الإرهاق يصبح سوقا.. كيف تُباع العافية في اقتصاد بتريليونات الدولارات؟

شبكة الرقيب الإعلامية - قد يغلق الموظف حاسوبه معلنا انتهاء يوم العمل، لكن يومه المهني لا ينتهي بالضرورة عند هذه اللحظة؛ فإشعارات الهاتف تتواصل، ورسائل البريد وتطبيقات العمل تلاحقه في المنزل، وقد تدفعه رسالة عاجلة أو مهمة متأخرة إلى قضاء وقت أطول في متابعة العمل والتفكير فيه، حتى بعد مغادرة مكتبه.
وعندما يحاول استعادة هدوئه، سرعان ما يعود إلى الهاتف نفسه الذي حمل إليه ضغوط العمل، ولكن هذه المرة لهدف مختلف؛ فينزّل تطبيقا يساعده على التأمل والاسترخاء، أو يشغّل أصواتا تساعده على النوم، أو يراجع بيانات ساعة ذكية تقيس مستوى التوتر وجودة نومه. وللإرهاق في هذه المنظومة فاتورتان اقتصاديتان؛ تظهر الأولى عندما يتراجع التركيز والإنتاجية ويزداد الغياب ودوران الموظفين، وتبدأ الثانية عندما ينفق الأفراد والشركات على محاولة استعادة ما فقدوه من طاقة وانتباه.
وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن الاكتئاب والقلق -وهما لا يساويان تكلفة الإرهاق المهني، لكنهما يكشفان جانبا من التكلفة الاقتصادية للضغوط النفسية- يتسببان في فقدان نحو 12 مليار يوم عمل سنويا، بتكلفة تقارب تريليون دولار من الإنتاجية المهدرة. وفي المقابل، بلغ حجم اقتصاد العافية العالمي 6.8 تريليونات دولار عام 2024، بعد نموه بنسبة 7.9% مقارنة بالعام السابق، وفق معهد العافية العالمي.
ويتوقع المعهد أن ينمو هذا الاقتصاد بمعدل سنوي قدره 7.6% حتى عام 2029، ليصل إلى نحو 9.8 تريليونات دولار. وبناء على هذا المعدل، يمكن تقدير حجم هذا القطاع بنحو 7.9 تريليونات دولار عام 2026. وجاء قطاع العافية الذهنية، الأكثر ارتباطا بمنتجات النوم والتأمل والتعافي، ثاني أسرع قطاعات اقتصاد العافية نموا، بمعدل سنوي بلغ 12.4% بين عامي 2019 و2024، ليصل حجمه إلى 268 مليار دولار.
ويتناول هذا التقرير الأسباب الاقتصادية وراء اتساع هذه السوق، وحجم الخسائر التي يفرضها الإرهاق على الشركات والاقتصادات، وكيف تحولت الحاجة إلى النوم والتركيز واستعادة الطاقة إلى نماذج تجارية واستثمارية.
كما يستعرض أبرز القطاعات والشركات المستفيدة، ومن يتحمل تكلفة التعافي، ثم يبحث فيما إذا كان الإنفاق المتزايد على مكافحة الإرهاق يمثل قطاعا مستداما، أم سوقا تبيع حلولا مؤقتة لأعراض تصنعها أنماط العمل والحياة الحديثة.
التكلفة الخفية للإرهاق
لا يظهر الإرهاق في القوائم المالية باسم مستقل، لكنه يتوزع بين انخفاض الأداء، والغياب، والأخطاء، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وفقدان الموظفين ذوي الخبرة. كما أن الاحتراق الوظيفي، وفق تصنيف منظمة الصحة العالمية، ظاهرة مهنية ناتجة عن ضغوط مزمنة في العمل لم تنجح إدارتها، وليس حالة طبية أو وصفا عاما لكل شعور بالتعب.
وتكشف بيانات تقرير “حالة بيئة العمل العالمية 2026” الصادر عن غالوب، جانبا من هذه الفاتورة؛ إذ لم تتجاوز نسبة الموظفين المنخرطين في عملهم 20% عالميا، بينما أفاد 40% بأنهم عانوا مستويات مرتفعة من التوتر خلال جزء كبير من اليوم السابق لإجراء الاستطلاع.
وقدرت غالوب أن ضعف الارتباط الوظيفي كلف الاقتصاد العالمي نحو 10 تريليونات دولار من الإنتاجية المفقودة خلال عام 2025 وحده، بما يعادل قرابة 9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ولا تمثل هذه القيمة تكلفة الإرهاق وحده، لكنها توضح ما يمكن أن يحدث عندما يجتمع الضغط مع فقدان الحافز والانفصال النفسي عن العمل.
