د. طارق عاشور
عندما تعود العلاقة بين سلتين ماليتين إلى مستويات هيكلية لم تشهدها منذ عشرات السنين، فإن الأسواق لا تكون مجرد متقلبة، بل تكون على موعد مع إعادة تشكيل جذرية.
هذا ما يخبرنا به الرسم البياني المرفق والذي يمتد لمئة عام، ويتم تداوله في غرف اجتماعات صناديق الاستثمار السيادية وشركات إدارة الأصول الكبرى.
فالرسم البياني لنسبة مؤشر السلع GSCI إلى مؤشر الأسهم الأمريكية S&P 500 يلامس حالياً 11% فقط، وهو مستوى أقل بكثير من متوسطه طويل الأجل البالغ نحو 25%، ويعود إلى ما يشبهه بفترة أواخر التسعينيات. في التاريخ المالي، نادراً ما تخدع هذه الإشارات، فانضغاط كهذا كان نذيراً لمراحل تاريخية، كما حدث قبل انطلاق الموجة الصاعدة للسلع بين عامي 2000 و2008، أو في فترات سابقة كالتي تلت تحرير سعر الذهب في السبعينيات.
ما يجعل هذه النافذة فريدة ليس مجرد بيانات تاريخية، بل هو الاجتماع غير المسبوق لعوامل من ندرة المعروض، وتضارب جيوسياسي، وسياسات نقدية تجاوزت حدود المنطق التقليدي. فوفقاً لبيانات صادرة عن معهد التمويل الدولي، فقد استمرت البنوك المركزية حول العالم في شراء الذهب للشهر الرابع والعشرين على التوالي، متجاهلة الأسعار المرتفعة التي تتجاوز 4,700 دولار للأونصة، ومستمرة في سياسة تنويع الاحتياطيات بعيداً عن هيمنة الدولار. وبعيداً عن المعادن الثمينة، يكشف تحليل أجرته “إس آند بي غلوبال” أن الاستثمار في قطاع المناجم عانى من تراكمي بلغ أكثر من 40% في الإنفاق الرأسمالي خلال العقد الماضي، مما تسبب في جفاف حاد في تدفق المعروض من النحاس والمعادن الحيوية، في الوقت الذي تتسابق فيه حكومات العالم لتأمين احتياجات بنيتها التحتية الرقمية وعربات الطاقة الكهربائية.
بالتزامن مع هذه المتغيرات المادية، هزت صدمتان شاملتان أسس نظرية المحفظة الحديثة. ففي اذار 2026، ومع امتداد الأزمة الجيوسياسية في الشرق الأوسط والحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران، أصدرت وكالة “فيتش” تحليل يظهر انهيار العلاقة السلبية التقليدية بين الأسهم والسندات، حيث تحركت الأصول الثابتة لتصبح انعكاس للضغوط التضخمية لا ملاذ منها.
تبع ذلك رد فعل أكبر مدير أصول في العالم، بلاك روك. فوفق تحليل نشر في نهاية ايار 2026، أشار كبير مسؤولي الاستثمار في الدخل الثابت بالشركة، ريك ريدر، إلى أنهم يقومون بما اطلق عليه ب التحول الجذري رقم 3 خلال 50 عام، وهم يتخلون بشكل منهجي عن السندات الطويلة الأجل ويتجهون بقوة إلى الأصول الحقيقية، محذراً من أن العلاقة التقليدية التي يعتمد عليها المستثمرون في حماية محافظهم قد تعطلت للأبد. ولا يقف بلاك روك وحده في هذا المضمار، بل تؤكد بيانات بنك أوف أميركا أن الإستراتيجية المتنوعة (أسهم، سندات، سلع، ونقد) حققت أفضل أداء لها منذ العام 1933، وهو ما عبر عنه كبير الاستراتيجيين مايكل هارتنت بأن المال ينمو فعلاً على الحاءات (حماية تحوطية وحروب وسلع).
على صعيد التوقعات المباشرة، لا تزال الأرقام تدعم هذا السيناريو. يقدر بنك جي بي مورغان أن الطلب المشترك من المستثمرين والبنوك المركزية سيظل عند مستويات قياسية تبلغ نحو 585 طناً لكل ربع سنة، متوقعاً أن تصل أسعار الذهب إلى 5400 دولار للأونصة بحلول نهاية 2027. كما رفعت غولدمان ساكس تقديراتها للذهب والفضة بنسبة تصل إلى 16%، مشيرة إلى أن مرحلة التحوط المؤسسي قد تحولت بشكل لا رجعة فيه نحو الأصول الملموسة. أما ديلويت، فقد أجرت استبيان لكبار مديري الأصول البديلة، حيث كشفت أن 75% من المشاركين يعتزمون زيادة استثماراتهم في الأصول العقارية والبنية التحتية خلال الـ 12 إلى 18 شهر القادمة، مستشهدين بفجوة استثمارية سنوية ضخمة تصل إلى 1.3 تريليون دولار في قطاعات الطاقة والإسكان الحديثة، والتي لا تستطيع الميزانيات الحكومية سدها بمفردها.
إن إدراك هذه التحولات ليس ترف فكري، بل هو حجر الزاوية لحماية ما تبقى من القوة الشرائية للمدخرات. فمع اقتراب التضخم من مستويات تعادل 3.3%، وارتفاع أسعار النفط لتتجاوز 105 دولارات للبرميل وتضرر سلاسل التوريد في ممر هرمز الذي تشير التقارير إلى انخفاض العبور فيه بأكثر من 95%، فإن الأصول المالية الورقية بمفردها لم تعد قادرة على تحمل هذه العاصفة.
الاقتصادي الذكي لا يتنبأ بالعاصفة، بل يبني سفينة قادرة على اجتيازها. وفي هذا الموج العاتي من حالة عدم اليقين، يبقى الرهان على ما هو ملموس وحيوي: البنية التحتية، الطاقة، المعادن، والأراضي. هذه الأصول لا تتأرجح بمقدار ثقة المستثمر، بل بقيمة حاجته لها، وهي القيمة التي نادراً ما تنهار.




