المسافة إلى الفقر… كم أسرة يفصلها عن خط الفقر راتب متأخر؟

شبكة الرقيب الإعلامية -
د. سعيد صبري
مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة
حين نتحدث عن الفقر نسأل عادة: كم نسبة الفقراء؟ لكن في اقتصاد تُصرف فيه الرواتب منقوصة وترتفع فيه كلفة المعيشة، قد يكون السؤال الأدق:
كم أسرة تفصلها عن خط الفقر خطوة واحدة؟
قد لا تكون الأسرة فقيرة وفق آخر مسح إحصائي، لكنها قد تكون فقدت بالفعل قدرتها على البقاء خارج الفقر دون الاستدانة أو استنزاف مدخراتها. وهذه ليست مشكلة في الرقم الرسمي، بل في الاكتفاء به.
ولا أقول إن الجميع أصبحوا فقراء؛ أقول إن الهشاشة امتدت إلى أسر كانت تُصنَّف سابقًا ضمن الطبقة الوسطى.
ما يقوله الرقم الرسمي وما لا يقوله
بحسب تقييم البنك الدولي، بلغ خط الفقر الوطني نحو 2,717 شيكلًا شهريًا لأسرة من خمسة أفراد (بيانات 2023). وبحسب بيانات مسح الإنفاق والاستهلاك لعام 2023، بلغت نسبة الفقر في الضفة الغربية 11.7% وفق البنك الدولي. وهذه النسبة تصف وضعًا سابقًا للتحولات الاقتصادية اللاحقة، ولا يجوز التعامل معها قياسًا مباشرًا للفقر في 2026. وقدّر البنك أن انكماش 2024 قد يرفعها إلى أكثر من واحد من كل خمسة، وهو تقدير مبني على نماذج لا على مسح ميداني. ومع بدء مسح جديد للإنفاق والاستهلاك في أيلول 2026، تبقى الحاجة قائمة إلى مؤشرات أسرع لرصد هشاشة الأسر قبل صدور نتائجه.
والرقم، حتى حين يكون حديثًا، قد لا يلتقط أسرة تسكن منزلها وتملك سيارة وأثاثًا، لكنها تموّل معيشتها بالدين أو ببيع المدخرات أو بتأجيل العلاج والتعليم. فامتلاك الأصول لا يعني القدرة الحالية على الإنفاق.
المسافة إلى الفقر
بدل الاكتفاء بنسبة من هم تحت الخط، نسأل كم نسبة من هم فوقه بقليل، ويمكن أن تدفعهم صدمة دخل واحدة إلى ما دونه. والبنك الدولي يشير إلى هذه الحساسية: انخفاض الاستهلاك 10% قد يرفع الفقر في الضفة من نحو 11.7% إلى 17% تقريبًا.
إذا كانت نسبة الفقر تخبرنا بعدد الذين تجاوزوا خط الخطر، فإن المسافة إلى الفقر تخبرنا بعدد الذين يقتربون منه. والسياسة الاقتصادية الجيدة لا تنتظر عبور الأسرة إلى الجانب الآخر من الخط حتى تبدأ بالتدخل.**
تخيّل، على سبيل التوضيح لا الإحصاء، أسرة من خمسة أفراد يعتمد دخلها على راتب حكومي واحد قيمته 4,500 شيكل. وزارة المالية صرفت راتب حزيران 2026 بنسبة 50%، أي نحو 2,250 شيكلًا، بحد أدنى 2,000، والباقي دَين على الوزارة. صرف نصف الراتب لا يعني إحصائيًا انتقال الأسرة إلى الفقر، فالخط يقيس الاستهلاك لا الدخل، وقد تكون لديها مصادر أخرى. لكنه قد يعني انتقالها من تمويل معيشتها بدخلها الجاري إلى تمويلها بالاقتراض أو استنزاف المدخرات. وهنا تبدأ مرحلة الهشاشة التي لا تكشفها نسبة الفقر وحدها.
