رام الله – خاص الرقيب
أكد المدير العام لشركة البركة للتأمين عبدالحكيم قاسم أن التأمين الزراعي لم يعد ترفًا اقتصاديًا، بل أداة استراتيجية لحماية القطاع الزراعي الفلسطيني وتعزيز صمود المزارعين في ظل تصاعد المخاطر السياسية والبيئية والاقتصادية، مشددًا على أن هذا الملف يتطلب شراكة وطنية شاملة تتجاوز دور الشركات الخاصة.
جاء ذلك خلال مقابلة مطوّلة في برنامج «حديث الرقيب» عبر إذاعة الموج 101.9، حيث ناقش قاسم واقع التأمين الزراعي في فلسطين بعد انطلاقه الفعلي عام 2023، في مرحلة وصفها بـ«الاستثنائية» نتيجة العدوان على غزة وتداعياته الواسعة على الاقتصاد الفلسطيني.
قطاع مهمّش ومخاطر متصاعدة
وأشار قاسم إلى أن القطاع الزراعي، رغم كونه أساس الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي، لا يحظى بالاهتمام الكافي على مستوى السياسات العامة، لافتًا إلى أن حصة وزارة الزراعة في الموازنة الفلسطينية تقل عن 1%، في وقت تتعرض فيه الأراضي الزراعية لاعتداءات يومية ومصادرة متسارعة، خصوصًا في الأغوار وشمال الضفة الغربية.
وأوضح أن المخاطر العالية التي يواجهها المزارع الفلسطيني – من أمراض وأوبئة وصقيع وشح مياه واعتداءات الاحتلال – جعلت من التأمين الزراعي ضرورة ملحّة، وليس مجرد منتج تأميني تقليدي.
اختراقات نوعية رغم الظروف
وبيّن قاسم أن شركة البركة كانت من أوائل الشركات التي بادرت بإطلاق التأمين الزراعي في فلسطين بعد إجراء دراسات فنية معمقة، مؤكدًا نجاح الشركة في توطين الخبرة محليًا عبر كوادر فلسطينية متخصصة، وربط السوق الفلسطيني بسوق إعادة التأمين العالمي من خلال اتفاقية مع واحدة من أكبر شركات إعادة التأمين في العالم.
وأضاف أن الشركة وفرت تغطيات غير مسبوقة شملت تأمين الدواجن ضد الأمراض الوبائية، وتأمين العنب ضد نقص الإنتاج الناتج عن العوامل البيئية، مستعرضًا حالات تعويض فعلية وصلت إلى عشرات آلاف الشواكل لمزارعين صغار، ما شكّل تحولًا نوعيًا في مفهوم التأمين الزراعي.
معطيات متواضعة واستثمار طويل الأجل
واعترف قاسم بأن أقساط التأمين الزراعي ما زالت محدودة، في مقابل استثمارات عالية، معتبرًا ذلك استثمارًا طويل الأجل يشبه الاستثمار في الزراعة نفسها، التي تحتاج سنوات قبل تحقيق عائد اقتصادي.
وأكد قاسم أن أحد أهم إنجازات التأمين الزراعي تمثّل في ربطه بمؤسسات الإقراض، ما خفّض مخاطر التمويل وشجّع البنوك ومؤسسات التمويل على الدخول مجددًا إلى القطاع الزراعي، الأمر الذي ساهم في توسيع قاعدة الإنتاج وتحفيز الاستثمار الزراعي.
مشروع تجريبي بدعم أوروبي
وكشف عن إطلاق مشروع تجريبي بالتعاون مع وزارة الزراعة والاتحاد الأوروبي عبر مؤسسة «أوكسفام»، يستهدف نحو 1200 مزارع في البيوت البلاستيكية والدواجن والعنب في مختلف محافظات الضفة الغربية، مع آلية تمويل تشاركية تغطي جزءًا كبيرًا من أقساط التأمين، مخصصة لصغار المزارعين.
دعوة لمؤتمر وطني وتشريعات داعمة
وجّه قاسم دعوة صريحة لهيئة سوق رأس المال والجهات الرسمية لعقد مؤتمر وطني للتأمين الزراعي، يفضي إلى رؤية شاملة تتضمن تشريعات وسياسات وموازنات واضحة، محذرًا من أن غياب التأمين الزراعي عن مسودة قانون التأمين الجديد يشكّل خطرًا حقيقيًا على مستقبل القطاع.
وأكد أن حماية الأرض ومواجهة الاستيطان لا تكون بالشعارات، بل بتقديم مبادرات اقتصادية عملية تعزز بقاء المزارع في أرضه، معتبرًا أن التأمين الزراعي أحد أهم هذه الأدوات.
واختتم قاسم بالتأكيد على أن التأمين الزراعي ليس هدفًا بحد ذاته، بل أداة لربط التمويل بالإنتاج، وتحقيق استقرار الأسعار، وتحويل الزراعة الفلسطينية إلى قطاع منتج ومصدر، داعيًا الإعلام والمؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمانحين إلى شراكة حقيقية تضمن استدامة هذا الملف الحيوي.



