شبكة الرقيب الإعلامية -
د. سعيد صبري
مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة
هل نحن أمام خطة طوارئ مصرفية عابرة، أم أمام مؤشرات أولى على مرحلة انفكاك مالي بين الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي؟ هذا السؤال فرضته تقارير حديثة تحدثت عن رسالة من البنك المركزي الإسرائيلي إلى سلطة النقد الفلسطينية، تطلب الاستعداد لـ”خطة لإنشاء بديل للشيكل” — تطور يستحق تفكيكًا هادئًا بعيدًا عن التهويل أو التسطيح.
والمفارقة أن الاقتصاد الفلسطيني لا يواجه اليوم أزمة نقص بالشيكل، بل أزمة اعتماد عليه وفائض منه في آنٍ واحد: يحتاجه لتسوية جزء كبير من نشاطه، لكنه لا يملك قرار إصداره ولا حرية إعادة فائضه للنظام الذي يصدره. هذه المفارقة، لا تفصيل الرسالة وحده، هي ما يستحق التوقف عنده. لا توجد حتى الآن وثيقة تفصيلية من بنك إسرائيل تحدد المقصود، ولا ما يثبت الحديث عن عملة فلسطينية جديدة، فمن الخطأ القفز لاستنتاج استبدال كامل، لكن من الخطأ أيضًا التعامل معها كتفصيل عابر.
ثلاثة أرقام تختصر حجم الارتباط
قبل أي نقاش عن البدائل، تستحق ثلاثة أرقام موثقة أن تُقرأ معًا: شكّلت الصادرات الفلسطينية إلى إسرائيل نحو 96% من إجمالي الصادرات في يونيو 2026، والواردات منها نحو 62% من إجمالي الواردات بالشهر نفسه، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. أما إيرادات المقاصة، المرتبطة عضويًا بهذه التجارة والمحصّلة بالشيكل، فتشكل نحو 70% من الإيرادات العامة للسلطة. ثلاثة أرقام مختلفة، تصف الواقع نفسه: اقتصاد لا يستطيع فصل عملته عن تجارته، ولا تجارته عن جاره الأكبر.
لماذا يهيمن الشيكل أصلًا؟
قد يظن قارئ عابر أن هذه الهيمنة خيار فلسطيني بحت، لكنها نتاج بنية متكاملة: التجارة شبه الكلية مع إسرائيل، أجور عشرات آلاف العمال بسوق العمل الإسرائيلي، آلية تحصيل المقاصة، وإطار بروتوكول باريس منذ 1994. هيمنة الشيكل إذن ليست ظاهرة نقدية فقط؛ إنها النتيجة النقدية لبنية اقتصادية كاملة، ولا يمكن فك الارتباط بالعملة دون التعامل مع البنية التي أنتجته.
من أزمة بنك مراسل إلى سؤال النظام النقدي
يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: استمرار هبوعليم وديسكونت يمنع الصدمة الفورية لكن يؤجل الخطر طالما بقي مرهونًا بإعفاءات دورية؛ تشغيل شركة المراسلة الحكومية البديلة يعالج المخاطر التشغيلية لكن يبقي الجوهر كما هو: تسويات فلسطينية بالشيكل عبر بنية إسرائيلية؛ أما “بديل الشيكل” فلا يسأل من سيمرر الشيكل، بل ماذا لو تعذر الاعتماد عليه أصلًا في جزء من المعاملات؟
استمرار هبوعليم وديسكونت يشتري الوقت، وشركة المراسلة تغيّر الوسيط، أما بديل الشيكل فقد يعني تغيير جزء من النظام نفسه.
تفكيك الوظائف، لا استبدال العملة
السؤال الصحيح ليس “ما العملة البديلة؟”، بل: أي وظائف يؤديها الشيكل يمكن نقلها تدريجيًا؟ فهو يؤدي أربع وظائف: التداول اليومي وأجور العمال، الادخار والائتمان، تحصيل المالية العامة عبر المقاصة، وتسوية التجارة الخارجية. لا تحمل هذه الوظائف الدرجة نفسها من الصعوبة: تسوية جزء من التجارة غير الإسرائيلية بعملات أخرى ممكنة نسبيًا، بينما تحرير المالية العامة من آلية المقاصة يحتاج تفاوضًا سياسيًا طويلًا يمس بروتوكول باريس نفسه. الاستراتيجية الأذكى تبدأ بالوظيفة الأسهل فك ارتباطًا، لا بتحرير الاقتصاد من الشيكل دفعة واحدة.
مفارقة فائض الشيكل
الوجه الآخر لهذا الارتباط أن الاقتصاد يعاني من الاعتماد على الشيكل ومن تراكم فائض ضخم منه معًا. حذرت سلطة النقد مرارًا من وصول تراكم النقد بالشيكل لدى المصارف لمستويات حرجة نتيجة قيود شحن الفائض، كتلة محتجزة بلا حركة تستهلك قدرة البنوك على التمويل. فلسطين تعتمد على عملة لا تصدرها ولا تتحكم بكميتها، ولا تستطيع إعادة فائضها للنظام الذي يصدرها دون موافقة الطرف الآخر.
