انتخابات الكنيست تكشف تناقضات المشهد السياسي الإسرائيلي

شبكة الرقيب الإعلامية - الناصرة – «القدس العربي»: لم تحسم صناديق الاقتراع الإسرائيلية المعركة السياسية بقدر ما كشفت عن مأزق أعمق يواجه النظام السياسي في إسرائيل.
فبعد سنوات من الحرب والدمار والتصعيد، وإخفاقات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، لم تنجح المعارضة في تحقيق اختراق حاسم ينهي حقبة بنيامين نتنياهو، كما لم يتمكن الأخير من ضمان العودة إلى الحكم بأغلبية مستقرة.
وبين معسكرين يتنازعان السلطة، تبدو إسرائيل أمام مرحلة جديدة من المساومات السياسية وربما أزمة ائتلافية مفتوحة.
وفي ذات السياق، حملت الانتخابات تحولًا لافتًا في المشهد الفلسطيني بالداخل، بعدما تجاوزت المشاركة العربية التوقعات، وبلغت نحو 80%، فيما حققت القوائم العربية مجتمعة 19 مقعدًا بعد فرز كامل الصناديق باستثناء المغلفات المزدوجة.
لكن المفارقة أن هذا الحضور الانتخابي الواسع من غير المؤكد أن يترجم تلقائيًا إلى قدرة على التأثير في تركيبة الحكومة، في ظل استمرار رفض معسكر غادي آيزنكوت الذي يرجح حصوله حتى وقت كتابة هذا التقرير على 48 مقعدًا، الاستناد إلى الأحزاب العربية أو إشراكها في الائتلاف الحاكم، في مقابل 53 مقعدًا لمعسكر نتنياهو.
واتهم حزب الليكود بزعامة نتنياهو الأربعاء، الأحزاب العربية بـ»سرقة» الانتخابات.
وقال الحزب في بيان «لقد سُرقت الانتخابات في دولة إسرائيل على يد أحزاب عربية تدعم الإرهاب والقضاء على الدولة اليهودية، وذلك من خلال ارتكاب مخالفات جنائية خطيرة تشمل الفساد والتهديدات والعنف والتزوير واستخدام برمجيات محظورة لحث الناخبين على التصويت».
وأكد الحزب أنه يعمل على تقديم إفادات وأدلة إلى السلطات بشأن هذه الاتهامات.
ورد رئيس كتلة القائمة المشتركة في تصريح لقناة «الجزيرة» على بيان الليكود وقال إنه لم تكن هنالك أي مخالفة في الانتخابات واتهامات الحزب هو «كلام الخاسرين».
وذكرت لجنة الانتخابات الإسرائيلية أنه بعد فرز 85.6 في المئة من الأصوات حصل معسكر نتنياهو على 58 مقعدا مقابل 48 مقعدا لمعسكر آيزنكوت و19 للأحزاب العربية.
وتتوزع المقاعد حسب الفرز المرحلي: الليكود 26 مقعدا، «يشار» 21 مقعدا، «تحالف معا» 12 مقعدا، القائمة العربية المشتركة 12 مقعدا، «الديمقراطيون» 8 مقاعد، «إسرائيل بيتنا» 7 مقاعد، «التوراة الموحدة» 7 مقاعد، «شاس» 7 مقاعد، «العظمة اليهودية» 7 مقاعد، القائمة العربية الموحدة 7 مقاعد، «الصهيونية الدينية» 6 مقاعد. فيما لا يتجاوز حزبا «عامة الإسرائيليين» و»الاحتياط والاقتصاد» نسبة الحسم.
وقالت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، إن المظاريف المغلقة التي لم يتم فرزها بعد يتوقع أن تتراوح بين 430 ألفا و480 ألف مظروف، أي ما يعادل 8 إلى 9 مقاعد.
وحسب بيان للجنة، نقله إعلام عبري، مساء الأربعاء: «وفقاً لتقديرات محدثة، من المتوقع أن يتراوح عدد المظاريف الخارجية (ليس ضمن مراكز الاقتراع وتسمى مظاريف مزدوجة) ما بين 430,000 و480,000 مظروف».
وأضافت: «في هذه الأثناء، تتواصل أعمال استلام المظاريف، ولم تُستلم بعد جميع المظاريف الخارجية، ولذلك فإن الحديث يدور عن تقدير غير نهائي، وقد يُحدَّث مع تقدم عملية الاستلام».
في سياق متصل، قالت القناة 15 العبرية إن هذه المظاريف التي أعلنتها اللجنة تضم أصواتًا تعادل ما يتراوح بين 8 و9 مقاعد في الكنيست.
