على ضوء التطورات السياسية الأخيرة في كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، باتت الأعمال العدوانية والاستيطانية التوسعية الإسرائيلية موضوع نقاش عام مفتوح ورسمي، ولم يعد فقط خطط في الأدراج، بل أصبحت في مرحلة التنفيذ وتشكل خطراً محدقاً أمام المستقبل الاقتصادي والوطني الفلسطيني. من جهة ثانية، ليس معروفا ما ستكون عليه ملامح السياسة الأميركية للإدارة القادمة تجاه ليس فقط حرب الإبادة الدائرة والاحتلال الإسرائيلي المتجدد في قطاع غزة، بل تجاه مسألة الحل السلمي النهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبالذات مدى احتمال إحياء الإدارة الجديدة خطتها السابقة المعروفة بـ”صفقة القرن” وما تنطوي عليها من أبعاد اقتصادية ومكانية وسياسية جسيمة لفلسطين في حال تم طرحها مجدداً، بل ربما فرضها على جميع الأطراف ضمن توازنات إقليمية وعالمية جديدة.
في هذه اللحظة المليئة بالمخاطر وعدم اليقين، ارتأى معهد ماس العودة الى ما قام به من أبحاث حول الأبعاد الاقتصادية والسياسية للصفقة المذكورة ولخطة الضم الإسرائيلية القانونية التي تم رفضها فلسطينياً في ذاك الحين فتم تجميدهما منذ 2020. لكن لم يتوقف المشروع الاستعماري من خلق وقائع جديدة على الأرض وفي المؤسسات والقوانين التي يديرها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية ومدينة القدس الشرقية. تابع المعهد عن كثب تلك التطورات، خاصة من خلال عقد جلستي طاولة مستديرة نوقش فيهما ورقتين، الأولى في 02/2020 بعنوان “الرؤية الأمريكية الإسرائيلية لإنهاء القضية الفلسطينية: الأبعاد الاقتصادية والآثار المحتملة للتطبيق”، والثانية في 09/2020 تحت عنوان “مواجهة الآثار الاقتصادية للقرار الإسرائيلي بضم مناطق من الضفة الغربية المحتلة”.
ينشر هنا للمرة الأولى ملخص الاستنتاجات التي خرج بها المعهد في بداية العام 2020 من خلال حوار مع نخبة من الخبراء، تم تعميمها حين ذاك على صناع القرار لإسناد الاستجابة الفلسطينية في مواجهة هذه المخاطر ولتعزيز المناعة المجتمعية والاقتصادية أمام آثارها المحتملة.
في هذا الصدد أكد مدير عام المعهد السيد رجا الخالدي “نجد أن تلك الأوراق البحثية وما تبع من مداولات بين الخبراء بشأنها ما زالت دقيقة في قراءتها للموضوع وفي توصياتها، فهي توجز بشكل علمي ما قد يواجه قضية الشعب الفلسطيني ومصيره التنموي في المرحلة القادمة إذا لم تعدل الإدارة الأميركية من سياستها المعادية للحقوق الفلسطينية. سنتمكن من قياس مثل ذلك التصحيح إن تم، من خلال وقف فوري لحرب الإبادة الإسرائيلية ولاحتلالها لقطاع غزة، وهجمتها الاستيطانية المتسارعة والمتوسعة.”
تابع الخالدي مذكراً أنه “رغم عدم تحرك السلطات لتنفيذ التوصيات الواردة من خلال ماس حين ذاك بخصوص سبل مواجهة هذه التهديدات الوجودية، فإن اللحظة مواتية اليوم لإعادة النظر في ملفي “خطة الرفاه والسلام” الأميركية، وخطط الحكومة الإسرائيلية لمواصلة الضم الزاحف الفعلي. رغم كل ما حصل منذ عام 2020 من توسع استيطاني ثم حرب مدمرة ومهددة للوجود الفلسطيني على أرض فلسطين، ما زلنا نعتقد أنه من الممكن حشد الخبرات العلمية وطاقات المجتمعات المحلية وصناع السياسات الحكومية في التصدي والصمود الاجتماعي والاقتصادي لهذه التحديات الجديدة القديمة”.
