كحد ادنى في بعض المناطق، والاتحاد العام للمعلمين يبحث اضافة يوم رابع بتمويل خارجي. المسؤولية الاولى تقع على احتجاز اموال الشعب وعلى العجز عن دفع الرواتب كاملة، لكن ادارة الملف تتحمل نصيبها. الازمة مفتوحة منذ سنوات وتدار شهرا بشهر، بلا خطة معلنة تضمن حدا ادنى من كفاية التعليم الالزامي وجودته، ولا تقدير منشور لحجم الفقد التعليمي التراكمي. راس المال البشري هو المدخل الانتاجي الوحيد الذي نملكه فعلا، وما ينفق منه اليوم لا يعوض في اي موازنة قادمة. وفي القطاع الصحي يدفع المواطن اشتراك تامينه ثم يقصد العيادة الخاصة ليحصل على فحص او تحويلة يفترض ان التامين يغطيها، وهذه بلغة الاقتصاد ضريبة تنازلية يتحملها الاضعف.
وثمة سؤال ثالث بلا جواب معلن. مؤسسات الاستثمار العامة انشئت لتكون رافدا للخزينة ورافعة للاقتصاد. صندوق الاستثمار الفلسطيني ينشر ارقام برنامجه المجتمعي بدقة، وهي بحدود مليون دولار في نصف عام، اما ما يعني الاقتصادي فهو العائد على الاصول ومخارج الاستثمار والتقييمات وتوزيعات الحكومة. المطلوب هنا افصاح لا اتهام، وفي غياب الافصاح يبقى السؤال قائما.
واخطر ما في المشهد ليس القرار الخاطئ بل الخطاب الذي يبرره. تتردد في الندوات طروحات تنادي باستقلالية مالية للمحافظات وتقدم بوصفها لامركزية وكفاءة. وبلغة الاقتصاد وحده، تفكيك الوحدة المالية للخزينة في ظرف كهذا يرفع كلفة الاقتراض، ويشتت القدرة التفاوضية، ويلغي التحويل بين المناطق الذي يحمي الاطراف والقرى. من ينادي بها مطالب بفحص اين تصب نتائجها العملية قبل نتائجها النظرية.
يراد لنا اليوم ان نصدق ان الاصلاح المالي والمؤسسي حقق كثيرا من اهدافه. والسؤال المشروع: اي اصلاح؟ الاصلاح الذي يقاس بمؤشرات المانحين وشروط الدفعات، ام الاصلاح الذي يقاس بما يصل الى جيب المواطن ومدرسة ابنه وعيادته؟ حتى اللحظة لا يعرف دافع الضريبة الفلسطيني هيكل الايرادات بتفصيلها ولا تقسيم النفقات ببنودها، وهذا وحده يكفي للحكم على مضمون الاصلاح المعلن. اما الرفاه الذي يقال انه ثمرته، فسيقاس في السوق لا في التقارير: الرقم القياسي لاسعار المنتج للسلع المستهلكة محليا من الانتاج المحلي بلغ 198 نقطة في تموز 2026 مقابل 100 في سنة الاساس 2019، اي ان اسعار المنتج تضاعفت تقريبا في سبع سنوات، وارتفع في شهر واحد بنسبة 1.69%. ومن يقرأ هذا الرقم يقرأ معه فاتورته: لتر السولار انتقل من 6.06 الى 8.56 شيكل بين مطلع 2025 واب 2026، وكيس البطاطا الذي كان بعشرة شواكل مطلع العام يباع اليوم باربعة عشر، وحتى الميسورون لم يسلموا، فبعض المدارس الخاصة رفعت رسومها بما يقارب 400 دولار على الطالب الواحد. هذه هي المؤشرات التي يقيس بها الناس نجاح السياسة الاقتصادية، وليست ما يرد في بيان او تصريح.
