قراءة في الأثر الاقتصادي والتوجيهات الملكية لإعادة الهيكلة المؤسساتية
صلاح الدين أنامير 2M
يتزامن الاحتفاء باليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج، الذي يصادف العاشر من غشت من كل سنة، مع ذروة عملية «مرحبا» التي تشكل محطة سنوية لاستقبال ملايين المغاربة العائدين إلى أرض الوطن.
وفي هذا السياق، يتجاوز حضور مغاربة العالم البعد الإنساني المرتبط بالعودة وصلة الرحم، ليشمل مساهمات أساسية في دعم مسارات التنمية الوطنية كأصول بشرية واقتصادية وثقافية.
وأوضح الخبير في السياسات العمومية، رضوان جخا، أن مغاربة العالم يمثلون قوة اقتصادية واجتماعية محورية للمملكة، ويعملون كسفراء لها في مختلف بقاع العالم.
وأشار جخا، ضمن حديث خص به موقع القناة الثانية إلى أن المؤشرات الاقتصادية لما يُعرف بـ”الجهة الثالثة عشرة” تسجل أرقاماً قياسية متطورة مع مرور السنوات؛ حيث بلغت تحويلاتهم المالية خلال جائحة كورونا 96 مليار درهم، وارتفعت في السنة الماضية إلى نحو 119 مليار درهم، في حين تجاوزت خلال النصف الأول من السنة الجارية (إلى متم شهر يونيو) حاجز 60 مليار درهم.
وتؤكد هذه الأرقام، حسب الخبير في السياسات العمومية، تشبث مغاربة العالم بوطنهم الأم، وتساهم بنحو 8% من الناتج الداخلي الخام، مما يجعلها المورد الثاني لجذب العملة الصعبة في البلاد.
كما تسهم هذه التحويلات بشكل رئيسي في تبوّؤ المملكة صدارة القارة الإفريقية سياحياً، فضلاً عن دور الجالية في الدفاع عن ثوابت البلاد ووحدتها الترابية.
وعلى مستوى السياسات العمومية، استعرض جخا معالم العناية الملكية الاستراتيجية التي يوليها جلالة الملك محمد السادس للمغاربة المقيمين بالخارج، والتي تتجسد في توشيح كفاءات منهم بأوسمة ملكية، كما جرى مع المنتخب الوطني لكرة القدم.
وتبرز هذه الرعاية أيضاً في الخطب الملكية، ومنها خطاب العرش لسنة 2005، وخطاب الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء في نونبر 2024، الذي أولى حيزاً مهماً لمغاربة العالم، إلى جانب القرار الملكي الصادر سنة 2003 بإقرار العاشر من غشت يوماً وطنياً للمهاجر.
كما كرس دستور 2011 مكانة المغاربة المقيمين بالخارج من خلال الفصول 16 و17 و18، التي تنص على حماية حقوقهم ومصالحهم، وضمان تمتعهم بحقوق المواطنة، وتعزيز مشاركتهم في المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة.
وتوقف جخا عند مضامين الخطاب الملكي الصادر في نونبر من سنة 2024، مبيناً أنه قدم تمحيصاً دقيقاً لواقع وتطلعات الجالية. فبينما أكد الخطاب وجود تراكم إيجابي، تضمن توجيهات سامية لوضع سياسات عمومية جديدة وفق خارطة طريق رسم الخطاب الملكي معالمها، ترتكز على إعادة هيكلة مجلس الجالية المغربية، والإعلان عن “المؤسسة المحمدية لمغاربة العالم” كإطار تنفيذي للسياسات العمومية والجهة المسؤولة عن وضع الاستراتيجية الوطنية المندمجة للجهة الثالثة عشرة.
وفي هذا الإطار، اقترح جخا فتح نقاش عمومي مستفيض بالتزامن مع فترة وجود مغاربة العالم بالمملكة، عبر تنظيم مناظرة وطنية في العاشر من غشت تسبقها مناظرات جهوية وإقليمية لتشخيص واقع هذه الفئة وتحدياتها وتطلعاتها.
أما على صعيد الاستقبال والاستثمار، فقد ذكر الخبير في السياسات العمومية أن مجهودات جبارة بُذلت لمواكبة الجالية، وفي مقدمتها توفير أرضية استقبال متميزة بتوجيهات ملكية وتنفيذ من مؤسسة محمد الخامس للتضامن، حيث بلغ عدد العابرين عبر عملية “مرحبا” مليونين و700 ألف مواطن مغربي.
وفي مقابل ذلك، يرى جخا أن مسار الشراكة في الاستثمار لا يزال يتطلب جهوداً إضافية، إذ لا يتجاوز استثمار مغاربة العالم سقف 10% من مجموع استثماراتهم، ويتركز أغلبها في قطاعي العقار والسكن.
ودعا المتحدث إلى التسريع بهيكلة المؤسسة المحمدية لوضع الاستراتيجية الوطنية المندمجة، بهدف الانتقال تدريجياً من منطق التحويلات المالية إلى مقاربة استثمارية متعددة الأبعاد.
ونبّه جخا إلى أن المغاربة المقيمين في فرنسا، على سبيل المثال، يساهمون بـ31% من إجمالي تحويلات مغاربة العالم، غير أن حجم استثماراتهم يظل ضعيفاً.
ولتجاوز هذا الضعف الاستثماري، يقترح جخا تحقيق نقلة نوعية تشمل مواصلة جهود المجالس الجهوية للاستثمار بعد إعادة هيكلتها وفقاً للتعليمات الملكية، وتسريع رقمنة المساطر الإدارية، مع تخصيص منصات رقمية في كل جهة للتعريف بالفرص الاستثمارية والخصوصيات السوسيو-اقتصادية بكل إقليم.
وفي ختام قراءته، عبر الخبير في السياسات العمومية، رضوان جخا، عن تطلعه لإحداث دوائر انتخابية مخصصة حصرياً لمغاربة العالم في المستقبل القريب، لتمكينهم من إيصال صوتهم والترافع عن قضاياهم من داخل مجلس النواب عبر كوتا تمثيلية خاصة بهم، معتبراً أن المبادرات التحفيزية الحالية للأحزاب تظل غير كافية مقارنة بالتمثيلية المباشرة تحت قبة البرلمان.