ملخص الاستنتاجات والتوصيات من لقاء تشاوري في شباط 2020 حول الرؤية الأميركية للسلام
الاستنتاجات
- إعلان أميركا لرؤيتها الاقتصادية تحت شعار “رؤية الازدهار والسلام” ليست سوى خطة لإنهاء القضية الفلسطينية وليست خطة أو مرجعية تفاوضية، بل إجازة ثنائية لتمرير ما تريده إسرائيل من إجراءات لتثبيت حقائق جديدة على الأرض تحول دون إعادتها إلى طاولة التفاوض.
- رغم أن الرؤية تعكس ما كان وما زال يدور على الأرض من سياسات إسرائيلية تجاه الأراضي المحتلة (الاستيطان) وتجاه الفلسطينيين في الداخل (إقصاء ومضايقة)، وحيث أنها ليست خطة تنفيذية مفصلة أو وثيقة قد تحظى يوماً ما بأي قبول أو توافق فلسطيني أو عربي رسمي، فإنها تمثل نقلة نوعية في سقف المواجهة بعد 25 سنة من الافتراض أن هذين الطرفين المعاديين قد يجبران على القبول بالحقوق الوطنية الفلسطينية بالمساعي السلمية أو النوايا الحسنة أو الأداء المؤسسي الصالح. هكذا لا يمكن اعتبارها محض تصريح أو موقف أو رأي عابر، بل يجب التصرف على أساس أنها تكشف سافرا ودون خجل النوايا المعادية الحقيقية والإطار المرغوب لفرض الحل الإسرائيلي الأميركي، إذا لم يتم إفشالها.
- الشق الاقتصادي ليس خطة تنموية لدولة فلسطينية، بل مقترح استثماري أميركي إسرائيلي لا يكون الطرف الفلسطيني فيه شريكا أو مستفيدا، بل متعهدا وأجيرا، ويعتبر في سياقه السياسي الجديد بمثابة جزرة هزيلة أمام العصا الغليظ المتمثل في سلب الأراضي والسيادة والحقوق الفلسطينية السياسية والاقتصادية.
- الرؤية مرفوضة سياسياً لما تنطوي عليها من خطوات استسلاميه فلسطينية في التنازل عن جميع الحقوق التي تكفلها الشرعية الدولية، بما في ذلك الحق في السيادة على الشعب والأرض والموارد والاقتصاد الفلسطيني، ولما تحمله من مفاهيم “استعمارية جديدة” حول أشكال ومفاهيم مشوهة ومنقوصة للسيادة وشروطها للشعوب الخاضعة للاحتلال والاستعمار.
- الرؤية مرفوضة اقتصادياً لأنها تقضي على كل المساعي الفلسطينية خلال ٢٥ سنة والمدعومة دوليا لإقامة مؤسسات وهياكل الاقتصاد الفلسطيني المستقل في حدود الأرض المحتلة عام 1967 وتأمين جدواها (viability)، أي لأنها تقضي بذوبان فلسطين وعروبتها في إطار إسرائيل الكبرى وتسخير مواردها لتقديم مشروع بناء الدولة اليهودية في كل فلسطين التاريخية.
- الرؤية مرفوضة، لان ترجمتها الى خطوات تنفيذية تنطوي على خسائر جسيمة للاقتصاد الفلسطيني:
- سلب أراضي زراعية خصبة ومصادرة مساحات واسعة منها من ملكية خاصة وحكومية وأوقاف، و”استبدالها” بأراضي صحراوية غير مؤهلة للعيش البشري.
- حرمان فلسطين من حقوقها واستخدام مواردها المائية (نهر الأردن والبحر الميت)، والمعدنية، ووحدتها الجغرافية.
- القضاء على حق فلسطين في تكوين “إقليم جمركي مستقل” ومن المناقع المحتملة من ممارسة سياسات اقتصادية ونقدية وتجارية خاصة بها.
