د. طارق عاشور
لم يتبدل وجه السوق كثيرا منذ هبوط الجمعة الماضية، المؤشرات ما زالت معلقة قرب قممها، والدولار ثابت فوق تسع وتسعين نقطة، والذهب لم يسترد بريقه بعد نزوله دون أربعة آلاف وأربعمئة دولار. كل ما توقعه المنطق الاقتصادي تحقق في صورته الأولى: فائدة أعلى تدوم أطول، ودولار يقوى، وذهب يفقد صفة الملاذ. غير أن الخطر الحقيقي لا يسكن في هذا السطح الساكن، بل فيما يجري تحته بعيدا عن عين القارئ العادي، فالهدوء نفسه هو السراب الذي يخدع، إذ يوحي بالأمان بينما تتحرك تحته صفائح زلزالية لا ترى.
أول هذه الصفائح سوق السندات الأميركية. فالعائد على سند العشر سنوات لا يرتفع لأن النمو قوي، بل لأن المستثمر صار يطلب ثمنا أعلى مقابل إقراض حكومة يتضخم دينها وعجزها، وهو ما نطلق عليه علاوة الأجل. وحين يخرج مزاد سندات بطلب فاتر تصل الرسالة بهدوء: كلفة المال تعيد ترتيب نفسها من جذورها. واللافت أن مؤشر تقلب السندات يصعد بهدوء بينما يغفو مؤشر الخوف في سوق الأسهم، وهذا التباين بين سوقين يقرأ أحدهما خطرا لا يراه الآخر هو من أوضح علامات السراب.
أما الصفيحة الأعمق فهي تجارة المناقلة بالين الياباني، تلك التي يقترض فيها كبار المضاربين بعملة شبه مجانية ليشتروا أصولا عالية العائد في العالم كله. ومتى لمح بنك اليابان إلى رفع فائدته، أو ارتد الين صعودا فجأة، انقلبت المعادلة وتحول البيع المتسلسل إلى موجة تصفية عابرة للحدود تضرب أسواقا لا علاقة لها بطوكيو. هذه رافعة ضخمة لا تظهر في أي مؤشر معلن، وقد سبق أن هزت الأسواق في الصيف الماضي حين تحرك الين نقاطا قليلة فأطاح بمكاسب شهور في أيام.
وإلى جانبها يتسع صدع أهدأ في سوق الائتمان. فبينما تصمد الأسهم تتسع فروق الائتمان في سندات الشركات الأضعف، ويبدأ الائتمان الخاص، ذلك القطاع الذي تضخم بعيدا عن أعين الرقابة، يكشف عن قروض متعثرة وتقييمات منفوخة. وحين تختلف إشارة سوق الديون عن إشارة سوق الأسهم فالتاريخ يقول إن سوق الديون هو الأصدق في الغالب.
وهنا يلتقي ما طرحناه في المقال السابق( السراب في اسواق المال) بما يجري اليوم. فالشراء الإجباري لسهم سبيس إكس الذي ينتظر أواخر حزيران لن يقع في فراغ، بل في توقيت دقيق تتقاطع فيه ثلاثة ضغوط: دخول الصناديق مجبرة على شرائه، وحلول نافذة حظر إعادة الشراء التي تمتنع فيها الشركات عن دعم أسهمها قبيل نتائج الربع، وضحالة سيولة الصيف المعتادة. وحين يغيب المشتري الكبير من جهة وتكبل اليد الداعمة من جهة أخرى يتكون ما يسميه المتداولون جيب الهواء، أي فراغ سعري تهبط فيه الأسعار بسرعة لا لأن خبرا سيئا وقع، بل لأن من يشتري غاب في لحظة الحاجة إليه.
ويبقى النفط الورقة التي تربك كل حساب. فما دام مضيق هرمز متوترا فإن أي شرارة جديدة ترفع البرميل وتعيد إشعال التضخم، فتقيد يد كيفن وارش قبل أن يجلس على طاولته الأولى، وتنقل الأثر سريعا إلى عملات الدول المعتمدة على الطاقة والأسواق الناشئة، وهي الأضعف حصانة والأسرع تضررا حين يقوى الدولار وتشح السيولة معا.
والخلاصة أن شيئا لم ينكسر بعد، لكن أسباب الكسر تتراكم في الظل لا في الضوء. ولم يحن موعد الحكم الكامل على التوقعات، فالمواعيد الثلاثة ما زالت قائمة: قرار وارش في منتصف الشهر، ومصير النفط في هرمز، ورقم التضخم القادم. غير أن الدرس الأهم أن الهزة حين تأتي لن تخرج من تاريخ يخشاه الناس، بل من رافعة صامتة لا يرونها، ومن سيولة تغيب في اللحظة التي يظنون فيها أن البحر هادئ. فالسراب لا يكمن فيما يرى، بل فيما يخفى.




