شبكة الرقيب الإعلامية
إعلان
كلمة رئيس التحرير

فاس: العاصمة الروحية الحنونة!

 قراءة ميدانية في اقتصاد الألف عام، نبض التراث، وذاكرة الجذور

فاس في عيون الرقيب: المدينة التي تنام آمنة بـ 9000 زنقة.. معيشة الكرامة وعصامية شباب العطارة في حضرة التاريخ

سحر فاس واقتصادها العادل: أقدم جامعات الأرض تحنو على أهلها..

وحكاية رباط مقدس يمتد من ثراها إلى فلسطين

شبكة الرقيب الإعلامية -  

عبور البوابة الزمنية لاكثر من الف عام…

حين تخطو قدماك عبر “باب بوجلود”، لا تنتقل من حي إلى آخر داخل المدينة، بل تعبر بوابة زمنية ترتد بك أكثر من عشرة قرون إلى الوراء. ليست فاس مجرد محطة سياحية كلاسيكية، بل صدمة بصرية وحضارية إيجابية تكشف عن عمق تاريخي قلّ نظيره عالمياً؛ حيث تتنفس المدينة تاريخها الحي عبر أول جامعة في العالم؛ “جامعة القرويين” التي أسستها فاطمة الفهرية عام 859م، محاطة بأسوار دفاعية تاريخية تخترقها نحو 14 بوابة عتيقة، وتنتظم داخلها شبكة تضم 350 مسجداً وأكثر من 9,000 زنقة وزقاق تأبى أن تخضع لضجيج الحداثة الإسمنتية، لتشكل بذاتها أكبر منطقة حضرية خالية من السيارات في العالم.

 الكفاءة اللوجستية واستتباب الأمن

على النقيض من التعقيد التاريخي للمدينة القديمة، تقدم فاس الحديثة نموذجاً تنظيمياً ولوجستياً بالغ السلاسة:

مطار فاس – سايس (نموذج المرونة): يقع المطار على بعد دقائق معدودة من قلب المدينة، ويتميز بانسيابية تشغيلية لافتة؛ إذ لا يستغرق إتمام إجراءات السفر والتفتيش أكثر من 15 دقيقة لتصل إلى بوابتك، في تجربة تعكس مستوى عالياً من الحرفية، والنظام، والتعامل الأمني والشرطي المحكم.

مطار فاس

البنية التحتية خارج الأسوار: تتميز أحياء فاس وشوارعها الحديثة بالنظافة والاتساع، وشبكة مواصلات عامة وسيارات أجرة تكلفتها منخفضة جداً تسهل حركة التنقل.

الأمان الميداني ودحض الشائعات: على عكس بعض الصور النمطية المغلوطة، أثبتت المعايشة الميدانية استتباباً أمنياً كاملاً؛ حيث يتنقل الزوار العرب والأجانب (من إسبانيا، فرنسا، بريطانيا وغيرها) بحرية وطمأنينة تامة على أنفسهم وأموالهم، حتى أثناء التجول في أزقة المدينة العتيقة بعد منتصف الليل دون أي شعور بالقلق.

سياحة المغامرة والرياضة: تحولت المدينة إلى منصة بارزة للوفود الأجنبية التي تمارس رياضات نوعية، وفي مقدمتها ركوب الدراجات الجبلية (Mountain Biking) ومسارات الانطلاق لـ عبور الصحراء والمناطق الجبلية المحيطة، في مشهد يجمع عراقة التراث بحيوية الرياضة الدولية.

 “المدينة الحنونة على أهلها”.. اقتصاد الكفاف وملاذ المتسوقين

تحمل فاس هويتها الاقتصادية كمدينة “حنونة على أهلها وزوارها”، لتشكل نموذجاً لرأسمالية إنسانية تحمي القدرة الشرائية للبسطاء:

معادلة الـ 50 درهماً: في واقع معيشي يندر وجوده في الحواضر المليونية، يستطيع الفرد في فاس أن يتدبر وجباته اليومية ومأكله ومشربه بحدود 50 درهماً فقط، مع الحصول على جودة غذائية وطابع محلي أصيل دون إرهاق لميزانيته.

منبع الإنتاج وسعر الجملة: فاس هي “المنبع الأصيل” لجل الصناعات التقليدية المغربية التي تُوزع على باقي المدن؛ فالمدينة تحتضن ورش الدباغة العريقة في دار الدباغ (شوارة)، وسوق النحاسين والصفارين، وسوق العطارين، وسوق القطانيين، وصناعة الحلي والذهب، وحياكة الجلباب المغربي والأقمشة الفاخرة. الشراء من فاس يمثل عملياً شراءً بسعر الجملة من المنبع وبأثمان عادلة جداً مقارنة بالأسواق السياحية الأخرى، ما يجعلها ملاذاً اقتصادياً نموذجياً للمتسوقين والزوار.

