حذّر المحلل السياسي سليمان بشارات من أن ما بعد الحرب على قطاع غزة لا يعني نهاية تداعياتها، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر خطورة على المستوى السياسي، في ظل محاولات إسرائيل والولايات المتحدة إعادة هندسة المشهد الإقليمي، وإبقاء ملف غزة معلّقًا دون نتائج حقيقية على الأرض.
وأوضح بشارات، في مقابلة إذاعية، أن الحديث الأمريكي عن إمكانية امتداد المرحلة الثانية من التهدئة في غزة لعامين أو ثلاثة أعوام يعكس حالة “مخاض عسير” تعيشها المنطقة، ويدلل على أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم أصلًا باستحقاقات المرحلة الأولى، ما يجعل أي حديث عن تقدم فعلي موضع شك مفتوح زمنيًا.
وأشار إلى أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يتعمّد المماطلة في الانتقال إلى المرحلة الثانية، بسبب “فاتورة التكاليف السياسية والاقتصادية الباهظة”، إضافة إلى أزمات داخلية متراكمة، أبرزها أزمة الموازنة، وأزمة الحريديم، والخلافات حول المستشارة القضائية، واحتمالات الذهاب إلى انتخابات مبكرة قبل منتصف عام 2026.
وبيّن بشارات أن نتنياهو يخوض حربًا داخلية للبقاء على رأس المشهد السياسي الإسرائيلي، ويسعى لإبقاء الجبهات مفتوحة في غزة والضفة ولبنان وسوريا، مع تصعيد التهديدات تجاه إيران، بهدف التحكم بالداخل الإسرائيلي أولًا، واستخدام هذه الملفات كورقة ضغط إقليمي ودولي ثانيًا.
وفيما يتعلق باللقاء المرتقب بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اعتبر بشارات أن التصعيد الإسرائيلي الأخير يندرج في إطار التمهيد للقاء، عبر محاولة إعادة ترتيب أولويات جدول الأعمال، بحيث لا تكون المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة على رأس النقاش، بل دفعها إلى مراتب متأخرة مقابل تضخيم ملف إيران والأمن الإقليمي.
وأضاف أن الولايات المتحدة ما زالت تنظر إلى إسرائيل كأداة وظيفية مركزية في المنطقة، ولا يمكنها الضغط عليها بما يهدد تفوقها أو دورها الإقليمي، لافتًا إلى أن واشنطن بدورها تستثمر في حالة “إدارة الصراع” من خلال طرح أفكار ومشاريع تعلم مسبقًا أنها غير قابلة للتطبيق، بهدف إشغال الأطراف وكسب الوقت.
وحول دور ترامب، رأى بشارات أنه يتعامل بعقلية “الصفقات”، محاولًا الظهور كصانع سلام عالمي، بينما يوازن عمليًا بين طمأنة الشركاء الإقليميين ومنح إسرائيل هامشًا واسعًا للمناورة، مشيرًا إلى تراجع الدعم المطلق لإسرائيل داخل المؤسسات الأمريكية مقارنة بالسابق.
وختم بشارات بالتأكيد على أن المشهد الحالي تحكمه بدرجة كبيرة اعتبارات شخصية لكل من ترامب ونتنياهو، في ظل نزعة استثمار سياسي عالية، ما يجعل المرحلة القادمة مفتوحة على مخاطر سياسية عميقة، تتجاوز مفهوم الحرب العسكرية المباشرة، وتضع القضية الفلسطينية أمام تحديات أكثر تعقيدًا.