- التجزئة الجغرافية للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في معازل، وربط/تجميع المستوطنات الإسرائيلية “المعزولة حالياً” بما يجعلها محيطة للتجمعات السكانية الفلسطينية، في عملية شبيهه بمنهجية الاستعمار اليهودي في الجليل العربي منذ النكبة عام 1948، ما يوحي بأن تصور هذه الرؤية لمناطق “دولة فلسطينية” شبيهة برؤية وتعامل دولة إسرائيل مع المناطق العربية في الداخل.
- إخضاع العلاقات والمبادلات الاقتصادية والتجارية والمالية الفلسطينية الداخلية إلى منظومة سيطرة (تصاريح، فحص أمني، فصل جغرافي) لا مثيل لها في تاريخ المواجهة الفلسطينية مع المشروع الصهيوني، بل لا مثيل لها في تاريخ الاستعمار الاستيطاني عالمياً.
- بالتالي، تخلص “الرؤية” بإدخال المناطق الفلسطينية وسكانها وقوة عمالتها ورأسمالها وبنيتها التحتية (مواصلات، طاقة، اتصالات، حدود دولية، صرف صحي، مياه، …الخ)، في مسار علاقة تبعية دائمة وتخلف مزمن تجاه الاقتصاد الإسرائيلي ومشروعه الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في كافة أرجاء فلسطين 1948.
- بقدر ما تسمح الظروف السياسية الإسرائيلية بالبدء في تنفيذ الخطط الاستعمارية التوسعية لتغيير الأمر الواقع على الأرض، خاصة في الأغوار ومناطق أخرى مستهدفة للضم، وفي التوقيت والمكان والسرعة التي تناسب الاحتلال، فإنه من المنطقي (من باب الحذر والتحضير) توقع بروز بعض هذه التطورات خلال السنة الحالية، ربما في أشكال قانونية، أمنية، مادية على الأرض، في خطوات صغيرة أو في حملة كبرى (بحسب مدى نجاح اليمين الإسرائيلي في التحكم بالدولة).
- بالتوازي مع هذا المشهد الاستراتيجي الجديد، وبالإضافة لإمكانيات نشوب مواجهات في المناطق المستهدفة من قبل إسرائيل، هناك احتمال احتدام، أو تكرار، المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية التجارية (مقاطعات، منع عبور صادرات إلى الخارج، حجز واردات مباشرة إلى فلسطين). كان يمكن اعتبار تلك المواجهة قبل الإعلان الأميركي في سياق تداعيات قرار الانفكاك الاقتصادي القائم منذ تولي الحكومة الحالية. لكنها باتت تحسب اليوم كجزء من حملة المقاومة الاقتصادية الفلسطينية أمام محاولة فرض الرؤية الأميركية الإسرائيلية. هذا يجعل أبعادها أكثر مصيرية من حيث التأثير على ميزان الصراع وفي المس برفاهية حياة المواطنين وفي مصدر رزق الألاف من المزارعين والتجار وغيرهم (مثلاً العمال في الداخل في حال إقدام إسرائيل على التخلص منهم).
التوصيات
- لا بد من توحيد الموقف والخطاب الرسمي والشعبي ورص الصفوف بهدف تأمين الصمود الاقتصادي والتماسك الاجتماعي، من خلال رزمة من السياسات والإجراءات والتوجهات المنسجمة والواضحة والقابلة للتنفيذ، رغم البيئة المعادية التي تهدد قضية الشعب الفلسطيني أكثر من أية مرحلة سابقة:
- بلورة خطاب واضح وحاسم، موجه للشعب الفلسطيني وللعالم يوثق مدى خطورة الرؤية الأميركية الإسرائيلية في جانبيه السياسي/الحقوقي والاقتصادي/التنموي، مدعما بالنصوص والأرقام والمنطق المحتكم للقانون الدولي وحقوق الشعوب الخاضعة للاستعمار.
- تعزيز أركان الصمود الشعبي من خلال توجيه الاستثمارات العامة والخاصة نحو المشاريع والقطاعات الإنتاجية، لتغطية أكبر قدر ممكن من احتياجات السوق المحلي، ما يتطلب إعادة تخصيص موارد مالية في الموازنة العامة (الجارية والتطويرية) والصناديق الاستثمارية المتاحة للمشاريع التنموية في المناطق “ج” والأغوار خاصة، والقدس كذلك، حتى ولو كان ذلك يقتضي المزيد من التقشف في الإنفاق العام.