لكن خسائر الإنتاجية ليست سوى الوجه الأول لفاتورة الإرهاق؛ فالشركات تتحمل تكلفة أخرى عندما تحاول حماية موظفيها من آثاره، عبر تمويل برامج إدارة التوتر والدعم النفسي، وعضويات الأندية الرياضية، والأنشطة الرياضية والجماعية الموجهة للعافية، إلى جانب المبادرات المتعلقة بالتغذية والنشاط البدني.
وبلغ الإنفاق العالمي على برامج العافية في أماكن العمل نحو 53 مليار دولار عام 2024، وفق معهد العافية العالمي. وبذلك تتحمل الشركات تكلفة تراجع الأداء، ثم تنفق على الأدوات والخدمات التي تساعد الموظفين على استعادة طاقتهم.
طلب لمنتجات العافية
لا ينبع الطلب من زيادة ساعات العمل الرسمية فقط، بل من تمدد العمل إلى الأوقات التي كانت مخصصة للراحة والتعافي.
فقد أظهرت بيانات مايكروسوفت 365 أن الموظف يتلقى في المتوسط 117 رسالة بريد إلكتروني يوميا و153 رسالة عبر تطبيق مايكروسوفت تيمز في يوم العمل. أما أكثر 20% من المستخدمين تلقيا للتنبيهات، فتعرضوا خلال ساعات العمل الأساسية لتنبيه أو مقاطعة كل دقيقتين تقريبا، ووصل إجمالي ما تلقوه من دعوات اجتماعات ورسائل بريد ومحادثات إلى 275 على مدار 24 ساعة.
ولا يتوقف هذا الإيقاع عند المساء؛ فقد ارتفع عدد الاجتماعات التي تبدأ بعد الثامنة ليلا بنسبة 16% سنويا، كما عاد 29% من المستخدمين النشطين إلى صناديق بريدهم بحلول العاشرة مساء. وعندما يستهلك العمل الوقت الذي يحتاج إليه الجسم والعقل للراحة، يصبح تحسين النوم والتركيز حاجة متكررة لا عملية شراء عابرة، وهو ما يوجِد طلبا مستمرا لتطبيقات التأمل والأجهزة القابلة للارتداء وبرامج التعافي.
ومع اتساع هذا الطلب، انتقلت السوق من بيع منتجات منفصلة، مثل أجهزة قياس النشاط وتطبيقات التأمل، إلى بناء منظومات تجمع الجهاز والبيانات والتحليل والاشتراك. فهذه الأجهزة لا تقدم قراءة لنبض القلب فحسب، بل تحول النوم والإجهاد والنشاط إلى درجات يومية، ثم تقدم توصيات شخصية تدفع المستخدم إلى العودة إلى التطبيق باستمرار.
وتظهر قوة هذا التحول في بيانات معهد العافية العالمي؛ فقد بلغ حجم قطاع العافية الذهنية 268 مليار دولار عام 2024، ويشمل التأمل واليقظة الذهنية، ومنتجات وخدمات مرتبطة بالنوم، ومكملات تُسوّق لتعزيز القدرات الذهنية.
من الخواتم إلى الفنادق
تمثل شركة أورا (Oura) مثالا واضحا على تحول تتبع النوم من ميزة صحية إلى نشاط استثماري؛ فقد أعلنت الشركة في سبتمبر/أيلول 2025 تجاوز مبيعات خواتمها الذكية 5.5 ملايين خاتم، وقالت إنها تتجه إلى مضاعفة إيراداتها للعام الثاني على التوالي، بعدما تجاوزت إيراداتها 500 مليون دولار عام 2024.
وبعد أسابيع، جمعت الشركة أكثر من 900 مليون دولار في جولة تمويل رفعت قيمتها التقديرية إلى نحو 11 مليار دولار، بما يعكس حجم الرهان الاستثماري على البيانات الصحية والوقاية الشخصية.
ولا تقتصر الفرص على شركات الأجهزة؛ فقد أصبح قطاع السياحة من أبرز المستفيدين من طلب الراحة والتعافي. وبلغ الإنفاق على سياحة العافية 894 مليار دولار عام 2024، وفق معهد العافية العالمي، وإن كان هذا الرقم يشمل أنشطة أوسع من معالجة الإرهاق.
وتكشف تطبيقات هذه السوق كيف أصبحت الراحة جزءا من المنتج الفندقي؛ إذ تقدم سيكس سينسز (Six Senses) برامج تجمع تتبع النوم والاستشارات الشخصية والتأمل والنصائح الغذائية، بينما تسوق فنادق إكوينوكس (Equinox) تجربة للنوم تشمل إضاءة متوافقة مع الإيقاع اليومي وإرشادات شخصية تساعد النزيل على تحسين نومه.
ووفق بحث عالمي أجرته هيلتون، كانت الرغبة في الراحة واستعادة الطاقة الدافع الأول للسفر الترفيهي عام 2026 لدى 56% من المشاركين. ويوضح ذلك كيف تحولت الرغبة في الابتعاد عن الضوضاء وضغوط الحياة اليومية إلى عنصر تعتمد عليه شركات الضيافة في تصميم عروضها وتسويقها.
