اعداد ناهض الرفاتي
مقدمة:
في لحظة مشبعة برائحة البارود، وبعد أن خفتت أصوات القصف في غزة، وقّعت إسرائيل ومصر صفقة غاز هي الأضخم في تاريخهما، بقيمة 35 مليار دولار. لم يكن التوقيع مجرد إجراء اقتصادي، بل إعلانًا صامتًا عن تحولات أعمق تُعيد رسم خرائط النفوذ، وتُعيد تعريف العلاقة بين القاهرة وتل أبيب، وتضع غزة — مرة أخرى — في قلب معادلة لا تملك مفاتيحها
أولًا: تعريف الاتفاقية
– الصفقة: تصدير 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من حقل “لوثيان” الإسرائيلي إلى مصر.
– القيمة: 112 مليار شيكل (نحو 35 مليار دولار)، منها 58 مليار شيكل (18 مليار دولار) ستدخل خزينة إسرائيل.
– الأطراف: شركة شيفرون الأمريكية (39.66%)، نيو ميد إنرجي (45.33%)، راتسيو (15%)، بالتعاون مع وزارة الطاقة الإسرائيلية.
– الوجهة: مصر، لاستهلاك محلي وإعادة تصدير الغاز المسال إلى أوروبا عبر محطتي دمياط وإدكو
ثانيًا: دلالة التوقيت
– الصفقة جاءت بعد وقف إطلاق النار في غزة، الذي لم يكن سلامًا بل هدنة مؤقتة على جثث آلاف الشهداء.
– معبر رفح مغلق، والجيش الإسرائيلي يتمركز على حدود غزة مع مصر، في مشهد يُعيد إلى الأذهان سيناريوهات 1956 و1967، لكن بأدوات جديدة.
– الغاز الفلسطيني في غزة ما زال تحت الحصار، رغم أنه أقرب إلى مصر من حقل ليفياثان، لكنه أبعد عن القرار.
ثالثًا: المصالح الاقتصادية للطرفين
إسرائيل:
– تعزيز مكانتها كمصدر طاقة إقليمي.
– دعم ميزانيتها بـ18 مليار دولار.
– تقوية تحالفها مع مصر والولايات المتحدة.
– تقليص اعتماد أوروبا على الغاز الروسي.
مصر:
– تأمين إمدادات الغاز بأسعار تفضيلية.
– تشغيل محطات الإسالة بكامل طاقتها.
– تعزيز دورها كمركز إقليمي للطاقة.
– استعادة الثقة الدولية بعد تراجع إيرادات قناة السويس بنسبة 45% بسبب الحرب.
رابعًا: المنافع الأوروبية
– أوروبا المستفيدة الكبرى من الصفقة، إذ ستتلقى الغاز المسال عبر مصر، في ظل سعيها لفك الارتباط مع الغاز الروسي.
– شيفرون الأمريكية تضمن نفوذًا طويل الأمد في شرق المتوسط، ما يعزز الهيمنة الغربية على مصادر الطاقة في المنطقة.
خامسًا: غزة وحدودها خارج المعادلة
– لا تمر أنابيب الغاز عبر غزة أو حدودها. خط “نيتسانا” يربط جنوب إسرائيل مباشرة بمصر، متجاوزًا غزة جغرافيًا وسياسيًا.
– غزة، رغم امتلاكها حقل “غزة مارين”، لا تُعتبر جزءًا من أي مسار طاقوي حالي، ما يعكس نية إسرائيل في عزلها عن مشاريع الطاقة الإقليمية
سادسًا: السلطة الفلسطينية… الغائب الحاضر
– لم تُستشر، لم تُدعَ، لم تُوقّع.
– لا تملك السلطة سيطرة فعلية على غزة أو مياهها الإقليمية، ما يُضعف موقفها التفاوضي.
– صمتها يُفسَّر بالضعف السياسي، وحسابات العلاقة مع مصر وإسرائيل، وغياب استراتيجية وطنية للطاقة.
*سابعًا: ماذا بعد الاتفاقية؟
1. تثبيت محور الغاز الإقليمي: إسرائيل–مصر–أوروبا، مع تهميش غزة.
2. تسليع غزة: تحويلها إلى ممر طاقة مشروط بنزع سلاح المقاومة.
3. تآكل دور السلطة: استمرار تغييبها عن الملفات السيادية.
4. تسارع التطبيع مقابل الطاقة: انضمام دول عربية جديدة إلى محور الغاز.
5. تحديات داخلية في مصر: صمت شعبي مشوب بالغضب، مقابل مكاسب اقتصادية.
ثامنًا: أسئلة للنخبة الفلسطينية
– كيف يمكن فرض شراكة فلسطينية في مشاريع الغاز الإقليمي؟
– ما هي الآليات القانونية والدبلوماسية لحماية حقوق غزة في الغاز؟
– هل يمكن تحويل الغاز إلى أداة مقاومة اقتصادية بدلًا من أن يكون أداة ابتزاز؟
– كيف نُعيد تعريف العلاقة مع مصر في ظل هذه التحولات؟
– هل نحن أمام سايكس–بيكو جديدة، ولكن بأنابيب الغاز بدلًا من الخرائط؟
“إن الغاز في شرق المتوسط ليس ثروة فقط، بل اختبار للوعي. من يملك الغاز لا يملك بالضرورة القرار، ومن يملك القرار قد لا يملك السيادة. وما بين الغاز والدم، هناك شعب يُحاصر، وأمة تُساوم، وخريطة تُرسم بأنابيب لا بأقلام.”