- إعداد برنامج تدرجي، عبر قطاعي، للانفكاك الذكي والممكن عن قنوات التبعية الاقتصادية للاحتلال (التجارية والعمالية والنقدية)، واحتساب كلفة كل خطوة منها والردود الإسرائيلية المحتملة، والمستلزمات المحلية المسبقة لإنجاحها.
- توفير الدعم المالي المخصص أو الأسواق البديلة للتعويض عن خسائر المزارعين جراء المقاطعة الإسرائيلية أو إغلاق المعابر، والتنسيق الحثيث مع جميع الشركات المتأثرة من أية قرارات مقاطعة فلسطينية، وعدم الإسراع في إجراءات قد نضطر التراجع عنها بسبب الإسراع أو سوء التحضير والتخطيط والاستهداف.
- القيام بحملة توعوية شعبية واسعة حول مبررات السياسة الفلسطينية الاقتصادية الجديدة وضرورة مشاركة جميع الفئات الاجتماعية والقطاعات الاقتصادية في تحمل عبء المواجهة وتداعيات مقاومة فرض الرؤية أو تحويلها إلى واقع.
- إطلاق حملة إعلامية ودبلوماسية عالمية لكسر الطوق الاقتصادي الإسرائيلي المفروض على الكينونة الاقتصادية الفلسطينية ولتدويل الأزمة في العلاقات الاقتصادية مع الاحتلال (حجز أموال المقاصة، التحكم الإسرائيلي بالتجارة الخارجية، التهديدات المالية والمصرفية)، من خلال مطالبة الشركاء التجاريين (المؤيدين للموقف الفلسطيني وتطلعاته الوطنية) باتخاذ التدابير القانونية والتجارية التي من شأنها إخراج العلاقة الاقتصادية مع الاحتلال من قفص أوسلو/باريس الذي لم يعد أصلا ساري المفعول كإطار متوافق عليه.
- جعل مسألة سيادة الاقتصاد الفلسطيني مطلباً موازياً ومعززاً لحق تقرير المصير الوطني. هنا فإن الشرعية الدولية تتمثل في ضرورة تجديد المساعي الفلسطينية للحصول على عضوية مراقب في منظمة التجارة العالمية، وفي منظمة الجمارك العالمية وفي صندوق النقد الدولي، من خلال حشد تحالف أوروبي/عربي/جنوبي في دعم مثل هذه الجهود، بغض النظر عن احتمالات النقد الأميركي أو الإسرائيلي لمثل هذه المبادرات التي يكفلها القانون الدولي.
- الاحتكام إلى تضامن الشعوب العربية والتحالف مع القوى القومية المؤيدة للنضال الفلسطيني والمعادية للاستعمار الجديد، والتوجه نحو العمق الاقتصادي العربي في إيجاد البدائل التجارية والموارد المالية والاستثمارية اللازمة للصمود الاقتصادي أمام الابتزاز الإسرائيلي الأميركي.
باختصار، يجب الاعتبار بأنه بعد سنوات طويلة من تغيير إسرائيل لشروط لعبة أوسلو وباريس، والآن بعد تغيير الملعب واللعبة بكاملها، أصبح القرار الاقتصادي الفلسطيني بحل من افتراضات وشروط أوسلو وباريس، بقدر ما يستطيع ويستفيد من تجاهله. بمعنى آخر، وبينما قد تبقى صيغة أوسلو وباريس قائمة بحكم القانون، فإنها غير قائمة على أرض الواقع. بالتالي لا بد من رسم ملامح المرحلة الاقتصادية القادمة برؤية فلسطينية أصيلة، واقعية، صامدة وجامعة لمصالح جميع فئات الشعب الفلسطيني من غزة والضفة والقدس إلى الداخل والشتات، حيث أن هذه المرة الجميع مستهدف، والجميع لهم مصلحة مشتركة في عدم التخلي عن المشروع الوطني وعن الحقوق بالأرض وعن كرامة الإنسان.




