خاص – الرقيب
بعد أيام قليلة فقط من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن التوصل إلى اتفاق تجاري مع كندا أصبح في المتناول، انتقلت العلاقة بين اثنين من أكثر الاقتصادات تكاملاً في العالم من أجواء التسوية إلى مواجهة تجارية مفتوحة.
فمع دخول رسوم جمركية أمريكية بنسبة 50% على سلع كندية تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار حيز التنفيذ، أعلنت أوتاوا استعدادها للرد، في تصعيد جديد ضمن الحرب التجارية التي أعادت إدارة ترامب إطلاقها منذ عودتها إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025.
لكن ما يجري بين واشنطن وأوتاوا يتجاوز خلافاً تقليدياً حول نسب الرسوم الجمركية. فنحن أمام صراع يتعلق بالنفاذ إلى الأسواق، وحماية الصناعات المحلية، والسيادة الاقتصادية، والقدرة السياسية لكل حكومة على تقديم تنازلات.
وفي علاقة تجارية بلغ حجم تبادل السلع والخدمات بين البلدين نحو 900 مليار دولار خلال عام 2025، تبدو الحرب التجارية بين واشنطن وأوتاوا واحدة من أخطر المواجهات الاقتصادية التي شهدتها أمريكا الشمالية منذ سنوات.
من «أمريكا أولاً» إلى الرسوم كسلاح اقتصادي
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، أعادت واشنطن إحياء فلسفة «أمريكا أولاً» في التجارة الدولية.
وتحولت الرسوم الجمركية من أداة اقتصادية تقليدية إلى وسيلة ضغط سياسية واقتصادية، تستخدمها الإدارة الأمريكية لإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية، وحماية الصناعات المحلية، وتقليص العجز التجاري، ودفع الشركات إلى إعادة الإنتاج والاستثمار داخل الولايات المتحدة.
ولم تقتصر هذه السياسة على المنافسين الاقتصاديين، بل امتدت إلى شركاء وحلفاء تقليديين للولايات المتحدة، وفي مقدمتهم كندا.
وتعد العلاقة الاقتصادية بين البلدين من الأكثر تشابكاً في العالم، إذ ترتبط الصناعات وسلاسل الإمداد والأسواق بينهما بدرجة تجعل أي رسوم جديدة قادرة على إحداث تأثيرات متبادلة على جانبي الحدود.
لكن رغم هذا التشابك، وجدت كندا نفسها في خط المواجهة الأول للحرب التجارية الأمريكية.
72 ساعة قلبت مسار المفاوضات
التحول الأخير كان سريعاً ومفاجئاً.
ففي وقت كانت فيه التصريحات الصادرة عن الطرفين تشير إلى قرب التوصل إلى اتفاق، دخلت المفاوضات خلال أيام قليلة في طريق مسدود.
وأعلن ترامب، قبل أقل من ساعتين من انتهاء مهلة سابقة، أن الجانبين توصلا إلى اتفاق، وتم تعليق الرسوم التي كان يلوح بفرضها.
لكن مسؤولين كنديين أشاروا لاحقاً إلى أن ملفات أساسية بقيت دون حسم.
وفي منتصف الأسبوع، تحدث رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن «تقدم كبير»، فيما وصف مسؤولون كنديون المفاوضات بأنها باتت قريبة جداً من التوصل إلى تسوية.
غير أن مساء الجمعة شهد انهيار مفاوضات اللحظات الأخيرة، لتدخل الرسوم الأمريكية الجديدة حيز التنفيذ.
وبذلك انتقلت كندا من التفاوض على تخفيض الرسوم إلى الاستعداد للرد عليها.
50% على منتجات كندية
شملت الرسوم الأمريكية الجديدة، بحسب المعطيات المتداولة، منتجات كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار، من بينها الإسمنت ومضارب الهوكي وغيرها من السلع.
وجاءت هذه الخطوة إضافة إلى الرسوم التي كانت قد طالت قطاعات استراتيجية كندية خلال الفترة السابقة، وفي مقدمتها:
- الصلب والألمنيوم.
- السيارات.
- الأخشاب ومنتجات البناء.
وكانت مسودة الاتفاق التي جرى التفاوض عليها قبل انهيار المحادثات تتضمن تخفيض الرسوم الأمريكية على الصلب والألمنيوم الكنديين من 50% إلى 25%، وعلى السيارات من 25% إلى 15%، إلى جانب إلغاء رسوم بنسبة 10% على الأخشاب.
لكن الاتفاق لم ير النور.
لماذا انهارت الصفقة؟
تختلف روايتا واشنطن وأوتاوا بشأن مسؤولية انهيار المفاوضات.
فالممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير اتهم الجانب الكندي بتقديم مطالب جديدة في المرحلة الأخيرة، أدت إلى الإخلال بما وصفه بـ«التوازن الدقيق» لمسودة الاتفاق.
وأكد الجانب الأمريكي أن واشنطن كانت مستعدة لمنح كندا معاملة تجارية أفضل من معظم المصدرين الرئيسيين إلى السوق الأمريكية.
