شبكة الرقيب الإعلامية
إعلان
مقالات

الدولار الاستثماري القادم… هل يختار فلسطين؟

شبكة الرقيب الإعلامية - د. سعيد صبري مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة

حين يتراجع الاستثمار في اقتصاد ما، يكون السؤال المعتاد: أين ذهب المال؟ لكن في الحالة الفلسطينية ربما أصبح السؤال الأهم: أين سيذهب الاستثمار القادم؟

ليس لدينا حتى الآن ما يكفي للقول إن فلسطين تشهد «هروبًا لرأس المال» بالمعنى الاقتصادي الدقيق. ففتح فلسطيني شركة في مصر أو تركيا أو الأردن لا يعني بالضرورة أن رأس المال خرج من رام الله أو نابلس أو الخليل؛ فقد يكون المستثمر مقيمًا أصلًا في الخارج، أو يكون ذلك توسعًا إقليميًا لا انتقالًا من السوق الفلسطينية.

لكن هناك مؤشرات تستحق التوقف عندها. فالاقتصاد يمر بمرحلة صعبة تتراجع فيها قدرة الشركات على التوسع وترتفع المخاطر، بينما توجد مدخرات فلسطينية في المصارف وأصول في الخارج. وهنا يظهر السؤال الذي لا ينبغي تجاهله: هل ما زالت فلسطين المكان الأول الذي يختاره المستثمر الفلسطيني عندما يقرر أين يضع دولاره الاستثماري القادم؟

المال قد يبقى… والاستثمار يغادر
هجرة رأس المال لا تبدأ بالضرورة بإغلاق مصنع. قد تحدث بهدوء: رجل أعمال يحتفظ بشركته في فلسطين لكن استثماره الجديد في عمّان، أو شركة توسعها القادم في القاهرة أو دبي. هنا لم يغادر المستثمر فلسطين، لكن الدولار الاستثماري التالي ربما غادرها.
المال موجود… لكن هل يتحول إلى استثمار؟

المؤشرات المتاحة أقرب إلى إحجام استثماري وإعادة تقييم للمخاطر منه إلى دليل قاطع على هروب واسع. فقد نما الائتمان الموجه للقطاع الخاص 2% فقط في 2025 على أساس سنوي بحسب البنك الدولي، مقابل نحو 16% لودائع العملاء، وبقي مؤشر الإنتاج الصناعي دون سنة الأساس 2019 طوال العام، بينما بلغت ودائع القطاع الخاص 22.65 مليار دولار في آب 2026، وهذا لا يعني أنها كلها متاحة للاستثمار، فنحو 44% منها حسابات جارية. هنا المفارقة: المال موجود، لكن شهية تحويله إلى استثمار تبدو أضعف.

وهذا ربما أخطر من خروج الأموال، لأن الاقتصاد يحتاج إلى تحول المال من وديعة إلى مصنع، ومن سيولة إلى مشروع، ومن مدخرات إلى وظائف. فالمال في الحساب يوفر السيولة والأمان لصاحبه، لكنه لا يخلق الأثر الاقتصادي نفسه الذي يخلقه حين يتحول إلى استثمار منتج يشغّل العمال ويدفع الأجور ويوسع القاعدة الضريبية.

ثلاثة أنواع من رأس المال
وماذا عن أموال الفلسطينيين في الخارج؟ هنا نحتاج دقة. تشير البيانات الأولية لمركز الاستثمار الدولي (الإحصاء والسلطة النقدية) إلى أن الاستثمار المباشر في الخارج يمثل نحو 2% فقط من الأصول الخارجية الفلسطينية البالغة 17.4 مليار دولار في نهاية 2025، بينما تتركز نحو 77% منها في العملات والودائع، وجزء كبير منها أرصدة مصرفية. وهذه أرصدة متراكمة لا تكشف قرارات الاستثمار الجديدة، وليست بالضرورة «رأس مال هارب»، فكثير منها لفلسطينيين يعملون خارجها منذ سنوات. لكنها مهمة؛ فإذا وجد جزء منها داخل فلسطين فرصة بعائد مقبول ومخاطر يمكن إدارتها، جاء معه فرص عمل وخبرة وشبكات أعمال وأسواق.

