نقابة المهندسين تكشف للرقيب تفاصيل أزمة صندوق التقاعد وترد على شكاوى المتقاعدين
النقابة تقر بالأزمة: الايرادات أقل بكثير من الالتزامات
شبكة الرقيب الإعلامية - خاص – الرقيب
في أعقاب الشكاوى والاتهامات التي أثارها عدد من المهندسين المتقاعدين بشأن أوضاع صندوق التقاعد ونسب الصرف والعلاقة بين مركز القدس ومركز عمان، قدم نقيب المهندسين في فلسطين، المهندس طارق الزرو، توضيحات موسعة عبر برنامج الرقيب، أقر خلالها بوجود أزمة حقيقية في صندوق التقاعد، مؤكداً في الوقت ذاته أن عدداً من المعلومات التي جرى تداولها حول عمل النقابة وآلية التعامل مع المتقاعدين «غير دقيقة».
ويأتي التوضيح بعد مقابلة سابقة بثها برنامج الرقيب مع أحد المهندسين المتقاعدين، أثارت تفاعلاً واسعاً وأسئلة عديدة حول حقوق المتقاعدين، ونسب الرواتب التي تصرف لهم، وإمكانية عمل المهندس بعد التقاعد، إضافة إلى علاقة نقابة المهندسين – مركز القدس – بالنقابة في الأردن.
النقابة تقر بالأزمة: الايرادات أقل بكثير من الالتزامات
في أبرز ما كشف عنه الزرو، أكد أن صندوق التقاعد يعاني من أزمة مالية حقيقية، موضحاً أن حجم الإيرادات الشهرية التي تدخل إلى الصندوق لا يقترب من حجم الالتزامات المطلوبة لصرف الرواتب التقاعدية كاملة.
وقال إن الإيرادات الشهرية للصندوق تبلغ نحو 960 ألف دينار أردني، بينما تحتاج عملية صرف الرواتب التقاعدية كاملة إلى ما يقارب 4.5 ملايين دينار شهرياً.
وبحسب الأرقام التي قدمها الزرو، فإن الفجوة الشهرية بين الإيرادات والالتزامات تصل إلى نحو 3.5 ملايين دينار أردني في حال صرف كامل المستحقات التقاعدية.
وأكد أن هذه الأزمة ليست جديدة أو وليدة السنوات الأخيرة، قائلاً إن الخلل المالي والاكتواري في الصندوق بدأ بالتشكل منذ سنوات، وتحديداً مع تزايد أعداد المتقاعدين وتراجع التوازن بين الإيرادات والالتزامات.
وأوضح أن من الأسباب التي يجري بحثها ضمن الدراسات المتخصصة:
- انخفاض سن التقاعد من 65 عاماً إلى 60 عاماً.
- الزيادة الكبيرة في أعداد المتقاعدين.
- قضايا تتعلق بالإلزامية والاشتراكات.
- بعض الاستثمارات التي واجهت مشكلات.
- الاختلال الاكتواري المتراكم على مدار سنوات.
وقال الزرو إن المشكلة «ليست وليدة يوم أو سنة أو سنتين»، بل هي أزمة تراكمية تحتاج إلى حلول هيكلية وليس إلى إجراءات مؤقتة فقط.
أكثر من 2500 مهندس متقاعد في مركز القدس
وكشف نقيب المهندسين أن عدد المهندسين المتقاعدين التابعين لمركز القدس يتجاوز 2500 مهندس ومهندسة، في حين يبلغ عدد أعضاء الهيئة العامة للنقابة في فلسطين نحو 34 ألف مهندس ومهندسة، بحسب ما ورد في حديثه للرقيب.
وأكد أن الأزمة الحالية تمس شريحة واسعة من المهندسين الذين أمضى كثير منهم عقوداً طويلة في العمل والمهنة قبل الوصول إلى سن التقاعد، وهو ما يجعل ملف الصندوق من أكثر الملفات حساسية داخل الجسم النقابي.