أما رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، فقدم رواية مختلفة تماماً، متهماً واشنطن بتغيير شروط الاتفاق في اللحظات الأخيرة.
ووصف كارني المطالب الأمريكية الجديدة بأنها «غير عادلة وغير اقتصادية»، وقال إن قبولها كان سيجعل موثوقية أي اتفاق مستقبلي موضع شك.
وفي حديثه عن الموقف الأمريكي، قال كارني إن واشنطن «طلبت الكثير وقدمت القليل جداً»، مؤكداً أن كندا لن تقبل بالشروط التي عرضت عليها.
ووصف رئيس الوزراء الكندي ما يجري بأنه حرب تجارية، قائلاً إن بلاده تعرضت للهجوم.
ما الذي كانت تريده واشنطن؟
بعيداً عن التصريحات السياسية، تكشف تفاصيل المفاوضات أن الخلاف لم يكن فقط حول نسبة الرسوم.
كانت الولايات المتحدة تطالب كندا بجملة من التنازلات، من بينها:
- إنهاء إجراءات المقاطعة أو القيود المفروضة في بعض المقاطعات على المشروبات الكحولية الأمريكية.
- توسيع وصول منتجات الألبان الأمريكية إلى السوق الكندية.
- معالجة الرسوم الكندية المضادة.
- إزالة بعض القيود المتعلقة بالمشتريات الحكومية.
وفي المقابل، كانت كندا تطالب بتخفيف الرسوم المرتفعة على صناعاتها، خصوصاً الصلب والألمنيوم والسيارات والأخشاب.
وكان من المفترض أن تسحب أوتاوا جزءاً من إجراءاتها الانتقامية إذا تم التوصل إلى الاتفاق.
لكن الكلفة السياسية للتنازل بدت مرتفعة بالنسبة للطرفين.
التنازل أصبح قضية سيادة
في كندا، لم تعد الأزمة مجرد قضية تجارية.
فالتصريحات المتكررة لترامب حول إمكانية جعل كندا «الولاية الحادية والخمسين» للولايات المتحدة، وما رافقها من خطاب سياسي استفزازي، أضفت على الأزمة بعداً سيادياً.
وأدى ذلك إلى تصاعد مشاعر المقاطعة للمنتجات الأمريكية، كما رفع الكلفة السياسية أمام حكومة مارك كارني لأي تنازل جديد.
وتشير استطلاعات الرأي الواردة في المعطيات إلى أن نسبة محدودة فقط من الكنديين تؤيد تقديم تنازلات من أجل الوصول إلى اتفاق، فيما تؤيد نسبة أكبر تبني موقف متشدد في مواجهة واشنطن.
وهذا يضع كارني أمام معادلة صعبة: كندا تحتاج السوق الأمريكية، لكن الحكومة الكندية تواجه رأياً عاماً لا يريد أن يرى بلاده تقدم تنازلات تحت ضغط الرسوم.
كندا تدفع الثمن أولاً
اقتصادياً، تبدو كندا الطرف الأكثر عرضة للخسائر.
فالولايات المتحدة تستقبل نحو 70% من إجمالي الصادرات الكندية، ما يجعل قطاعات واسعة من الاقتصاد الكندي مرتبطة مباشرة بالسوق الأمريكية.
وتشير التقديرات الواردة إلى أن استمرار الرسوم يمكن أن يؤدي إلى فقدان نحو 90 ألف وظيفة في كندا.
ومن بين القطاعات الأكثر عرضة للضغوط:
- الآلات والإلكترونيات.
- البلاستيك والمطاط.
- الأثاث.
- الأخشاب والورق.
- الصناعات الكيماوية.
- الصلب والألمنيوم.
- قطاع السيارات.
كما يرجح أن تتحمل مقاطعات مثل أونتاريو وكيبيك وبريتيش كولومبيا الجزء الأكبر من التداعيات.
ووصف ممثلو قطاع الأعمال الكندي الرسوم بأنها ضربة مباشرة للقدرة التنافسية، محذرين من خسارة استثمارات وعملاء وشركات صغيرة تعتمد على التصدير إلى الولايات المتحدة.
رد كندي «دولار بدولار»
أعلنت أوتاوا أن الرد لن يقتصر على الاحتجاج السياسي.
وتستعد الحكومة الكندية لفرض رسوم انتقامية تستهدف منتجات أمريكية، مع تركيز خاص على قطاعات مثل الصلب والألبان.
ويقوم الرد الكندي على مسارين.
المسار الأول قصير الأجل، ويتمثل في فرض رسوم مقابلة وتقديم دعم للعمال والشركات المتضررة.
أما المسار الثاني، فهو استراتيجي وأطول مدى، ويقوم على تقليص الاعتماد الاقتصادي الكبير على الولايات المتحدة.
وتشمل الخطط الكندية تسريع مشروعات البنية التحتية، وتوسيع الوصول إلى أسواق جديدة في آسيا وأوروبا، إلى جانب العمل على تطوير مسارات جديدة لصادرات الطاقة الكندية.
