د. طارق عاشور
قبل اقل من عشرين عاما وتحديدا في العام 2008، كادت الأزمة المالية العالمية أن تطيح بالاقتصاد العالمي، لتكشف عن هشاشة النظام المصرفي الذي كان يقامر بأموال المودعين تحت ستار الابتكار المالي. واليوم، وبعد سنوات طوال من النقاش والتدقيق، خرج إلى النور “اتفاقية بازل 3 المعدلة”، التي تعد أحدث وأشمل محاولة لإعادة هيكلة القواعد التي تحكم البنوك الكبرى، بهدف منع تكرار سيناريو الانهيار.
لكن هذه القواعد الجديدة، والمعروفة في الأسواق المالية باسم “Basel III Endgame”، ليست مجرد تعديلات فنية عابرة؛ بل هي إعادة رسم هيكلي لخريطة العلاقة بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية، وتحديداً في الولايات المتحدة، حيث تدور أعنف معركة بين المنظمين والبنوك حول مستقبل القطاع المالي والمصرفي.
في جوهرها، تسعى بازل 3 المعدلة إلى سد الثغرات التي أتاحت للبنوك الكبرى استخدام نماذجها الداخلية الخاصة لتقليل متطلبات رأس المال بشكل مفرط، عبر توحيد طرق حساب المخاطر وفرض “حد أدنى للإنتاج” لا يمكن تجاوزه . بعبارة أبسط، تريد الهيئات الرقابية إجبار البنوك على الاحتفاظ بـ”ملاءة مالية” أكثر سمكا لمواجهة الخسائر غير المتوقعة. ولكن تطبيق هذه القواعد لم يكن موحد على مستوى العالم، فاليابان، وفي تمسكها بالمواعيد النهائية، كانت من أوائل الدول التي طبقت المعايير الجديدة ، مما وضع بنوكها الكبرى في موقع تنافسي صعب مقارنة بنظيراتها الأمريكية التي لا تزال تنتظر . في المقابل، بدأ الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة التنفيذ مع فترات انتقالية طويلة، بينما قطعت دول مثل أستراليا وكندا والصين شوط كبير في المواءمة .
أما في الولايات المتحدة، فقد تحول الملف إلى ساحة صراع مفتوح. كان المقترح الأصلي الذي طرحه الاحتياطي الفيدرالي في عام 2023 يستهدف زيادة رأس المال الأساسي للبنوك الكبرى بنسبة تتراوح بين 16% و19% . لكن المؤسسات المالية الكبرى شنت هجوماً غير مسبوق على هذه الخطط. ففي جلسة استماع شهيرة أمام الكونغرس في كانون اول 2023، حذر جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك “جي بي مورغان”، من أن هذه القواعد “ستغير الاقتصاد الأمريكي بشكل جذري بطرق لم يدرسها أو يتوقعها الاحتياطي الفيدرالي”، وأشار بسخرية إلى أن “الاقتراح الآن، وادرس لاحقا” أصبح نهج خطير في واشنطن . ولم يكن ديمون وحده؛ فقد وصف كذلك جيمس جورمان، الرئيس التنفيذي السابق لبنك مورغان ستانلي، القواعد بأنها “غير ضرورية على الإطلاق ولا معنى لها” في ظل وجود نظام مصرفي مليء بالسيولة . هذا الضغط الهائل أتى بثماره؛ فوفق أحدث التقارير، يعمل الفيدرالي الأمريكي على مراجعة جذرية للنسب لتستقر عند زيادة تتراوح بين 3% إلى 7% فقط، وهو ما يعد تراجع كبير قد يخرج بنوك كبرى مثل “غولدمان ساكس” من دائرة المتطلبات الإضافية كليا.