لماذا لا يحصل المتقاعدون على كامل رواتبهم؟
رداً على الأسئلة المتعلقة بنسب الصرف الحالية، قال الزرو إن إدارة صندوق التقاعد وضعت أولويات للصرف في ظل الأزمة المالية.
وبحسب ما أوضحه خلال المقابلة، فإن نسب الصرف الحالية تتوزع على النحو التالي:
- 50% للأرامل والأيتام باعتبارهم من الفئات ذات الأولوية.
- 25% للمتقاعدين غير المزاولين للمهنة الهندسية.
وأوضح الزرو أن القرار المتعلق بالصرف جاء في ظل عدم قدرة الصندوق على الوفاء بكامل التزاماته المالية الشهرية، مؤكداً أن الأموال التي تدخل إلى الصندوق يتم استخدامها في صرف المستحقات التقاعدية ضمن الإمكانات المتاحة.
وشدد في الوقت نفسه على أن الصندوق لا يخلو من الأصول المالية والثابتة، لكنه قال إن النقابة تتعامل حالياً مع مرحلة وصفها بأنها «مرحلة إنقاذ للصندوق».
هل يُمنع المهندس المتقاعد من العمل؟
كانت واحدة من أكثر النقاط التي أثارت الجدل في المقابلة السابقة مع أحد المتقاعدين، تتعلق بما أُثير حول منع المهندس المتقاعد من ممارسة أي عمل تحت طائلة وقف أو تخفيض راتبه التقاعدي. وهنا قدم الزرو توضيحاً مباشراً، مؤكداً أن الأمر لا يتعلق بمنع المتقاعد من ممارسة أي عمل في الحياة العامة أو التجارية. وقال إن مفهوم «المزاول للمهنة» في نظام النقابة يرتبط تحديداً بممارسة المهنة الهندسية، مثل العمل في مكتب هندسي أو شركة مقاولات أو أي نشاط مهني هندسي.
وأضاف أن المهندس المتقاعد الذي يعمل في مهنة أو نشاط لا علاقة له بالهندسة، مثل التجارة أو الزراعة أو أي عمل آخر، لا يُعتبر مزاولاً للمهنة الهندسية وفق هذا التعريف. وأكد أن ما أثير حول منع المتقاعد من ممارسة أي عمل «بالمطلق» غير صحيح، موضحاً أن المسألة تتعلق فقط بممارسة النشاط الهندسي بعد التقاعد. وقال إن المهندس الذي لا يمارس المهنة الهندسية بإمكانه الحصول على إثبات «غير مزاول» من النقابة، وإرسال الأوراق المطلوبة وفق الإجراءات المعمول بها.
أزمة بدأت منذ أكثر من عقد
وفي حديثه عن جذور الأزمة، أشار الزرو إلى أن الاختلال المالي في صندوق التقاعد يعود إلى سنوات طويلة. وقال إن الخلل الاكتواري بدأ بالظهور منذ عام 2013، بينما أصبحت الفجوة بين الأموال الداخلة إلى الصندوق والمبالغ الخارجة منه أكثر وضوحاً بعد ذلك. وأوضح أن تخفيض سن التقاعد وزيادة أعداد المتقاعدين كانا من أبرز العوامل التي أثرت على التوازن المالي للصندوق. وأشار أيضاً إلى وجود استثمارات سابقة واجهت تحديات، لكنه شدد على أن تحديد الأسباب التفصيلية والمسؤوليات المرتبطة بالأزمة يخضع لدراسات ولجان مختصة.
دراسة اكتوارية وخطة لإنقاذ الصندوق
أكد الزرو أن هناك جهوداً جارية للوصول إلى حلول طويلة الأمد لأزمة صندوق التقاعد. وبين إن النقابة تعمل بالتعاون مع الجهات المختصة على إعداد دراسة اكتوارية تهدف إلى تشخيص وضع الصندوق ووضع آليات لإنقاذه. وأضاف أن النقابة تأمل بأن تتضح نتائج الدراسة وخيارات الحلول قبل نهاية العام الحالي.
