رأى مختصون في الشأن الأمريكي أن اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لا يحمل في جوهره أي تحوّل حقيقي في مسار الحرب على قطاع غزة، بل يأتي ضمن سياق إعادة هندسة العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية بما يخدم مصالح الطرفين، ويمنح نتنياهو مساحة زمنية وسياسية لإدارة أزماته الداخلية والإقليمية.
وأكد المختص بالشأن الأمريكي محمد القاسم، في حديثه لبرنامج الرقيب مع طلعت علوي، أن الحديث المتداول عن خلافات جوهرية بين ترامب ونتنياهو لا يعدو كونه «خلط أوراق ولعبة شد حبال إعلامية»، مشيراً إلى أن الوقائع على الأرض تثبت وجود انسجام كامل بين الجانبين، منذ قمة شرم الشيخ قبل نحو 73 يوماً، والتي أدخلت الفلسطينيين – سياسياً على الأقل – في حالة من السكون الخطير.
وأوضح القاسم أن ما يُسوَّق كاتفاق تهدئة في غزة لم يكن في حقيقته سوى إعادة تدوير للحرب، لافتاً إلى أن الاحتلال خرق الاتفاق ما بين 650 إلى 700 مرة خلال 73 يوماً، ما أسفر عن استشهاد نحو 400 فلسطيني، في ظل صمت أمريكي واضح، إذ لم يذكر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إسرائيل ولو مرة واحدة كطرف منتهك للاتفاق.
وأشار إلى أن السيناريو الحالي يخدم نتنياهو بشكل كبير، لأنه يسمح له بإبقاء مستوى توتر منخفض نسبياً، دون الوصول إلى حالة هدوء شامل، بما يتيح له إدارة ملفات داخلية شائكة، أبرزها محاكمته، والاستعداد للانتخابات القادمة، إلى جانب إبقاء الملفات الإقليمية مشتعلة، مؤكداً أن إسرائيل لا تريد استقراراً حقيقياً في المنطقة.
وفي هذا السياق، لفت القاسم إلى أن نتنياهو يستثمر اللقاء مع ترامب لفتح ملف إيران، وليس غزة، في محاولة لإقناع الإدارة الأمريكية بضرورة توجيه ضربة عسكرية جديدة، مستشهداً بتقارير أمريكية تحدثت عن سعي نتنياهو لإعادة تحفيز شهية ترامب نحو مواجهة إقليمية أوسع.
وحذّر القاسم من خطورة الطرح الأمريكي المتماهي مع الرؤية الإسرائيلية بشأن ما يسمى «المرحلة الثانية» من التهدئة، والتي يجري الحديث عن امتدادها لسنتين أو ثلاث سنوات، معتبراً أن ذلك يشكل «بساطاً أحمر» أمام نتنياهو للاستمرار في سياساته دون أي التزامات حقيقية، سواء بالانسحاب من غزة أو إعادة إعمارها.
وأضاف أن مشاريع إعادة الإعمار المطروحة، والتي تتحدث عن أبراج و«منتجعات سياحية» في غزة، تكشف عن تعامل مع القطاع بوصفه «عقاراً تجارياً» وليس منطقة منكوبة، مشيراً إلى دور جاريد كوشنر وأطراف إقليمية ودولية في تسويق هذه الرؤية، بالتوازي مع تجاهل كامل لحقوق الفلسطينيين واحتياجاتهم الإنسانية.
وانتقد القاسم ما وصفه بـ«الفشل الدبلوماسي الفلسطيني» وتراجع الضغط الدولي على الاحتلال، مقابل مكافأة إسرائيل سياسياً وعسكرياً، رغم استمرار الحرب، مؤكداً أن اتفاق شرم الشيخ أسهم في إنقاذ إسرائيل من عزلة دولية متصاعدة، ومنحها فرصة لإعادة ترتيب صورتها أمام الرأي العام العالمي.
وفي ختام حديثه، شدد القاسم على أن أخطر ما يجري اليوم هو إعادة تخدير الرأي العام العالمي، عبر إنهاكه وتوجيه اهتمامه إلى أزمات دولية أخرى، إلى جانب سن قوانين وإجراءات في دول غربية لقمع الحراك الداعم لفلسطين، معتبراً أن هذا المسار يمثل جزءاً من هندسة جديدة للرأي العام تخدم استمرار العدوان على غزة، وتفرض تحديات كبيرة على القضية الفلسطينية في المرحلة المقبلة.