تمتد تأثيرات هذه المعركة إلى أعماق السوق المالي، وخاصة في سوق المشتقات المالية. القواعد الجديدة، كما هي مطروحة، ستجعل تداول المشتقات أكثر كلفة بشكل كبير عبر تعديل “تعديل قيمة الائتمان” (CVA). تحليلات صناعة الأوراق المالية والأسواق المالية (SIFMA) بالتعاون مع الرابطة الدولية للمقايضات والمشتقات (ISDA) تشير إلى أن متطلبات رأس المال لخدمات مقاصة العملاء قد تقفز بأكثر من 80%، أي ما يعادل 7.2 مليار دولار إضافية للبنوك الأمريكية الستة الكبرى . هذا الرقم يعني أن البنوك ستحتاج لتحقيق أرباح إضافية بقيمة 1.1 مليار دولار سنويا لتغطية هذه الزيادة، وهو ما سينعكس حتماً على العملاء . سكوت أوماليا، الرئيس التنفيذي لـISDA، يحذر من أن هذه الزيادات “لا تعكس المخاطر الأساسية” وستؤدي إلى تراجع السيولة في الأسواق، مما يجعل بعض الخدمات غير مجدية اقتصاديا للبنوك، فتقلص نشاطها أو ترفع عمولاتها بشكل يثقل على التحديد كاهل شركات الطيران والطاقة التي تستخدم المشتقات للتحوط .
أما على صعيد السيولة الائتمانية، فإن القواعد الجديدة ستفرض أوزان مخاطر أعلى على أنواع من القروض كانت تعتبر تقليدية، كالقروض العقارية ذات الدفعات الأولى المنخفضة، وقروض الشركات الصغيرة والمتوسطة. جين فريزر، الرئيسة التنفيذية لـ”سيتي غروب”، أعربت عن قلقها من “هجرة الأنشطة المالية نحو القطاع غير المصرفي”، حيث تنتقل الأعمال إلى صناديق الظل التي لا تخضع لنفس الرقابة الصارمة . هذا التحول قد يخلق مخاطر نظامية جديدة بعيد عن أعين المنظمين، وهي مفارقة كبرى، فالهدف من التشدد هو الأمان، لكن النتيجة قد تكون نمو مخاطر أقل شفافية.
من وجهة نظر وكالات التصنيف الائتماني مثل “موديز”، فإن الصورة تحمل وجهين . فمن ناحية، البنوك التي ستطبق القواعد ستصبح أكثر متانة وقدرة على تحمل الصدمات، وهو أمر إيجابي لتصنيفها الائتماني على المدى الطويل. ولكن من ناحية أخرى، فإن الضغط على الربحية قد يدفع البنوك للبحث عن استثمارات أكثر خطورة لتعويض التراجع في العائد على حقوق المساهمين، أو يدفع النشاط المالي نحو كيانات أقل تنظيماً. ديفيد سولومون من “غولدمان ساكس” لخص المعضلة أمام الكونغرس، محذرا من أن التكلفة الإضافية “ستنتقل في النهاية إلى المستهلك، لتظهر في أسعار تذاكر الطيران وتكلفة المعاشات التقاعدية” بسبب ارتفاع تكاليف التحوط للشركات الكبرى .
والان …التعديلات المرتقبة على “بازل 3” في الولايات المتحدة، والتي قد تخفف بشكل كبير من وطأة المقترحات الأصلية، سترسم ملامح المرحلة المقبلة. الهدف المنشود هو نظام مالي أكثر أمانا واستقرارا، بعيد عن هوس المضاربة الذي قادت العالم إلى أزمة 2008. لكن ثمن هذا الأمان قد يكون ائتمان أكثر كلفة وندرة للشركات الصغيرة والأسر، وأسواق أقل عمق وسيولة. كما قال جيمي ديمون بسخرية، “الحديث عن تعزيز الاستقرار المالي أمر جيد، لكن علينا أن نعترف بأن لهذه القواعد تكلفة اقتصادية حقيقية، قد تدفع النشاط المالي بعيدا عن البنوك الخاضعة للرقابة، وتضرب النمو في الصميم” . يبقى السؤال الذي،ستثبته الايام المقبلة: هل استطاع المنظمون تحقيق المعادلة الصعبة بين الأمان والنمو، أم أن القطاع المالي ينتظر فقط الجولة القادمة من “التحكيم التنظيمي” بين وول ستريت وبقية العالم؟