10% فقط من العاملين عالميا تشملهم برامج وخدمات للعافية في أماكن العمل
يتحمل المستهلك جانبا كبيرا من الفاتورة عبر شراء الأجهزة، ودفع الاشتراكات، وحجز برامج التعافي.
ويمكن رؤية هذه التكلفة في تطبيق كالم (Calm)، أحد أشهر تطبيقات التأمل والنوم والاسترخاء؛ إذ يبلغ سعر الاشتراك الشهري في خدمته المدفوعة 16.99 دولارا، بينما تبلغ قيمة الاشتراك السنوي 79.99 دولارا، بما يعادل نحو 6.67 دولارات شهريا.
ويكتسب المثال أهميته من الانتشار الواسع للتطبيق، الذي تقول الشركة إنه وصل إلى 180 مليون عملية تنزيل في العالم. وهكذا تبدو تكلفة التعافي محدودة على المستوى الشهري، لكنها تتحول، عند جمعها عبر ملايين المستخدمين واستمرار الاشتراكات، إلى نموذج أعمال قائم على الإيرادات المتكررة.
في المقابل دفع اتساع خسائر الغياب وضعف الأداء أصحاب العمل وشركات التأمين إلى المشاركة في التكلفة، فتحولت بعض المنتجات من أدوات شخصية إلى خدمات تُباع للمؤسسات ضمن مزايا الموظفين وبرامج الوقاية.
ومع ذلك، لا تزال الاستفادة غير متكافئة؛ إذ يقدّر معهد العافية العالمي أن نحو 10% فقط من العاملين عالميا تشملهم برامج وخدمات العافية في أماكن العمل. وتتركز هذه البرامج غالبا في الشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات العاملة في قطاعات المعرفة والتكنولوجيا والتمويل، وفي الاقتصادات الأكثر ثراء.
كما انخفض الإنفاق على العافية في أماكن العمل بنسبة 1.5% بين عامي 2023 و2024، رغم نمو اقتصاد العافية عموما بنسبة 7.9%. ويربط المعهد هذا التراجع بابتعاد مزيد من أصحاب العمل عن البرامج التقليدية، واتساع العمل عن بُعد والعمل الحر، وهو ما يترك شرائح أكبر من العاملين خارج نطاق هذه المزايا.
نسبة الموظفين الذين أفادوا بأنهم يمارسون الرياضة بانتظام ارتفعت بنحو 8.3 نقاط مئوية (أدوبي ستوك)
مسكنات أم علاج حقيقي؟
يفصل هذا السؤال بين سوق تستجيب لحاجة حقيقية وأخرى تكتفي بتقديم حلول مؤقتة لأعراض المشكلة. فقد وجدت تجربة عشوائية منشورة في دورية “جاما” (JAMA)، وشملت 32974 موظفا في 160 موقع عمل، أن برنامجا للعافية رفع، بعد 18 شهرا، نسبة الموظفين الذين أفادوا بأنهم يمارسون الرياضة بانتظام بنحو 8.3 نقاط مئوية، ونسبة من قالوا إنهم يعملون على إدارة أوزانهم بنحو 13.6 نقطة مئوية، مقارنة بمواقع العمل التي لم تقدم البرنامج.
وبالطبع هناك عوامل عديدة تؤدي دورا في جعل برامج التعافي أكثر جدوى وذات تأثير إيجابي في المنخرطين فيها، مثل عبء العمل المفرط، أو نقص الموظفين، أو غياب السيطرة على ساعات العمل.
ولهذا توصي منظمة الصحة العالمية بتدخلات تنظيمية تعالج ظروف العمل نفسها، إلى جانب الأدوات الفردية لإدارة التوتر.
ويبدو أن الاختبار الحقيقي لهذه الصناعة لن يكون في عدد الأجهزة والمؤشرات التي يمكن بها قياس الإرهاق، بل في مقدار التعب الذي تنجح في خفضه فعلا. فعندما يصبح النوم منتجا والتركيز اشتراكا، قد تكون الفرصة الاستثمارية الأكثر استدامة هي تلك التي تعيد إلى الإنسان حقه في إغلاق يوم العمل، لا التي تبيع له وسيلة جديدة لتحمل يوم لا ينتهي.
وبهذا يتضح أن الاقتصاد الحديث وضع سعرا لكل مرحلة من رحلة التعب: تخسر الشركات من تراجع الأداء، بينما تربح شركات أخرى من القهوة والتطبيق والخاتم الذكي والعطلة المخصصة للنوم. غير أن اتساع سوق التعافي لا يثبت وحده أننا أصبحنا أفضل في الراحة؛ فقد يعني فقط أننا أصبحنا أكثر استعدادا للدفع مقابلها.
المصدر: الجزيرة