وأكد أن النقابة لا تعتبر الأزمة أمراً يمكن تجاهله، قائلاً إن المجالس النقابية تعمل على الملف بهدف الوصول إلى آلية تضمن استمرارية الصندوق وقدرته على الوفاء بالتزاماته.
وتشير مواقف سابقة منشورة عن نقابة المهندسين الأردنيين إلى أن أزمة صندوق التقاعد وتعديلات نظامه كانت بالفعل محور نقاشات مع مركز القدس والهيئات العامة، وسط حديث عن ضرورة إيجاد آليات تضمن استمرار الصندوق وقدرته على الوفاء بالتزاماته.
مركز القدس: «لسنا فرعاً»
وتناول الزرو خلال المقابلة قضية العلاقة بين نقابة المهندسين في فلسطين ومركز النقابة في عمان، وهي إحدى النقاط التي أثيرت في شكاوى المتقاعدين. وأكد أن نقابة المهندسين الأردنيين تعمل من خلال مركزين، هما مركز عمان ومركز القدس، مشدداً على أن مركز القدس ليس مجرد فرع تابع إدارياً لمركز عمان. وقال إن مركز القدس يتمتع باستقلال مالي وإداري في العديد من الملفات، وإن المباني والممتلكات التابعة للنقابة في الضفة الغربية تعود لمركز القدس.
لكنه أوضح وجود ارتباط مباشر مع مركز عمان في ملفات محددة، من أبرزها:
- صندوق التقاعد.
- صندوق التكافل الأردني.
- بعض الملفات المتعلقة بالاشتراكات.
وأكد أن العلاقة النقابية والتاريخية مع مركز عمان قائمة، وأن مركز القدس يتابع بصورة مستمرة ملف المتقاعدين الفلسطينيين مع الجهات المختصة في الأردن.
«نحن نتابع الملف يومياً»
رداً على اتهامات بأن مركز القدس لم يتخذ خطوات كافية لمتابعة قضية المتقاعدين، قال الزرو إن مجلس النقابة الحالي عقد عدة اجتماعات مع نقابة المهندسين في الأردن منذ تسلمه مهامه. وأشار إلى عقد لقاءات مباشرة واجتماعات خاصة بملف التقاعد، إضافة إلى لقاء إلكتروني خُصص للمتقاعدين وشارك فيه، بحسب قوله، أكثر من 400 مهندس ومهندسة. وأكد أن النقابة تتلقى بصورة مستمرة رسائل وشكاوى من المهندسين في مختلف المحافظات، وأن هذه القضايا تتم متابعتها مع مركز عمان. كما أعلن استعداده لإتاحة المراسلات ومحاضر الاجتماعات المتعلقة بمتابعة ملف المتقاعدين لمن يرغب في الاطلاع عليها.
هل أموال المتقاعدين تُنفق على المباني والامتيازات؟
من بين الانتقادات التي طُرحت سابقاً، تساؤلات حول مشاريع ومباني النقابة، وما إذا كانت الأموال التي تنفق على هذه المشاريع كان يمكن استخدامها لمعالجة أزمة المتقاعدين. ورفض الزرو الربط بين المباني التابعة لمركز القدس وأزمة صندوق التقاعد، مؤكداً أن المباني الموجودة في المحافظات هي ممتلكات خاصة بمركز القدس. وقال إن مركز القدس منفصل مالياً في هذا الجانب، وإن أموال وممتلكات النقابة في فلسطين لا تعني أن هناك إمكانية مباشرة لتحويلها لتغطية التزامات صندوق التقاعد بالطريقة التي يتصورها البعض. ودافع عن إنشاء وتطوير مباني الفروع، مؤكداً أن النقابة التي تضم نحو 34 ألف عضو بحاجة إلى منشآت قادرة على تقديم الخدمات واستقبال المهندسين في مختلف المحافظات.