تحول مهم في الأحزاب العربية
«القدس العربي» سألت أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا، الدكتور أسعد غانم عن دلالات النتائج، وأسباب عودة نتنياهو إلى صدارة المشهد، ومآلات الأزمة السياسية، وما تفرضه هذه المرحلة من استحقاقات على الأحزاب العربية، خصوصًا في ظل الحاجة إلى إعادة بناء العمل الوطني المشترك.
واعتبر غانم أن المشاركة الواسعة للمواطنين العرب في انتخابات الكنيست الإسرائيلي، التي بلغت نحو 80%، تعكس تحولاً مهماً في استعداد المجتمع الفلسطيني في الداخل للتحرك الجماعي دفاعاً عن قضاياه ومصالحه، مؤكداً أن المجتمع الفلسطيني «سبق قيادته» في هذه الانتخابات، ومنح الأحزاب العربية تفويضاً شعبياً يتجاوز حدود المنافسة البرلمانية إلى ضرورة بناء جبهة عمل وطنية مشتركة.
وقال غانم، إن حجم الإقبال على صناديق الاقتراع والنتائج التي حققتها الأحزاب العربية فاجآ التوقعات، مشيراً إلى أن هذا الإنجاز يعود، بالأساس، إلى التصعيد الذي انتهجته حكومة اليمين الإسرائيلي، سواء في الحرب على قطاع غزة، وما رافقها من إبادة وتطهير عرقي، أو في الضفة الغربية، إلى جانب سياسات هدم البيوت والتمييز والعنصرية التي تستهدف المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل.
وأوضح أن هذه السياسات جعلت من الضروري أن يعبّر الفلسطينيون في الداخل عن موقفهم من خلال المشاركة الانتخابية، مضيفاً أن الإقبال الواسع على التصويت للأحزاب العربية أظهر استعداد المجتمع للتحرك والعمل الجماعي من أجل إنقاذ وضعه، وربما المساهمة في إنقاذ الوضع الفلسطيني عموماً.
ورأى أن التصويت بهذه الكثافة يمثل تعبيراً عن إرادة شعبية ووطنية للتحرك في الوقت المناسب، ويمنح القيادات العربية دعماً كبيراً، لكنه يضع أمامها في الوقت نفسه مسؤولية مضاعفة لترجمة هذا التفويض إلى عمل سياسي ومجتمعي مشترك، لا يقتصر على هدف إسقاط حكومة بنيامين نتنياهو.
وأشار إلى أن إسقاط نتنياهو ليس أمراً مضموناً، لأنه يرتبط أساساً بمواقف الناخبين اليهود وتوازنات القوى داخل المجتمع الإسرائيلي، ولذلك فإن الأولوية ينبغي أن تتمثل في بناء جبهة عمل وطنية داخلية قادرة على التعامل مع التحديات التي تواجه الفلسطينيين في الداخل.
فـ»المخاطر لم تتراجع، بل لا تزال قائمة في مختلف المجالات، من هدم البيوت والعنصرية والتفوق العرقي إلى السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني عموماً، ما يستدعي، في رأيه، تغيير أساليب العمل السياسي والاجتماعي السائدة».
وقال إن المطلوب هو الانتقال من التعامل مع الفلسطينيين في الداخل باعتبارهم أفراداً يعيشون إلى جانب بعضهم البعض، إلى التعامل معهم بوصفهم شعباً ومجتمعاً تجمعه قضايا ومصالح مشتركة، بما يتيح بناء أدوات جماعية أكثر فاعلية في مواجهة التحديات القائمة.
وفي هذا السياق، دعا غانم إلى تطوير أدوات التعاون مع القوى اليهودية التي لا تزال مستعدة للعمل المشترك مع المجتمع العربي، والعمل على بناء جبهة تواجه ما وصفه بالإجماع الإسرائيلي العنصري، إلى جانب تعزيز الحضور والتحرك على المستوى الدولي، الذي رأى أن القيادات العربية لم تستثمر إمكاناته بما يكفي حتى الآن.
واعتبر أن نتائج الانتخابات، وخصوصاً الدعم الذي حصلت عليه القائمة المشتركة، تمنحها تفويضاً شعبياً للعمل على هذه المسارات، وتحمّلها مسؤولية استثمار الزخم الانتخابي في بناء مشروع سياسي ووطني يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
نتنياهو يعود رغم الإخفاقات
وفي قراءته للمشهد السياسي الإسرائيلي والسيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة المقبلة، رأى غانم أن نتائج الانتخابات أبقت الوضع السياسي في حالة من عدم الاستقرار، وفتحت الباب أمام احتمالات متعددة، من بينها تشكيل حكومة وحدة وطنية بين معسكري نتنياهو وغادي آيزنكوت، أو تشكيل حكومة تستند إلى دعم الأحزاب العربية من داخل الائتلاف أو خارجه، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة.