هل تخسر الولايات المتحدة أيضاً؟
رغم أن الاقتصاد الكندي يبدو أكثر تعرضاً، فإن الرسوم لا تعمل في اتجاه واحد.
فالرسوم الجمركية يدفعها المستورد عند دخول السلع إلى الولايات المتحدة، ما يعني أن جزءاً من الكلفة يمكن أن ينتقل إلى الشركات والمستهلكين الأمريكيين.
وقد تظهر آثار ذلك في أسعار عدد من المنتجات، بما في ذلك مواد البناء والأخشاب وبعض المنتجات الصناعية والاستهلاكية.
ويأتي هذا في وقت تشكل فيه تكلفة المعيشة والتضخم قضية حساسة داخل الولايات المتحدة.
كما أن ارتفاع تكلفة الواردات قد يزيد من تعقيد مهمة الاحتياطي الفيدرالي في التعامل مع التضخم والسياسة النقدية.
لكن واشنطن حاولت، وفق المعطيات، الحد من الضرر المباشر على اقتصادها من خلال استثناء بعض الموارد التي تعتمد عليها الولايات المتحدة بدرجة كبيرة.
وفي مقدمة هذه الموارد النفط الخام الكندي، حيث تزود كندا الولايات المتحدة بأكثر من 4 ملايين برميل يومياً، إضافة إلى البوتاس والمعادن الحيوية.
وهذا يشير إلى أن التصعيد الأمريكي، رغم شدته، ما زال محسوباً لتجنب تعطيل سلاسل إمداد لا تستطيع الولايات المتحدة استبدالها بسهولة.
الرسوم تصل إلى القضاء
المواجهة لا تقف عند حدود السياسة والتجارة.
فالأساس القانوني للرسوم الجديدة أصبح بدوره موضع نقاش، إذ تستند الإجراءات إلى مادة من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930 تتيح للرئيس اتخاذ إجراءات ضد دول يعتبر أنها تمارس تمييزاً ضد التجارة الأمريكية.
ويفتح ذلك الباب أمام طعون قانونية محتملة.
وتزداد أهمية هذا الملف في ضوء إبطال المحكمة العليا الأمريكية قبل أشهر حزمة سابقة من الرسوم التي كانت تستند إلى قانون سلطات الطوارئ.
وبالتالي، فإن إدارة ترامب لا تواجه فقط اختباراً اقتصادياً وسياسياً، بل قد تواجه أيضاً اختباراً قانونياً بشأن صلاحيات استخدام الرسوم الجمركية.
اتفاقية التجارة الحرة في مهب الريح
تأتي هذه المواجهة أيضاً في وقت يواجه فيه مستقبل اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك USMCA حالة من الغموض.
وكانت الاتفاقية تشكل الإطار الرئيسي لتنظيم التجارة في أمريكا الشمالية، لكن الخلافات الجديدة فتحت الباب أمام إعادة التفاوض على شروطها.
كما يبدو أن واشنطن تتعامل بشكل مختلف مع شريكيها في الاتفاقية، إذ تستمر المحادثات مع المكسيك في مسار مختلف، فيما انهارت المفاوضات مع كندا.
وهذا يثير تساؤلات حول مستقبل أحد أكبر التكتلات التجارية في العالم.
من يتراجع أولاً؟
حتى الآن، لا توجد محادثات جديدة معلنة بين واشنطن وأوتاوا.
وإذا مضت كندا في فرض رسوم انتقامية واسعة، فقد ترد الولايات المتحدة بإجراءات إضافية، ما قد ينقل المواجهة إلى قطاعات أكبر وأكثر حساسية، مثل السيارات والمعادن.
لكن رغم التصعيد، لا تزال هناك مساحة للعودة إلى المفاوضات.
فاستثناء النفط والبوتاس والمعادن الحيوية من الرسوم يشير إلى أن الطرفين لا يريدان، حتى الآن، الوصول إلى انفصال اقتصادي شامل. كما أن حجم التشابك بين الاقتصادين يجعل استمرار الحرب التجارية مكلفاً للطرفين.
الولايات المتحدة تستطيع، بحكم حجم اقتصادها، إلحاق ضرر أكبر بكندا، لكن تشابك سلاسل الإنتاج بين البلدين يعني أن كل ضربة اقتصادية لكندا تحمل جزءاً من كلفتها إلى داخل الولايات المتحدة. لذلك، فإن السؤال لم يعد: من يستطيع فرض رسوم أعلى؟ بل أصبح: أي الطرفين يستطيع تحمل كلفة الحرب التجارية لفترة أطول؟ وبينما تستعد كندا للرد «دولاراً بدولار»، وتواصل واشنطن استخدام الرسوم كسلاح اقتصادي، تقف واحدة من أهم العلاقات التجارية في العالم أمام مرحلة جديدة. فإما العودة إلى طاولة المفاوضات، أو الدخول في حرب تجارية قد تعيد تشكيل اقتصاد أمريكا الشمالية بالكامل.