دكاكين العطارة ونبض الجامعة.. ثقافة الاعتماد على الذات

في قلب الأسواق العتيقة وبين روائح الزيوت والأعشاب الطبية، يبرز مشهد اجتماعي يعكس طموح الجيل الصاعد في فاس:

وفي اللقاءات الميدانية مع العاملين في محال العطارة والأعشاب الطبيعية أن شريحة معتبرة منهم هم طلبة جامعيون.

على الرغم من مجانية التعليم الجامعي في المغرب، ينخرط هؤلاء الشباب في العمل بالأسواق التراثية خلال العطل والإجازات، محققين دخلاً شهرياً يتراوح بين 2,500 إلى 3,000 درهم.

يعود الطلبة مع بدء المواسم الدراسية إلى مقاعدهم الجامعية بموارد مالية ذاتية تغطي نفقاتهم الشخصية، في مشهد يجسد عصامية الشاب الفاسي واعتماده على الذات، ويبرهن في الوقت ذاته على قدرة هذا الدخل المتواضع على تأمين معيشة كريمة للطلبة في ظل انخفاض تكاليف الحياة في فاس.

عصب الاقتصاد العتيق.. تخصصات الأسواق وسلاسل القيمة التراثية

​يعتمد اقتصاد فاس العتيقة على منظومة دقيقة من التخصص الحرفي وسلاسل الإمداد التي لم تنقطع منذ قرون، حيث تتوزع الأنشطة الاقتصادية في أسواق تاريخية متخصصة:

  • ​سوق الدباغة والجلود (دار الدباغ شوارة): واحدة من أقدم وأشهر المنشآت الحرفية في العالم، حيث تجري معالجة الجلود وتلوينها طبيعياً بنفس الطرق اليدوية المتوارثة، لتمثل عصباً رئيسياً لتجارة التصدير والمنتجات الجلدية المغربية الفاخرة.
  • ​سوق الصفارين والنحاسيات: حيث تدق ورش تشكيل النحاس أوانيها المتقنة التي تغذي الفنادق والرياضات والمنازل في كافة أرجاء المملكة وخارجها.
  • ​سوق العطارين والقيساريات وسوق القطانيين: مراكز نابضة لتجارة الأقمشة الفاخرة، التوابل، والزيوت الطبيعية.
  • ​سوق الذهب والمجوهرات: الملاذ التقليدي لمدخرات العائلات الفاسية ووجهة الباحثين عن الحلي التقليدية المصوغة بمهارة الأجداد.
  • ​الحمامات التاريخية: مرافق حيوية تشكل قطاعاً خدمياً مستمراً ومحوراً للحياة الاجتماعية والاقتصادية للحي الفاسي القديم.

عمارة العدوتين، المشيخة العلوية، والامتداد الإفريقي

تقف فاس على بنية حضارية وتاريخية تتوزع بين عدوتين تاريخيتين؛ عدوة الأندلسيين وعدوة القرويين، لكل منهما طابعه المعماري وتاريخه المستقل الذي انصهر في هوية موحدة.

حوار المشيخة والتاريخ: في رحاب جامع القرويين، دار حديث تاريخي مطول مع أحد مشايخ المشيخة العلوية حول تتابع الأدوار التأسيسية للمدينة؛ بدءاً من الرؤية التأسيسية لدولة الأدارسة مع المولى إدريس الأول واستكمال المولى إدريس الثاني، وصولاً إلى الدور الحضاري للدولة العلوية في رعاية أوقاف فاس وتطوير مرافقها وصيانة تراثها العتيق.

ملاحظة نقدية في صلاة الجمعة: شهدت الرحلة أداء صلاة الجمعة في جامع القرويين، مع تسجيل ملاحظة نقدية وعتب على جهات الاختصاص بشأن إغلاق أبواب الجامع بعد انتهاء صلاة الجمعة مباشرة حتى صلاة العصر؛ وهو تدبير تنظيمي يحرم المصلين والزائرين القادمين من شتى البقاع من فرصة البقاء والاعتكاف في أروقة أقدم صرح علمي في العالم خلال ساعات ما بعد الجمعة.

 الرافد الإفريقي والارتباط التيجاني

تستقبل فاس سنوياً آلاف الزوار الوافدين من السنغال ودول غرب إفريقيا، القادمين بوفاء وامتنان لزيارة مقام الشيخ سيدي أحمد التيجاني؛ اعترافاً بدوره التاريخي في نشر الإسلام والتصوف السني والقيم الروحية في ربوع إفريقيا، وهو ما يجعل من فاس عاصمة للدبلوماسية الروحية ورابطة حيوية للمغرب بعمقه القاري.