ولا تأتي هشاشة الأسر من نقص الدخل وحده، بل من اتساع الفجوة بين الدخل النقدي المتاح والالتزامات التي لا يمكن تأجيلها. فالحد الأدنى للأجور 1,880 شيكلًا بقرار 2021، أي نحو 69% من خط الفقر؛ ولا تصح المقارنة بينهما حرفيًا، لكنها تُظهر الفجوة بين ما يضمنه القانون للأجر الفردي وما تحتاجه الأسرة. وقُدّر في النصف الأول من 2023 أن نحو 162 ألف عامل، منهم نحو 43 ألفًا في الضفة، يتقاضون أقل منه. ولا أدعو إلى رقم جديد قبل قياس كلفة المعيشة، فرفع الأجور في اقتصاد منكمش قد يؤثر في التشغيل. وعادت تعرفة المواصلات منذ آب إلى مستوى نيسان بعد ارتفاع السولار. أما الـ50% من الأقساط الجامعية فهي تسديد لنصف القسط من مستحقات الموظف المتأخرة لا تخفيض للرسوم: تخفف نقدًا اليوم، وتستهلك مستحقًا مؤجلًا.
من يحمي من لم يسقط بعد؟
لا أطعن في الخط الرسمي، فهو مرجع، لكنه محسوب لسنة أساس سابقة، ولا يصح أن نخلط بين خط قديم محدَّث بالأسعار وقياس جديد للفقر، ولا أن نضع الضفة وغزة في سلة واحدة. نحتاج إلى مؤشر للهشاشة الاقتصادية يكمله، يتضمن *«شريحة الأسر القريبة من خط الفقر»*: نسبة الأسر غير الفقيرة التي يقع استهلاكها بين 100% و120% من الخط المعتمد، تُنشر نسبةً من إجمالي الأسر وتُقارن دوريًا بتغيرات الدخل والاستهلاك. والعتبة 20% اقتراح تحليلي لا معيار دولي ثابت، وفكرة قياس القرب من الخط ليست جديدة في أدبيات الفقر؛ والاقتراح أن نتبنى قياسًا دوريًا فلسطينيًا واضحًا، يُنشر استنادًا إلى أحدث بيانات الاستهلاك المتاحة ويُحدَّث كلما صدرت نتائج مسوح جديدة. ولا تكفي المسافة الاستهلاكية وحدها لتحديد الهشاشة، بل ينبغي قراءتها إلى جانب استقرار الدخل، والمديونية، والمدخرات، وحجم الالتزامات الأساسية، حتى لا يتحول المؤشر إلى أداة تصنيف جامدة.
والسؤال الذي أضعه أمام صانع القرار: **إذا كنا لا نعرف عدد الأسر التي تقف على مسافة 10% أو 20% فوق خط الفقر، فكيف نحدد أي الأسر تحتاج إلى تدخل وقائي قبل أن تصبح مؤهلة للمساعدات؟
فبرامج الحماية التي تركز على الأسر الواقعة تحت خط الفقر قد لا تلتقط بالسرعة المطلوبة أسرًا لم تدخل التصنيف بعد، لكنها تواجه خطر السقوط إليه، وقد تحتاج إلى حماية مؤقتة تمنع ذلك. وقد تكون كلفة منع أسرة من السقوط في الفقر أقل من كلفة إخراجها منه بعد أن تفقد عملها أو تستنزف مدخراتها أو تغلق مشروعها الصغير. وهذه فرضية اقتصادية تستحق القياس، لا مجرد شعار اجتماعي.
والمطلوب في النهاية أكبر من نشر رقم جديد: الانتقال من قياس الفقر بعد حدوثه إلى سياسة إنذار مبكر بمخاطره. ويبقى المسار المكمّل للمساعدات: انتظام الرواتب وجدولة معلنة للمتأخرات حتى تستطيع الأسرة التخطيط، وحماية المشروعات الصغيرة والوظائف، لأن إغلاق المشروع قد يقطع مصدر دخل أسرة أو أكثر، ويدفعها نحو الفقر.
خلاصة
أخطر ما في الأزمة الاقتصادية ليس فقط عدد الذين سقطوا تحت خط الفقر، بل عدد الذين لم يعد يفصلهم عنه سوى راتب متأخر أو دين مستحق أو مرض مفاجئ**. فنسبة الفقر تخبرنا بعدد الذين عبروا الخط، أما المسافة إلى الفقر فتخبرنا بعدد الذين يقتربون منه. وهكذا فالدولة التي لا تقيس المسافة إلى الفقر قد لا ترى الأسر المهددة به إلا بعد أن تصبح جزءًا من إحصاءاته.