نفي وجود رواتب إضافية وامتيازات استثنائية
كما رد الزرو على ما أثير حول وجود رواتب إضافية أو امتيازات مالية لموظفي النقابة في ظل الأزمة المالية التي يعيشها صندوق التقاعد. وقال إن ما تردد عن صرف راتب ثالث عشر أو راتب رابع عشر لموظفي نقابة المهندسين غير صحيح. وأكد أن الموظفين يتقاضون رواتبهم الطبيعية، مشيراً إلى وجود رقابة مالية وتدقيق خارجي، وإلى أن الأمور المالية والإدارية تناقش ضمن المؤتمرات والهيئات النقابية وفق الأنظمة المعمول بها.
رسوم الـ40 ديناراً: ماذا يحصل عليها المتقاعد؟
وتطرق الحوار إلى الرسوم السنوية التي يدفعها بعض المهندسين المتقاعدين، والتي تبلغ 40 ديناراً أردنياً سنوياً.
وأوضح الزرو أن هذه الرسوم لا تتعلق مباشرة باستحقاق الراتب من صندوق التقاعد، وإنما ترتبط بما وصفه بنظام التأمين أو الضمان الاجتماعي للنقابة.
وبحسب ما قال، فإن استمرار العضوية ودفع هذه الرسوم يتيح في حالات محددة، مثل الوفاة أو العجز الدائم، الحصول على مساعدات مالية، بينها مبلغ فوري يصل إلى 5000 دينار أردني، إضافة إلى 100 دينار شهرياً للأسرة وفق الأنظمة المعمول بها.
وأوضح أن من يتخلف عن دفع الرسوم لفترة طويلة قد يفقد بعض الحقوق المرتبطة بهذا النظام، وهو ما دفع النقابة إلى دعوة المهندسين للحفاظ على استمرارية اشتراكاتهم.
نقابة المهندسين: الأزمة لا تعني التخلي عن الصندوق
ورغم إقراره بحجم الأزمة المالية، أكد الزرو أن الهدف النهائي هو الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها صندوق التقاعد العودة تدريجياً إلى الوفاء بالتزاماته. وقال إن النقابة تسعى إلى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه وضمان تعافي الصندوق، مؤكداً أن الدراسات والإجراءات المرتقبة تهدف أولاً إلى وقف تفاقم الأزمة ثم البحث عن إمكانية تحسين نسب الصرف. ويبدو أن التحدي الأكبر أمام النقابة اليوم يتمثل في تحقيق توازن بين موارد الصندوق والتزاماته، خصوصاً في ظل وجود آلاف المتقاعدين الذين يعتمد كثير منهم على الراتب التقاعدي كمصدر دخل رئيسي.
ملف مفتوح أمام المهندسين والرأي العام
مقابلة الرقيب مع نقيب المهندسين جاءت بعد فتح البرنامج المجال أمام المهندسين المتقاعدين لعرض شكاواهم وتساؤلاتهم، قبل أن تستجيب النقابة لطلب التوضيح والرد على ما أثير. وبينما نفت النقابة عدداً من الاتهامات التي أثيرت سابقاً، فإنها في المقابل أقرت بصورة واضحة بوجود أزمة مالية حقيقية في صندوق التقاعد، وبوجود فجوة كبيرة بين الإيرادات الشهرية والالتزامات المطلوبة لصرف الرواتب كاملة.
ويبقى السؤال الأهم بالنسبة للمهندسين المتقاعدين: متى ستتحول الدراسات وخطط الإنقاذ إلى إجراءات عملية ترفع نسب الصرف وتعيد الرواتب التقاعدية إلى مستوياتها الكاملة؟
وهو سؤال قال الزرو إن النقابة تعمل على الإجابة عنه من خلال الدراسات الاكتوارية والإجراءات المرتقبة، معرباً عن أمله في أن تتضح ملامح الحل قبل نهاية العام الحالي.
