خاص الرقيب – دانية عبد الفتاح
في ظلّ معاناة قطاع غزة المستمرة نتيجة الأزمات المالية والحصار الاقتصادي وتدهور المؤسسات الإعلامية، أثارت منحة وسائل الإعلام المقدمة من الاتحاد الدولي للصحفيين بالتعاون مع نقابة الصحفيين الفلسطينيين موجة استياء واسعة في الأوساط الصحفية. المنحة التي اعتبرها العديد “سيئة الصيت والتطبيق”، وُصفت بأنها افتقدت للعدالة والمعايير المهنية في توزيعها، مع شبه إقصاء لقطاع غزة الذي لم يحصل سوى على نصيب ضئيل للغاية شمل فقط ست مؤسسات إعلامية.
ورغم الاحتياجات المُلّحة للمؤسسات الصحفية الغزية، التي اضطرت في الآونة الأخيرة إلى تسريح عدد من العاملين بسبب الظروف الاقتصادية، جاء الإعلان عن المنحة بمثابة “صفعة” على جبين الصحفيين هناك، حسب ما وصفه الزملاء. الانتقادات تمحورت حول غياب الشفافية والمعايير الواضحة، وتجاهل الأولويات الوطنية التي تضع غزة في الصدارة كأكثر المناطق احتياجًا للدعم.
في حلقة خاصة من برنامج “في حديث الرقيب” استضافت إذاعة الرقيب الإعلامية كلاً من الزميل الصحفي فتحي صباح، والإعلامية مارلين أبو عون، والكاتب الصحفي ماجد هديب جميعهم من قطاع غزة. تناولت الحلقة قضية غياب العدالة والشفافية في توزيع منحة وسائل الإعلام المقدمة من الاتحاد الدولي للصحفيين، مسلطةً الضوء على أبعاد الأزمة وتأثيرها على المؤسسات الإعلامية، لا سيما في قطاع غزة الذي يعاني أزمات متفاقمة.
الزميل الصحفي فتحي صباح بدأ حديثه بحسرة واضحة على حال الإعلام الفلسطيني في ظل الكارثة المستمرة التي يعيشها قطاع غزة، مؤكدًا أن الإعلام هناك يواجه نكبة أخرى تضاف إلى النكبة التاريخية. ، قائلاً “نحن في غزة نعيش كارثة ممتدة منذ أربعة عشر شهرًا، والقدس تهوّد، والضفة تحاصر، وكل منطقة تعاني من مصيبة خاصة في إطار المأساة الفلسطينية الكبرى”، يقول فتحي بغصة مضيفًا أن قطاع غزة أصبح نموذجًا للمجاعة والحصار الذي يطال كل شيء، من المواد الغذائية الأساسية إلى أبسط مقومات الحياة.
وأشار فتحي إلى أن إعلان منحة الاتحاد الدولي للصحفيين كان يحمل آمالًا، ولكن سرعان ما تحولت هذه الآمال إلى خيبة كبيرة، حين خصصت المنحة لعدد محدود جدًا من المؤسسات الإعلامية في غزة، متجاهلة التوزيع المنصف والاحتياجات الحقيقية. واستنكر قائلاً “ماذا تفعل ست مؤسسات في قطاع يعاني مئة وستة وستين شهيدًا إعلاميًا، وعددًا لا يُحصى من الجرحى والمشردين؟”.
أكدت الصحفية مارلين أبو عون في حديثها لإذاعة الرقيب، أن الظروف القاسية التي يواجهها الصحفيون في غزة تفرض ضرورة الانتقال من الأقوال إلى الأفعال ووضع خطط عملية لدعمهم بشكل عاجل وفعّال. وشددت على أن الأولوية الآن تكمن في الإجابة عن سؤال “ماذا بعد؟”، من خلال تنفيذ خطوات طارئة تستجيب للاحتياجات الفعلية للصحفيين الذين يواجهون الموت يوميًا تحت القصف، بعيدًا عن الحلول الشكلية واللوجستية.
