لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي أتلانتك” مقالا لتوم نيكولاس قال فيه إن الاتفاق الذي أعلن عنه الرئيس دونالد ترامب مع إيران هو انتصار لطهران. وجاء المقال تحت عنوان “ترامب يحتفل وأمريكا تستسلم”.
وقال نيكولاس إن ترامب، بعدما أعلن عن الاتفاق على منصته “تروث سوشيال” وهنأ فيه الجميع، توجه للمشاركة في الاحتفال الجماهيري الباذخ الذي رتبه بمناسبة عيد ميلاده الثمانين في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض. لكن ليس لدى أمريكا ما تحتفل به، فقد خسر ترامب وفريقه، في وقت قياسي، حربا أمام خصم متوسط القدرات العسكرية، ولكنه مع ذلك شديد الخطورة.
ورغم أن تفاصيل الاتفاق غير مؤكدة، فإن الرئيس، بطبيعة الحال، حريص على تصوير النتيجة على أنها نصر. فقد كان ترامب متعجلا لتوقيع الاتفاق في عيد ميلاده، أما الإيرانيون، الذين يبدو أنهم يسيطرون الآن على زمام الأمور، فقد صرحوا بأنهم سيرسلون من ينوب عنهم إلى اجتماع في سويسرا يوم الجمعة.
ترامب فشل بشكل واضح في تحقيق أي من أهداف الاتفاق. ولو كانت كلمة “هزيمة” ستبدو قاسية، إلا أنه علينا النظر في الكيفية التي انتهت بها الحرب.
ولكن حتى قبل معرفة التفاصيل، يرى الكاتب أن ترامب فشل بشكل واضح في تحقيق أي من أهداف الاتفاق. ولو كانت كلمة “هزيمة” ستبدو قاسية، إلا أنه علينا النظر في الكيفية التي انتهت بها الحرب.
وكما حذر الكاتب وغيره في البداية، فإن قتل الناس وقصف الأهداف لا يحقق النصر في حد ذاته. والحقيقة هي أن الحرب ستتوقف والنظام في طهران معافى وتحت سيطرة الحرس الثوري الإسلامي، وسيظل مضيق هرمز مهددا بالهجمات الإيرانية، وستستمر إيران في امتلاك مخزونات كبيرة من الطائرات المسيرة والصواريخ، وسيحتفظ النظام بقدرته على دعم الجماعات الوكيلة، وسيتم رفع العديد من العقوبات، وستتدفق مليارات الدولارات من الأصول المجمدة إلى إيران.
بعبارة أخرى، حقق الإيرانيون أهدافهم الاستراتيجية الرئيسية: بقاء النظام فوق كل اعتبار، بينما لم يحقق الأمريكيون أيا من أهدافهم.
وفي الواقع، ربما حققت الولايات المتحدة ما هو أسوأ من الفشل في تحقيق مكاسب. فإيران، وإن كانت قد ضعفت مؤقتا، أصبحت الآن فاعلا سياسيا أكثر قوة: صمد النظام في طهران أمام هجوم أمريكي واسع ونجا، ثم ألحق الضرر بدول مختلفة في الخليج عقابا لها على انصياعها لحرب ترامب.
أما الإسرائيليون، فقد تركوا في عزلة تامة، ومن الصعب التعاطف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي شجع ترامب بتهور على مهاجمة إيران. لكنه هو الآخر يشعر بمرارة الذل، فقد ربط الإيرانيون بذكاء حرب نتنياهو ضد حزب الله في لبنان بحرب ترامب في الخليج، وترامب الآن غاضب من نتنياهو لأنه صعب على الولايات المتحدة الانسحاب من الصراع.
فعندما خطط نتنياهو لشن هجمات كبيرة على بيروت مطلع حزيران/يونيو، اتصل به ترامب وشتمه، وقال: “لولاي.. لكنت في السجن”. وبحسب التقارير، فإن الاتفاق المرتقب يشترط وقف إطلاق النار في المنطقة، بما في ذلك لبنان، ويتفاوض ترامب وكأنه قادر على تلبية هذا المطلب دون المساس بإسرائيل.
وقد تزعم إدارة ترامب أنها حققت نصرا، لأنها حرمت إيران من الأسلحة النووية. لكن هذا الزعم سخيف ومكرر، فقد تعهدت طهران قبل عشر سنوات، ضمن خطة العمل الشاملة المشتركة، بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية.
ويشير الكاتب إلى أنه لا ينبغي الوثوق بالإيرانيين، لكن قبل أن يلغي ترامب الاتفاق من جانب واحد في ولايته الأولى، بدا أن خطة العمل الشاملة المشتركة فعالة.
والأهم من ذلك، أنه عندما قرر ترامب خوض الحرب، لم تكن إيران قريبة من امتلاك قنبلة نووية، وبالتأكيد لم تكن على بعد أسابيع من امتلاك سلاح، كما ادعى ترامب. إن محاولة الادعاء بأن هذه الحرب قضت على طموحات إيران النووية ليست سوى محاولة لصرف الأنظار عن فشل الإدارة في تحقيق تغيير النظام، الذي كان الهدف الرئيسي دائما.