فك شيفرة الـ 9,000 زنقة.. معايشة الرياض الفاسي

شكلت الإقامة في المدينة تجربة سكنية وثقافية فريدة، عبر الانتقال في كل ليلة إلى رياض تقليدي مختلف في زاوية مغايرة من زوايا المدينة:

أتاح هذا الترحال الداخلي معايشة مباشرة للتنوع المعماري الأندلسي-المغربي وأسلوب الضيافة الفاسية العريقة من الداخل.

ومع حلول اليوم الرابع، تبددت رهبة المتاهة المعمارية لـ 9,000 زنقة؛ حتى بات التحرك داخل أزقة المدينة يتم بمرونة وتلقائية دون الحاجة إلى خرائط رقمية (GPS) أو سؤال المارة عن وجهة المساجد أو معابر العدوتين، في إحساس عميق بالتماهي مع المكان والشعور بألفة أهل فاس وسكانها.

في التوازن التنموي للمملكة

تفتح تجربة فاس أفقاً تحليلياً أوسع حول واقع التنمية في المغرب كبلد شاسع المساحة (تتجاوز 710 آلاف كيلومتر مربع) بكتلة ديمغرافية تقارب 37 إلى 38 مليون نسمة، مسنودة بـ 5 إلى 6 ملايين مغترب بالخارج:

إن مركزية التنمية لا ينبغي أن تظل مقتصرة على الأقطاب الساحلية، بل إن مدناً تاريخية كبرى مثل فاس—التي يتجاوز سكانها المليون نسمة وتعتمد أساساً على الحرف والسياحة—بحاجة ملحة إلى تفعيل آليات الدعم الجهوي والاستثماري (كالمنحة الترابية) لجذب استثمارات متقدمة تحافظ على استقرار شبابها.

يمثل الاستثمار في فاس وسيلة فعالة للحد من نزيف الهجرة الداخلية المعاكسة نحو الشمال أو الغرب، بما يبقي المدينة حاضرة عامرة بأهلها وطاقاتها الشابة ونسيجها الاجتماعي المترابط.

نداء الجذور.. الخيط الوجداني للرحلة

وعلى الرغم من زيارة كبرى حواضر المغرب المتنوعة من الرباط والدار البيضاء وأكادير والداخلة جنوباً، إلى طنجة وشفشاون شمالاً، إلا أن لفاس وقعاً وجدانياً ومذاقاً مختلفاً لا تخطئه الروح، يتجاوز انبهار الصحفي وإعجاب الزائر العابر؛ وهنا في تراب فاس الطاهر يرقد جثمان جدتي الشريفة حسنية العلوي، زوجة جدي الشريف عبد الله بن مولاي سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي، الذي هاجر إلى فلسطين وساهم في رفع لواء “الركب الفاسي” مرابطاً في بيت المقدس، وهو الإرث العظيم الذي شرفني بأن أكون اليوم واحداً من أولئك المرابطين في أرض فلسطين الطاهرة.

أضفى هذا الامتداد العائلي بعداً وجدانياً نبيلاً على المشاهدات الميدانية، ليجعل من قراءة المدينة استحضاراً حياً لصلة الدم ووفاءً للمكان وتاريخه.

عطر الأركان وطقس الحمام الفاسي

اختُتمت الرحلة بأبسط تفاصيل الحياة اليومية وأصدقها في فاس؛ بابتياع قطرات من زيت الأركان الطبيعي، هذه الشجرة المتفردة التي تكاد تختص بها أرض المغرب دون غيرها كرمز لبركة الأرض وجودة خيراتها.

ثم كانت المحطة الأخيرة في الحمام المغربي التقليدي؛ حيث تجربة استرخاء أصيلة خاضعة لتقاليد صارمة تفصل مرافق الرجال عن النساء، وسط مهارة وحرفية استثنائية لمن يقدمون خدمة التدليك الشعبي، وبكلفة زهيدة جداً تناسب الجميع.

تودع فاس زائرها كما استقبلته؛ مدينة لم تبدل جلدها، تحرس التاريخ بين أزقتها، وتحنو على أهلها في معاشهم، وتبقى بروحها الأندلسية وشبابها العصامي شاهداً حياً على أن الحضارة الحقيقية هي تلك التي تصون كرامة الإنسان وتصالح بين عراقة الماضي وبساطة العيش.

 

إعلان

انفوجراف الرقيب

تصفح أسرع وبث مستمر

حمّل تطبيق الرقيب

آخر الأخبار بين يديك مباشرة

↗
--:--فلسطين
--°القدس