وأوضحت مارلين أن هذا الدعم لن يتحقق إلا عبر ترتيب الأولويات وتنفيذ إجراءات واضحة، تعكس التضامن الحقيقي مع الصحفيين الذين يواصلون نقل الحقيقة وسط أصعب الظروف. ولفتت إلى غياب العدالة والشفافية في التعامل مع هذه الأزمات، مؤكدة أن المؤسسات المعنية، مثل نقابة الصحفيين الفلسطينيين ووزارة الإعلام، غائبة تمامًا عن المشهد، وهو واقع لا يختلف كثيرًا بين غزة والضفة الغربية.
على الصعيد الإنساني، وصفت مارلين الوضع في غزة بأنه كارثي بكل المقاييس، مشيرة إلى أن الصحفي الفلسطيني لا يواجه فقط فقدان مؤسساته الإعلامية، بل يخسر كل شيء، من أسرته إلى مصدر رزقه. وانتقدت بشدة ما وصفته بالبيروقراطية غير المنطقية التي صاحبت منحة الاتحاد الدولي، متسائلة “كيف يُطلب من صحفي فقد هويته وبيته ومستنداته تحت القصف أن يقدم أوراقًا رسمية أو بيانات مالية؟”.
وأضافت بغضب “هذه المنحة كانت كمن يعطي عرجاء عصا لا تستطيع الوقوف عليها، فلا خطة ولا رؤية حقيقية لدعم من يعيشون الرعب والموت يوميًا”. وطالبت مارلين بتحرك حقيقي يُظهر الاعتذار العملي للصحفيين في غزة عن التقصير بحقهم، مع وضع آليات مستدامة تضمن دعمهم في المستقبل، والاستفادة من هذه التجربة المؤلمة لتجنب تكرار المعاناة في أزمات أخرى.
أما الكاتب والصحفي ماجد هديب وصف توزيع المنحة المالية المقدمة من الاتحاد الدولي للصحفيين بـ”السقوط الوطني والأخلاقي”، مؤكداً أن الطريقة التي تم بها توزيع المنحة كشفت عن غياب العدالة والشفافية، وأظهرت تهميشاً ممنهجاً لصحفيي غزة، الذين وصفهم بـ”الجنود المنسيين وسط معركة البقاء”.
وقال هديب “كيف يمكن للنقيب أن يغيب غزة ومؤسساتها الإعلامية عن أولويات المنحة، في وقت تتعرض فيه لحرب إبادة، ويفقد الصحفيون فيها عائلاتهم، مؤسساتهم، وحتى مصدر رزقهم الوحيد؟ هذا التجاهل ليس فقط ظلمًا بل هو جريمة أخلاقية ووطنية في ظل الظروف الكارثية التي يمر بها القطاع”.
وأشار هديب إلى أن عشرات المؤسسات الإعلامية في غزة دُمّرت بالكامل، ما أدى إلى تفاقم البطالة بين الصحفيين إلى مستويات غير مسبوقة. وأوضح أن دراسة أجريت قبل الحرب أظهرت أن 75% من الصحفيين في غزة يعانون من البطالة، متسائلاً “إذا كان هذا حالهم قبل الحرب، فما بالك الآن بعد تدمير مؤسساتهم؟”.
وأضاف هديب بغضب “المنحة وُزّعت على وسائل إعلام بعضها لا يحمل أي مضمون وطني أو إنساني، بل جهات دخيلة تنشر الإعلانات والأغاني الهابطة، في حين أن المؤسسات التي تحمل رسالة الوطن والحقيقة تُركت تواجه الموت والإبادة دون أي دعم”.
وطالب هديب بتشكيل لجنة مستقلة تضم مشرف الإعلام الرسمي ووزير الإعلام ونقابة الصحفيين للتحقيق في آليات توزيع المنحة وضمان أن تصل إلى مستحقيها الحقيقيين، مؤكداً أن الوقت حان لاتخاذ خطوات عملية لاستعادة ثقة الصحفيين في غزة، الذين يستحقون التضامن الفعلي بدلاً من الوعود الفارغة.