قد تزعم إدارة ترامب أنها حققت نصرا، لأنها حرمت إيران من الأسلحة النووية. لكن هذا الزعم سخيف ومكرر، فقد تعهدت طهران قبل عشر سنوات، بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية.
كما أن تباهي ترامب بمنع القنبلة الإيرانية يشبه النكتة القديمة عن سائق التاكسي اللندني الذي كان يرمي “مسحوق الأسد” من النافذة لإبعاد الأسود. وعندما قيل له إن لندن لا يوجد بها أسود، قال: “هذا أمر جيد جدا لأن المسحوق ليس فعالا”.
وسيبدأ الاتفاق، إذا تم توقيعه يوم الجمعة، فترة مفاوضات إضافية لمدة شهرين، وربما يدعي ترامب أنه سيحصل على المزيد خلال هذه العملية، ولكن كيف؟
وتحدث ترامب ولأسابيع عن التخلص من “الغبار الإيراني”، وهو مصطلح غريب لوصف اليورانيوم عالي التخصيب الموجود الآن تحت الأنقاض الناتجة عن القصف الأمريكي. وزعم وزير الدفاع بيت هيغسيث يوم الأحد أن الولايات المتحدة لديها خطط متعددة لإزالة هذه المادة، إلا أن الإيرانيين ينشغلون بزرع ألغام حول اليورانيوم لضمان بقائه في مكانه.
وعلى الرغم من تهديدات هيغسيث، فإن أمريكا لن تدخل إيران وتستخرجه دون موافقة طهران. بل على العكس، أصبح لدى الإيرانيين الآن كل الحافز للمسارعة إلى امتلاك قنبلة، ويمكنهم فعل ذلك بشفافية أقل بكثير مما كانوا يتحملونه بموجب الاتفاق النووي.
كما سيتم “فتح” مضيق هرمز، لكنه كان مفتوحا بالفعل، على الأقل لمن سمحت لهم إيران بالمرور. وفي رسالته الاحتفالية، قال ترامب: “أصرح بموجب هذا بفتح مضيق هرمز مجانا”.
وهذا كلام جيد، لكنه لا ينفع، فإيران وحدها هي من تملك هذا القرار. كما أعلن ترامب انتهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وهو أمر يقع ضمن صلاحياته، لكن هذا يعني فقط انسحاب أمريكا بينما تبقى إيران.
وهناك أمر مهم، وهو الشروط التي سربت إلى الصحافة حتى الآن، ومعظمها من الإيرانيين، وتزعم أن إيران لن تحصل على 12 مليار دولار مقدما فحسب، بل ستحصل على 12 مليار دولار أخرى في غضون 60 يوما.
وفي وقت لاحق، تزعم إيران أنها ستحصل على صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، مع أن مسؤولين أمريكيين أصروا في تصريحات للصحافيين على أن أي صرف للأموال سيكون مشروطا بالأداء، وهو شرط غامض يثير المزيد من التساؤلات، وقد يدفع الإيرانيين إلى التشبث بموقفهم والمساومة إذا امتنع الأمريكيون عن تسليم الأموال.
الحرب تركت إيران منهكة، لكنها أقوى وبمصادر مالية تحت تصرفها، بينما تضعف أمريكا وتستنزف مخزوناتها المهمة من الأسلحة، ويدفع المستهلكون ثمن الحرب في أسعار الوقود.
ويقول نيكولاس إن الحرب تركت إيران منهكة، لكنها أقوى وبمصادر مالية تحت تصرفها، بينما تضعف أمريكا وتستنزف مخزوناتها المهمة من الأسلحة، ويدفع المستهلكون ثمن الحرب في أسعار الوقود.
وزعم ترامب أنه مستعد في أي لحظة لاستئناف الأعمال القتالية إذا لم يتعاون الإيرانيون. لكننا نفهم استهزاء طهران بفكرة أنه سيشعل حربا ثانية قبل أسابيع قليلة من انتخابات التجديد النصفي، خصوصا أن الشعب الأمريكي، وربما الأهم من وجهة نظر ترامب، الأسواق الدولية، فقدوا تأييدهم للحرب.
بدأ ترامب هذه الحرب بوعد الشعب الإيراني بأنه سيتمكن من انتزاع حكومته من الطغاة الثيوقراطيين الذين يضطهدونه، وظل يكرر بأنه لن يرضى بأقل من “استسلام غير مشروط”.
ولو أسقط ترامب النظام في طهران، لنال شكر معظم دول العالم، بل حتى من أشد منتقديه. بدلا من ذلك، هزمت الولايات المتحدة، وفي مساء هذا الأحد، وجد ترامب نفسه على العشب ينتظر توقف المطر حتى يتمكن من بدء حفله.