لذلك أمامنا ثلاثة أنواع من رأس المال تحتاج سياسات مختلفة. الأول رأس مال داخل فلسطين متردد في الاستثمار، ويحتاج استقرارًا وضمانات وتمويلًا. والثاني يحتفظ بأعماله في الداخل لكنه يوجه توسعه الجديد إلى الخارج، والتحدي أن يصبح الاستثمار داخل فلسطين منافسًا للأسواق الأخرى، لا أن نطلب من المستثمر تجاهل المخاطر. والثالث رأس المال الموجود أصلًا في الخارج، وهذا لا نحتاج إلى «منعه من المغادرة»، بل إلى إعطائه سببًا اقتصاديًا مقنعًا للعودة. فالتحدي مزدوج: كيف نحافظ على رأس المال الموجود في فلسطين، وكيف نجعل فلسطين جذابة لرأس المال الفلسطيني الموجود خارجها؟
لماذا يختار المستثمر الخارج؟

رأس المال لا يتحرك بالعاطفة وحدها، حتى عندما يكون صاحبه مرتبطًا بفلسطين. المستثمر يسأل عن العائد والمخاطر والسيولة وحجم السوق والقدرة على نقل البضائع وتحويل الأموال وإنفاذ العقود. وعندما يعجز عن توقع حركة البضائع أو حجم الطلب أو انتظام العلاقة المصرفية أو قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها للقطاع الخاص، يصبح قراره أصعب.
ولا ينبغي أن نلوم المستثمر لأنه يحسب المخاطر؛ السؤال: كيف نخفض كلفة المخاطرة التي يتحملها؟ فالمطلوب ليس إقناعه بدافع وطني فقط، بل جعل الاستثمار في فلسطين قرارًا اقتصاديًا قابلًا للدفاع عنه.

من دعوة المستثمر إلى صناعة الاستثمار
تحدثنا سنوات عن دعوة رجال الأعمال الفلسطينيين في الخارج للاستثمار في فلسطين، لكن رأس المال الفلسطيني في الخارج لا يحتاج إلى مؤتمر جديد يخبره أن وطنه يحتاج إليه؛ يحتاج إلى فرصة استثمارية جاهزة تقول له أين يستثمر، وما العائد، وما المخاطر، ومن يشاركه، وكيف تُحمى استثماراته. بدل أن نقول له «تعال واستثمر في فلسطين»، لماذا لا نعرض عليه مشروعًا محددًا في الطاقة أو التكنولوجيا أو الصناعات الغذائية أو الإسكان، بدراسة واضحة، وشريك محلي، وتمويل مصرفي، وضمان جزئي للمخاطر، وحافز ضريبي مرتبط بالاستثمار والتشغيل؟ عندها ننتقل من الدعوة إلى الاستثمار إلى صناعة الاستثمار.

وليس الهدف إعادة كل الأموال من الخارج، فهذا غير واقعي، بل أن تصبح فلسطين جزءًا من المحفظة الاستثمارية الطبيعية للفلسطيني الناجح في الخارج.
نحتاج إلى مؤشر لا نملكه اليوم
أرصدة الاستثمار في الخارج لا تخبرنا وحدها إن كان المال خرج من الاقتصاد المحلي أم كان في الخارج أصلًا. لذلك نحتاج إلى مؤشر للاستثمار الفلسطيني الخارج وإعادة تموضع الشركات: كم شركة فلسطينية فتحت نشاطًا خارجيًا؟ في أي دولة وقطاع؟ وهل جاء الاستثمار من أموال كانت داخل الاقتصاد الفلسطيني أم من الخارج أصلًا؟ وفي الاتجاه المقابل: كم مستثمرًا فلسطينيًا في الخارج أعاد جزءًا من رأسماله، وكم وظيفة خلق؟
من دونها سنبقى بين روايتين: رأس المال يهرب، أو الأمور طبيعية، والحقيقة أكثر تعقيدًا.

أين سيذهب الدولار القادم؟
المشكلة اليوم ليست فقط في أموال ربما غادرت، بل في الاستثمارات التي قد لا تأتي أصلًا. ولهذا لا ينبغي حصر سياستنا في منع خروج رأس المال، بل في ثلاثة أهداف: تحويل جزء أكبر من المدخرات المحلية إلى استثمار، وإبقاء التوسع الجديد للشركات داخل الاقتصاد قدر الإمكان، واستقطاب جزء من رأس المال الفلسطيني في الخارج إلى مشاريع منتجة في الداخل.
فالاقتصاد الفلسطيني لا يحتاج إلى المال وحده، بل إلى أن يجد صاحب المال سببًا يجعله يختار فلسطين. ولهذا ربما لا يكون السؤال: كم من رأس المال الفلسطيني غادر؟ بل: أين سيضع المستثمر الفلسطيني دولاره الاستثماري القادم؟ فالاقتصاد لا يبدأ بخسارة رأس المال عندما يغادر المال البنك، بل عندما يتخذ المستثمر قراره بأن تكون فرصته القادمة خارج فلسطين.

إعلان

انفوجراف الرقيب

تصفح أسرع وبث مستمر

حمّل تطبيق الرقيب

آخر الأخبار بين يديك مباشرة

↗
--:--فلسطين
--°القدس