د. عبد الله خليفة الشايجي
تمر الولايات المتحدة بواحدة من أبرز حركات صحوة الوعي، بتصدع القاعدة التقليدية للحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة. وصعود جناح شاب تقدمي وغاضب داخل كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يتحدى الأسس والشخصيات الهرمة التي سيطرت على مقاليد وقيادة الحزبين لعقود، وانشقاقات داخل الحزب الجمهوري تعمق حالة الارتباك داخله. وتنعكس سلباً على مكانة ودور الرئيس ترامب قائد الحركة التصحيحية في حزبه-باتهامه بخيانة مبادئ حركة «أمريكا أولاً»!
يعلم نتنياهو وإسرائيل أنهم في ورطة ويخسرون الرأي العام الأمريكي، بتحول عاصفة الغضب إلى إعصار يجرف الركائز الرئيسية للعلاقة التاريخية الممتدة لثمانية عقود. وبرغم مفاخرة الرئيس ترامب أنه أكثر رئيس قدم دعما وإسنادا وخدم مصالح إسرائيل -ومعه الكونغرس الخاضع لنفوذ اللوبي(ايباك)-إلا أن هناك خلافات وتصدعا في العلاقة تؤسس لتحول بنيوي هو الأخطر وغير مسبوق بين الولايات المتحدة وأهم حليف في الشرق الأوسط. بالتحول من شبه إجماع تاريخي بجميع مؤسساته الرسمية وغير الرسمية من البيت الأبيض والكونغرس والإعلام الرئيسي ومراكز الدراسات. الداعم والمدافع والممول والضامن لأمن إسرائيل، واستخدام 50% من جميع الاعتراض (الفيتو) في تاريخ عضوية الولايات المتحدة بالأمم المتحدة. إلى الاستقطاب والانقسام السياسي الحاد بين الديمقراطيين الداعمين تاريخيا لإسرائيل-منهم الرئيس بايدن وأوباما وكلينتون، والجمهوريين الداعمين بشكل كامل لحروب إسرائيل، وآخرهم الرئيس ترامب بإدارتيه.
والملفت عمق الانقسام داخل مؤسسة الحزب الديمقراطي بين جناحه التقليدي بقيادة أوباما وبايدن وكلينتون وتشك شومير، والجناح التقدمي-الليبرالي والاشتراكي الشبابي الديمقراطي الأمريكي، الذي حقق مرشحوه انتصارات ملفتة في الانتخابات التمهيدية في عدة دوائر انتخابية لتمثيل الحزب في انتخابات الكونغرس في نوفمبر القادم. في تحول جذري في مواقف الحزب، المكون بأغلبيته من الأقليات العرقية والدينية، مثل رشيدة طليب أول نائبة مسلمة من أصل فلسطيني-وإلهان عمر أول نائبة مسلمة محجبة-ولاجئة صومالية-وألكساندريا كورتيز، وبراميللا جايابال-ورو كانا وآخرين. وتوقع زيادة عدد التقدميين الاشتراكيين في انتخابات التجديد النصفي القادمة». يواجه الحزبان أزمة هوية وانتماء وانقساما حقيقيا، مدفوعاً بغضب واستياء شعبي داخل أجنحة الحزبين. ما يعصف بثوابت هوية ومكانة أركان النظام السياسي الأمريكي.
في المقابل يقود ويمثل جي دي فانس نائب ترامب، حركة ميغا-وأمريكا أولاً-بموقف لافت مؤخراً بقيادة رأس الحربة بانتقادات لاذعة للجناح المتشدد للوزراء المتشددين في الحكومة الإسرائيلية بعد تهجمهم على جهود مذكرة التفاهم مع إيران بوساطة باكستان وقطر لإنهاء الحرب على إيران. وذكّر برسالة مبطنة لنتنياهو والوزراء المتشددين-أن الرئيس ترامب والولايات المتحدة «الحليف القوي الوحيد المتبقي لكم في العالم»، فيما تعتمد إسرائيل بشكل شبه كامل منظومات السلاح الأمريكي.
