د. طارق عاشور
حين تنطلق صافرة البداية غدا مساءا على عشب استاد الأزتيك في مكسيكو سيتي، فإن ما يتحرك ليس مجرد كرة بين ستة وأربعين منتخب موزعين على ثلاث دول وست عشرة مدينة، بل هي صناعة كاملة تحرك مليارات لا تظهر في النتيجة المعلقة على الشاشة. فالرياضة لم تعد ترف على هامش الاقتصاد، بل قطاع قائم بذاته يقدر الاقتصاديون حجمه العالمي بنحو خمسمئة مليار دولار في عام 2025، في طريقه إلى ما يقارب 654 مليار دولار بحلول 2030 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 85% .
وهذا الرقم ليس فريد، فإلى جانبه تتمدد سياحة رياضية قاربت 804 مليارات دولار في العام نفسه ومرشحة لتتجاوز تريليونين وسبعمئة مليار بحلول 2033 ، اضافة الى سوق رهان رياضي يقاس بعشرات المليارات سنويا، ونواد تتداول كأصول مالية حتى صار بعضها يقيم بأكثر من ستة مليارات دولار للنادي الواحد.
لذا فان تحت البريق اللامع لكرة القدم تكمن آلية تمويل دقيقة، فالاتحاد الدولي لكرة القدم لا يعيش من بيع التذاكر كما يظن اغلبنا، بل من بيع حق رؤية المباراة قبل أي شيء آخر. ففي دورته المالية الحالية الممتدة من2023 إلى2026 رفع الفيفا توقعاته مرتين حتى بلغت ثلاثة عشر مليار دولار، بزيادة تقارب 72% عن مونديال قطر ، ويأتي من المونديال وحده نحو ثمانية مليارات وتسعمئة مليون دولار من هذا المجموع.
أما من أين تتأتى هذه العوائد فالجواب رقمي صارم: حقوق البث التلفزيوني تتصدر بأربعة مليارات ومئتين وأربعة وستين مليون دولار وذلك حسب ما تحدث به الارقام المنشورة من الفيفا، تليها حقوق التسويق والرعاية بنحو ملياري دولار وستمئة وثلاثة وتسعين مليون، ثم حقوق الترخيص بقرابة 669 مليون ، فيما تضيف التذاكر والضيافة ما يناهز ثلاثة مليارات في عام البطولة. أي أن الشاشة، لا المدرج، هي البئر الحقيقية التي يرتوي منها الاتحاد الدولي.
في المقابل تبدو حصة الدول المضيفة أقل بريقا مما تروج له الأرقام الكبرى. صحيح أن دراسة مشتركة بين الفيفا ومنظمة التجارة العالمية تتوقع إسهاما عالميا في الناتج يقارب أربعين مليارا وتسعمئة مليون دولار وزهاء 824 ألف وظيفة عبر الدول الثلاث، وأن الولايات المتحدة وحدها مرشحة لدفعة في ناتجها بسبعة عشر مليار ومئتي مليون دولار و185 ألف وظيفة ، لكن قراءة المختصين أكثر تحفظا. فبيت الخبرة أوكسفورد إيكونوميكس يصف الأثر بأنه هامشي وقصير الأجل ومحصور في قطاعي الترفيه والضيافة، حيث لم يتم تشيد بنية تحتية جديدة تقريبا، وكثير من النشاط السياحي لن يخلق طلب إضافي بل سيزيح سياحة قائمة. ويضاف إلى ذلك درس تاريخي قاس، إذ يشير بحث لباحثة من جامعة أكسفورد إلى أن كلف الفعاليات الرياضية الكبرى تتجاوز ميزانياتها المقدرة بمتوسط 172 %. فالمضيف غالبا ينفق ليبني صورة وهيبة، لا ليجمع عائد صافي.
السؤال الأهم الذي نادرا ما يطرح: من يمسك بثروة الفيفا ويستثمرها. فالاتحاد مسجل في زيوريخ كجمعية غير ربحية وفق القانون السويسري، ويراكم احتياطيات تجاوزت أربعة مليارات دولار نهاية 2022، وارتفعت إلى ما يقارب أربعة مليارات وسبعمئة وستين مليونا نهاية 2024، يحتفظ بمعظمها نقدا وأصولا مالية سائلة لا في مشاريع منتجة. وتمر هذه الأموال عبر سلسلة حوكمة محددة، إذ تعد الحسابات وتدقق ثم تقرها لجنة المالية فمجلس الفيفا وأخيرا الكونغرس العام (FIFA) ، بينما يتولى رئيس الاتحاد اقتراح الخطوط العريضة للاستراتيجية على المجلس. أي أن القرار المالي يتركز في يد دائرة ضيقة من المسؤولين المنتخبين، وهو ما يفسر لماذا ظل ملف الشفافية المالية للفيفا محل جدل دائم رغم تحسن الإفصاح بعد سنوات الفضائح.
ويعيد الفيفا جزءا من هذا الفائض إلى اللعبة عبر برنامج التطوير المعروف بفيفا فوروورد، الذي خصص له نحو مليارين ومئتين وخمسين مليون دولار في الدورة الحالية
موزعة على 211 اتحاد وطني وست كونفدراليات، مع جوائز مونديال قياسية بلغ مجموع جوائزها 655 مليون دولار، يحصل البطل منها على 50 مليون. غير أن هذا الكرم المحسوب يبقى استثمارا في استدامة المنتج نفسه، إذ كل دولار يوزع على اتحاد ناشئ يوسع قاعدة اللاعبين والمشاهدين الذين تباع لهم البطولة لاحقا.
تشير كل المؤشرات إلى أن اقتصاد الرياضة سيواصل صعوده بوتيرة تفوق نمو الاقتصاد العالمي ذاته، وأن دورة الفيفا المقبلة بين2027 -2030 قد تلامس 14 مليار دولار أو تتجاوزها مدفوعة بتوسع البطولات وبأسواق بث جديدة تتنافس عليها منصات الرقمنة. لكن الرابح الأكبر سيظل من يملك الحق، لا من يملك الملعب، وستبقى الدول المضيفة تشتري الهيبة بأموالها بينما يجني صاحب البطولة العائد المستقر. وهنا وبعيدا عن صخب المدرجات فإن المونديال الذي ينطلق غدا ليس حدثا رياضيا تتخلله أموال، بل عملية مالية كبرى يتخللها لعب.




