خاص – الرقيب
يتزايد القلق في الأوساط الاقتصادية والزراعية الفلسطينية من مستقبل الأمن الغذائي في ظل استمرار تراجع الأراضي الزراعية وتفاقم أزمة المياه وارتفاع الاعتماد على الاستيراد، وسط تحذيرات من أن القطاع الزراعي الفلسطيني يواجه تحديات قد تؤثر على قدرته في تلبية جزء متزايد من الاحتياجات الغذائية للسكان خلال السنوات المقبلة.
الأمن الغذائي في فلسطين لم يعد ملفاً زراعياً فحسب، بل تحول إلى قضية اقتصادية وسياسية ترتبط بشكل مباشر بمستقبل الاستقلال الاقتصادي الفلسطيني وقدرة المجتمع على الصمود في مواجهة الأزمات.
وتشير معطيات القطاع الزراعي إلى أن آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية أصبحت خارج دائرة الإنتاج نتيجة المصادرة أو القيود المفروضة على الوصول إليها، الأمر الذي انعكس على حجم الإنتاج المحلي وعلى قدرة المزارعين على الاستثمار والتوسع الزراعي.
ان أزمة المياه تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه المزارع الفلسطيني، حيث ترتفع تكاليف الري بشكل مستمر، بينما تتراجع قدرة المزارعين على استغلال الموارد المائية المتاحة لتوسيع الرقعة الزراعية أو تطوير الزراعات ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى زيادة الاعتماد على الواردات الغذائية، ما يعني استنزافاً إضافياً للاقتصاد الفلسطيني وارتفاعاً في حجم الأموال الخارجة من السوق المحلية، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى تعزيز الإنتاج الوطني وتقليص الاعتماد على الخارج.
ويظهر أثر هذه التحديات بشكل واضح في قطاع الزيتون الذي يعد من أهم القطاعات الزراعية الفلسطينية. وتنتج فلسطين في المواسم الطبيعية ما يقارب خمسة وعشرين ألف طن من زيت الزيتون سنوياً، بينما يستهلك السوق المحلي أكثر من اثني عشر ألف طن، ويتم الاحتفاظ بجزء من الفائض كمخزون استراتيجي أو توجيهه للتصدير.
ومع اقتراب موسم القطاف خلال شهر تشرين الأول المقبل، يواجه آلاف المزارعين مخاوف تتعلق بإمكانية الوصول إلى أراضيهم واستكمال عمليات الحصاد، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنات أو الواقعة ضمن المناطق المصنفة “ج”. ويؤكد مزارعون أن أي تراجع في الإنتاج أو صعوبة في الوصول إلى الحقول سينعكس مباشرة على دخول الأسر الريفية وعلى أسعار الزيت في السوق المحلية.
ولا يختلف الوضع كثيراً في قطاع التمور الذي يشكل أحد أهم قصص النجاح الزراعية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن إنتاج التمور الفلسطيني خلال موسم 2025 سيصل إلى نحو خمسة وعشرين ألفاً وثلاثمائة طن، معظمها من منطقة أريحا والأغوار، التي تعد من أكثر المناطق تأثراً بالتحديات المرتبطة بالأرض والمياه.
ويرى خبراء أن استمرار الضغوط على القطاع الزراعي ستكون له انعكاسات مباشرة على الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل، إذ يؤدي انخفاض الإنتاج المحلي إلى زيادة الأسعار وارتفاع كلفة المعيشة، ما يضع أعباء إضافية على الأسر الفلسطينية التي تواجه أصلاً ظروفاً اقتصادية صعبة.
ويشير مراقبون إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في التحديات الخارجية، بل أيضاً في غياب رؤية زراعية وطنية طويلة الأمد تضع الأمن الغذائي في صلب السياسات الاقتصادية. فمعظم التدخلات الحالية تركز على مشاريع قصيرة الأجل أو مبادرات متفرقة، بينما يحتاج القطاع الزراعي إلى خطة استراتيجية شاملة تربط بين إدارة الأراضي والمياه والاستثمار والإنتاج والتسويق.
ويؤكد مختصون أن تعزيز الأمن الغذائي الفلسطيني يتطلب حماية الأراضي الزراعية، وتوسيع الاستثمارات في مشاريع المياه والري، ودعم المزارعين، وتشجيع الصناعات الغذائية المحلية، إضافة إلى بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية لمواجهة الأزمات المستقبلية.
وفي ظل التحديات الراهنة، يبقى السؤال المطروح: هل تستطيع فلسطين تحويل قطاعها الزراعي إلى رافعة للاقتصاد الوطني وأداة لتعزيز الصمود والاستقلال الاقتصادي، أم أن استمرار الضغوط على الأرض والمياه سيؤدي إلى مزيد من التراجع في قدرة الفلسطينيين على إنتاج غذائهم وتأمين احتياجاتهم الأساسية؟




