د. طارق عاشور
نشاهد منذ فترة ظاهرة أصبحت مرضا مزمنا في الجسد الاقتصادي الفلسطيني، ولا مبالغة في وصفها بأنها وباء. تناولها الإعلامي القدير طلعت علوي في حلقة 20 أيار من برنامج “حديث الرقيب” على إذاعة الرقيب، حين قال ما فكر به كثيرون لكنهم لم يجرؤوا على البوح به: “صرح مصدر مسؤول ‘ما في رواتب’ – خزعبلات إعلان موعد الرواتب.. يكفي!”. كان علوي ساخرا لكنه مصيب حتى النخاع.
لم يعد الأمر مقتصرا على صحفيين غير مختصين، ولا على وجوه إعلامية تبحث عن سبق صحفي. تعدى ذلك إلى أناس لا علاقة لهم بالاقتصاد ولا بالإعلام، اذكر من بينهم طبيبة أسنان تحولت بين ليلة وضحاها إلى مصدر موثوق للأخبار المالية من وزارة المالية. هذا ليس هزلا، هذا واقعنا البائس. وفي كل مرة نسمع فيها “صرح مصدر مسؤول” دون أن يذكر اسمه أو صفته الرسمية داخل المؤسسة، نعرف أننا أمام مشكلة أعمق مما نتخيل.
في الأدبيات الاقتصادية، وخاصة في نظرية الاستثمار في ظل عدم اليقين التي طورها بيرنانكي (1983) وبينديك (1990)، فإن ارتفاع حالة عدم اليقين يزيد من “خيار الانتظار” لدى المستثمرين. هذا يعني أن صاحب رأس المال يفضل تأجيل استثماره ريثما تتضح الصورة. وبالتالي، قرار الشراء يتعطل، خطط التوسع تتجمد، وحركة السوق تصاب بالشلل. المفوضية الأوروبية قدرت في أحد تحليلاتها أن عودة مستوى عدم اليقين إلى وضعه الطبيعي يمكن أن ترفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة لا تقل عن 1.2%. هذا رقم ضخم في اقتصاد هش مثل اقتصادنا.
الأرقام تتحدث عن نفسها. تقرير الأونكتاد الصادر في 2025 أظهر أن الناتج المحلي الإجمالي لفلسطين تراجع إلى 70% فقط من مستواه في 2022، ونصيب الفرد هوى إلى مستويات عام 2003. نعم، محيت 22 عاما من التقدم الاقتصادي في أقل من سنتين. في هذا الجو المشحون، يأتي كل تصريح غير رسمي ليضرب أي أمل في انتعاش اقتصادي. وليس هذا فقط، الخبير الاقتصادي الدكتور نصر عبد الكريم وصف المشهد بأنه “بعثرة وتناقضات”، وقال: “مع غياب المعلومة الرسمية بتصير الناس تنجم”، وتنهار الثقة حتى بالتصريحات الرسمية حين تصدر فعلا.
الاتحاد الأوروبي يضخ مئات الملايين لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة عبر البنوك المحلية، ويطالبنا باستمرار بـ”الإصلاح”. ونحن نردد أنه يريد فقط أن نصلح المناهج ورواتب الأسرى. ولكن لماذا لا نبادر ونعمل على جوهر إصلاح حقيقي يبدأ من شيء أبسط: أن يقوم كل هيكل وظيفي حكومي بالمهام المكلف بها حسب الوصف الوظيفي الخاص به. وزير المالية عليه أن يتحمل مسؤولية أن لا يتحدث باسم الوزارة أحد إلا الناطق الرسمي المخول. دوائر الإعلام والعلاقات العامة لم توضع في الوزارات لمجرد تزيين الصفحات، بل لتحمي الاقتصاد من فوضى التصريحات المتضاربة. استمرار هذه الفوضى يعني استمرار تراجع الإنتاجية، وتجميد الاستثمار وتزايد عدم اليقين، وتآكل ثقة المانحين. وكل يوم نسمع فيه “صرح مصدر مسؤول” دون أن يعرف أحد هويته، هو يوم نبتعد فيه خطوة إضافية عن أي أمل في اقتصاد مستقر. الخيار ليس بين الإصلاح والفوضى، لأن استمرار الفوضى يعني انهيار أي فرصة للنهوض.
شكراً لإعلامينا القدير طلعت على قرع الخزان.