هل الدولار أو الدينار بديل؟
الدولار مرشح واضح: البنوك تتعامل به أصلًا وله علاقات مراسلة دولية. الدولرة قد توفر مزايا تتعلق بالاستقرار، لكنها لا تمنح فلسطين سياسة نقدية مستقلة؛ فهي تنقل مرجعية السياسة النقدية من الشيكل إلى الدولار. أما الدينار فله حضور تاريخي بالضفة ويمكن تعزيزه مع الأردن، لكنه أيضًا لا يمنح استقلالًا نقديًا. القاعدة الأساسية: لا يمكن تغيير النظام النقدي دون تغيير تدريجي في جغرافيا التجارة نفسها، وطالما بقيت إسرائيل الشريك المهيمن بنحو 90% من الصادرات، سيبقى للشيكل وزن كبير مهما كانت الرغبة السياسية.
وهنا سؤال لا يقل أهمية: من سيدفع كلفة أي انتقال؟ كل تحويل تسوية من الشيكل لعملة أخرى يحمل فارق صرف وعمولات ومخاطر تقلب سعر، يتحملها البنك أو المستورد أو الحكومة عبر دعم مؤقت، أو المستهلك بالسعر النهائي. كل انتقال نقدي له فاتورة، والسؤال ليس فقط ما العملة البديلة، بل من سيدفعها.
هل العملة الفلسطينية هي الحل؟
إصدار عملة وطنية بداية المشكلة لا نهايتها: تحتاج ثقة، احتياطيات، سياسة صرف، ونظام مدفوعات ومؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات. السؤال الأصعب ليس هل تستطيع فلسطين طباعة عملة، بل: هل تستطيع بناء الثقة التي تجعل المواطن والتاجر يحتفظون بها وقت الضغط؟ لذلك تبقى هدفًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا إجابة سريعة على أزمة قد تقع خلال أشهر.
ليست المسألة أن نودّع الشيكل، بل أن نحرّر الاقتصاد الفلسطيني من أن يكون خياره الوحيد.
لماذا يأتي الطلب من بنك إسرائيل نفسه؟
هنا مفارقة صحفية تستحق تسجيلها دون تسرع بتفسيرها: إسرائيل نفسها أنشأت شركة حكومية للمحافظة على قناة الشيكل، وفي الوقت ذاته يظهر حديث عن استعداد لبديل عنه. كيف يجتمع المساران؟ هل الأول سيناريو استمرارية والثاني سيناريو طوارئ للانقطاع الكامل؟ لا معلومات كافية للإجابة بثقة، وقد يكون تخطيطًا احترازيًا، أو حماية للنظام المالي الإسرائيلي نفسه، أو جزءًا من تصور أوسع. من السابق لأوانه إسناد دوافع سياسية محددة، لكن المصلحة الفلسطينية تقتضي ألا تكون خطة الطوارئ مجرد استجابة لسيناريو صاغه الطرف الآخر، بل جزءًا من استراتيجية نقدية فلسطينية مستقلة الأهداف.
ماذا يجب أن تفعل فلسطين؟
تشغيل الشركة الوسيطة، إن حدث، قد يكون ضروريًا لمنع اضطراب فوري، ولا مصلحة فلسطينية برفض إجراء يمنع أزمة حادة، لكنه لا يجيب عن السؤال الأكبر. الأجندة الأنسب تجمع أربعة مسارات متوازية: خطة طوارئ فنية جاهزة للعملات والتسويات، توسيع علاقات المراسلة بالدولار والدينار مع بنوك متعددة بدل قناة واحدة، تعميق القنوات المالية والتجارية مع الأردن والعالم العربي، ووضع استراتيجية زمنية لتقليص وظائف الشيكل واحدة تلو الأخرى، بدءًا بالأسهل تنفيذًا لا الأكثر إلحاحًا سياسيًا.
خلاصة
حتى تتضح طبيعة الرسالة المنسوبة لبنك إسرائيل، يجب التعامل بحذر مع تعبير “بديل الشيكل”، لكن مجرد وصول النقاش لهذه المرحلة دلالة لا تُتجاهل: من “كيف نحافظ على قناة الشيكل” إلى “ماذا لو لم تعد هذه القناة مضمونة أصلًا؟”. ربما لا تكون المهمة الفلسطينية اختيار العملة القادمة “بعد الشيكل”، بل بناء القدرة التي تتيح وجود أكثر من خيار. فالسيادة النقدية لا تبدأ بطباعة عملة جديدة؛ تبدأ عندما يصبح للاقتصاد القدرة على الاختيار.