وعاد نائب الرئيس فانس قبل أيام ليصعد بأقوى هجوم، ويتهم إسرائيل في بودكاست «جو روغان»-الشهير-بأكثر من 20 مليون مشترك-محذرا إسرائيل بخسارة معركة الرأي العام الأمريكي. واتهم إسرائيل بالسعي للتأثير على الرأي العام الأمريكي مؤكداً أن هناك أطرافاً داخل الحكومة الإسرائيلية تسعى لإفشال المفاوضات. وتحاول جر الولايات المتحدة لمواصلة الحرب ضد إيران إلى أجل غير مسمى دون أهداف محددة، ولا يملكون أي بديل سوى الحرب الدائمة. ورفض اتهامات الحملة المنظمة باتهامه بالعداء للسامية، لمطالبته بعلاقة متوازنة مع إسرائيل ورفضه انخراط أمريكا بحروب مكلفة. وما يزعج فانس هو ليس محاولة تأثير على الرأي العام الأمريكي-بل على سياسات وحكم الولايات المتحدة بدعم توجههم وسياساتهم».. وكان تم تسريب أن نائب الرئيس فانس عاتب نتنياهو في بداية الحرب منتقداً أنه مع رئيس الاستخبارات الإسرائيلية-الموساد سوقا وأقنعا الرئيس ترامب بتحقيق «انتصار سهل» في إيران. وهو ما لم يتحقق-خاصة أن السردية التي أُعلنت في بداية الحرب وضعت سقف ستة أسابيع لتحقيق الانتصار وتغيير النظام. بينما نحن اليوم نقترب من نهاية الشهر الخامس!!
ولم يصدر الرئيس ترامب والحكومة الإسرائيلية أي تعليق على حملة الانتقادات غير المسبوقة من نائب ترامب، ومرشح الحزب الجمهوري الرئيسي في انتخابات الرئاسة القادمة عام 2028. فيما علّقت الناطقة باسم البيت الأبيض دون ذكر إسرائيل بالاسم أن «الرئيس ترامب يتفق مع ما ذهب إليه نائب الرئيس بأن هناك حكومات تسعى للتأثير على الرأي العام الأمريكي».
يصعد فانس في الكونغرس بخفض أو وقف دعم إسرائيل بشيك على بياض-ورفض شن حروب، والتضحية بالشباب الأمريكي لمصلحة مشاريع الآخرين، وتقييد نفوذ إسرائيل ودول أخرى. مدعوماً بخسارة إسرائيل شريحة الشباب وجيل (Z)-(18-29 عاماً)-يرفض ثلثا الشريحة الحرب على إيران. ويرى 66 % من الديمقراطيين حسب استطلاع رأي جامعة كوينيباك-الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بشكل كبير-كانت النسبة قبل طوفان الأقصى في 2023-28% فقط!! فيما يؤيد 58% ممن استطلعت آراؤهم-(العينة 2648-)بين 8-13 يوليو الجاري-خفض أو حتى إنهاء تمويل وتزويد الولايات المتحدة إسرائيل بالسلاح. وهذه نسبة صادمة وغير مسبوقة. تؤسس لبداية تحول في الرأي العام الأمريكي- بأن إسرائيل تتحول لعبء مكلف يكبل الولايات المتحدة ويكشف تناقضاتها وأزدواجية معاييرها.
وشكل التطور الملفت الذي يشجع المشرعين الأمريكيين التجرؤ بالتشدد تجاه إسرائيل-كان تصويت 104 نواب بدعم اقتراح قانون «وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل. بينهم 103 نواب ديمقراطيين ونائب جمهوري وحيد-توماس ماسي، مقدم الاقتراح بقانون. ورغم فشل اقتراح وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل-3.3 مليار دولار- بـ 313 نائباً ومعارضة 104 نواب – إلا أن التصويت غير المسبوق-يُشكّل أكبر تمرد وتحدٍ تشريعي ضد إسرائيل وينهي قدسية حصانة إسرائيل من الانتقاد والانقلاب على المسلمات-وبذلك تخسر إسرائيل معركة الرأي العام وقدسية الحصانة!!وتشكل بداية لواقع بنيوي مختلف لمستقبل العلاقات بين الحليفين.