غير أنه اعتبر أن القضية الأبرز في هذه النتائج تتمثل في قدرة نتنياهو على العودة إلى صدارة المشهد السياسي، رغم إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والحروب التي لم يتمكن من حسمها، والأزمات السياسية والقضائية التي واجهها خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن نتنياهو استطاع، رغم كل ذلك، أن يعود لقيادة أكبر حزب، وربما أكبر كتلة سياسية، وهو ما يعكس، حسب غانم، طبيعة التحول العميق الذي شهدته الثقافة السياسية في الشارع الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن نتنياهو أسهم بصورة كبيرة في إعادة صياغة المشهد السياسي الإسرائيلي، ليس فقط من خلال تعزيز حضور اليمين، وإنما أيضاً عبر التأثير في مواقف خصومه، إذ بات جزء كبير من المعارضة الإسرائيلية يكرر مواقف اليمين، ولا سيما في ما يتعلق بشرعية الصوت العربي وإمكانية إشراك الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة.
وقال غانم إن نتنياهو نجح في ترسيخ مقولة إن العرب لا يمكن أن يكونوا شركاء في أي حكومة إسرائيلية، رغم أن الأحزاب العربية، وفي مقدمتها القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس، أبدت استعداداً لتقديم الدعم من خارج الحكومة أو المشاركة في ترتيبات سياسية تهدف إلى إقصائه وإسقاط حكومته.
ورغم ذلك، لم يستبعد غانم إمكانية أن تتحلى المعارضة الإسرائيلية بالشجاعة السياسية اللازمة للاستعانة بالأصوات العربية من أجل تشكيل حكومة بديلة، حتى لو كانت حكومة ضيقة تعتمد على دعم خارجي من الأحزاب العربية.
لكنه أوضح أن هذا الاحتمال يظل واحداً من عدة سيناريوهات، تشمل أيضاً تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، أو إعادة تكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة.
سيناريوهات تصب في مصلحة نتنياهو
وفي تقديره لتداعيات هذه الاحتمالات، اعتبر غانم أن نتنياهو يبقى المستفيد الأساسي من السيناريوهات الثلاثة الأخيرة، وإن اختلفت طبيعة المكاسب السياسية التي يمكن أن يحققها في كل منها.
ففي حال تكليفه مجدداً بتشكيل الحكومة، قد يسعى إلى استقطاب أعضاء من أحزاب المعارضة لضمان الأغلبية البرلمانية، مستفيداً من تماسك كتلته السياسية في مقابل الانقسامات التي يعاني منها المعسكر المناوئ له.
أما إذا اتجهت الأطراف السياسية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، فيرجح غانم أن يتولى نتنياهو رئاستها، الأمر الذي يعني، بحسب تقديره، استمرار السياسات الإسرائيلية الحالية تجاه قطاع غزة والضفة الغربية والشعب الفلسطيني والمنطقة العربية عموماً.
وفي المقابل، فإن الذهاب إلى انتخابات مبكرة لا يضمن إضعاف نتنياهو أو تراجع قوته السياسية، بل قد يمنحه فرصة جديدة لتعزيز موقعه، خصوصاً أنه اكتسب، من خلال الجولات الانتخابية السابقة، خبرة واسعة في التعامل مع الأزمات السياسية وتوظيفها لمصلحته.
ونبّه غانم إلى أن إجراء انتخابات جديدة لا يعني بالضرورة تكرار مستوى المشاركة المرتفع الذي سجله المواطنون العرب في الانتخابات الحالية، إذ لا توجد ضمانات بأن يحافظ الناخبون العرب على نسبة الإقبال نفسها في جولة انتخابية أخرى. كما شدد على ضرورة انتظار استكمال فرز المغلفات المزدوجة، التي قد تؤثر في توزيع المقاعد البرلمانية وتغيّر بعض ملامح الصورة الانتخابية، قبل الوصول إلى تقديرات أكثر حسماً بشأن فرص تشكيل الحكومة المقبلة. وخلص غانم إلى أن المشهد السياسي الإسرائيلي يتجه بصورة متزايدة نحو اليمين، وأن نتنياهو نجح في الوصول إلى شريحة واسعة من الشارع الإسرائيلي رغم الإخفاقات والأزمات التي رافقت حكمه.
ورأى أن نجاح المعارضة في إقصاء نتنياهو، إذا تحقق، قد يكون مؤقتاً، في ظل التحولات العميقة التي طرأت على الثقافة السياسية الإسرائيلية، والتي لا تقتصر على شخص نتنياهو أو مستقبله السياسي.

