د. طارق عاشور
حين طرحت أمازون في السابع من هذا الشهر سندات بقيمة 25 مليار دولار، تجاوز الطلب عليها 62 مليار دولار، أي 1.6 ضعف حجم الإصدار فقط، في حين تجتذب السندات الأمريكية عالية الجودة، وهي الصادرة عن جهات ذات تصنيف ائتماني مرتفع يجعل احتمال تعثرها ضئيلا، طلبا يقارب في المتوسط هذا العام 4 أضعاف ما يعرض منها، بل إن هذا الطلب لا يشكل سوى نصف ما اجتذبته أمازون نفسها في صفقتها القياسية في اذار الماضي. هذا المؤشر المسمى مضاعف التغطية، أي نسبة ما يطلبه المستثمرون إلى ما يطرح أمامهم، هو الذي يكشف حقيقة المشهد لا حجم الطرح ذاته: فالأسواق لا تعاني أي شح في السيولة كما يعتقد كثيرون، بل تشهد إعادة تقييم لقدرتها على استيعاب الديون الجديدة، بعدما تحولت شركات التكنولوجيا الكبرى من شركات تكدس الفوائض النقدية إلى مقترض ضخم بديون طويلة الأجل تزاحم بها الحكومات على خزان المدخرات العالمية ذاته.
وبلغة الأرقام، بلغت إصدارات السندات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 335 مليار دولار منذ بداية 2026، أي أكثر من ضعف مستويات 2025 كاملة، ويتوقع بنك مورغان ستانلي بلوغها 570 مليارا بنهاية العام. وأصدرت شركات الحوسبة السحابية الخمس الكبرى سندات بقيمة 121 مليار دولار في 2025 مقابل متوسط سنوي لم يتجاوز 28 مليارا بين 2020 و2024، ويقدر بنك باركليز أن إجمالي إصدارات الشركات الأمريكية عالية الجودة سيتخطى 2 تريليون دولار في 2026 متجاوزا ذروة ما بعد الجائحة. ويتزامن ذلك مع اقتراض حكومي قياسي؛ إذ حذر بنك التسويات الدولية في تقريره السنوي الصادر في حزيران الماضي من دين عام عالمي عند مستويات تاريخية، ومن أسواق سندات حكومية باتت تهيمن عليها صناديق تحوط عالية الرفع، أي صناديق استثمار تضخم رهاناتها بأموال مقترضة تفوق رأسمالها أضعافا، فيما سماه التقرير رابطة جديدة بين المالية العامة والاستقرار المالي.
التفسير يبدأ من تحول بنيوي في طبيعة المقترضين. لعقدين كانت شركات التكنولوجيا نموذج الاقتصاد خفيف الأصول: هوامش ربح مرتفعة ونفقات رأسمالية محدودة وفوائض نقدية جعلتها مقرضا صافيا للنظام المالي. بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من مراكز بيانات ورقائق وشبكات كهرباء قلب المعادلة؛ فالإنفاق الرأسمالي المشترك لأمازون وألفابت ومايكروسوفت وميتا مرشح لتجاوز 700 مليار دولار في 2026 واختراق التريليون في 2027، بإيقاع يفوق ما تدره أعمالها من نقد مهما بلغ. وحذرت وكالة ستاندرد آند بورز من أن رافعة أمازون المالية، أي نسبة ديونها إلى قدرتها على السداد، سترتفع جوهريا، وأن تدفقاتها النقدية الحرة، وهي ما يتبقى من النقد بعد تغطية نفقات التشغيل والاستثمار، ستبقى سالبة لعامين. لقد تحولت هذه الشركات وظيفيا إلى ما يشبه شركات المرافق كثيفة رأس المال، تقترض طويلا لتمويل أصول عمرها عقود، وهو نمط كان حكرا على الحكومات وشركات الطاقة والبنية التحتية.
هنا تصبح الإجابة عن سؤال السيولة واضحة. المال وفير: فأصول صناديق أسواق النقد، وهي أوعية تستثمر المدخرات قصيرة الأجل شبه النقدية، عند مستويات قياسية، وشركات التأمين على الحياة تطلب بنهم سندات طويلة تقابل بها التزاماتها الممتدة لعقود، وسوق الطروحات الخاصة، حيث تباع السندات مباشرة لمؤسسات كبرى دون طرح عام، سجل 81 مليار دولار حتى ايار في أعلى مستوى مسجل. لكن السيولة ليست كتلة واحدة متجانسة؛ فالقيد الحقيقي ليس كمية المال المتاح بل استعداد أصحابه لتجميده عشرات السنين عند سعر معين، وهو ما يسميه الماليون القدرة على امتصاص الأجل الطويل.
يقدر بحث للاحتياطي الفيدرالي في دالاس أن إصدارات الذكاء الاصطناعي لعام 2026 تعادل في أثرها طرح نحو 360 مليار دولار من سندات أجلها 10 سنوات، أي قرابة ثمن ما تطرحه الخزانة الأمريكية نفسها من هذا الأجل. ووفق نظرية الموطن المفضل في الاقتصاد المالي، فإن لكل فئة من المستثمرين آجالا تفضلها، وإغراق شريحة الأجل الطويل بمعروض إضافي يرغمها على طلب عائد أعلى؛ وهكذا ترتفع علاوة الأجل، وهي الفائدة الإضافية التي يطلبها المستثمر ثمنا لتجميد ماله سنوات طويلة، على امتداد منحنى العائد كله بما فيه سندات الحكومات التي تشكل أرضية تسعير الاقتصاد بأسره. وتقدر الدراسات التجريبية أن كل نقطة مئوية إضافية في نسبة الدين إلى الناتج ترفع علاوة أجل العشر سنوات نحو 6 نقاط أساس، والنقطة الواحدة تساوي جزءا من مئة من النقطة المئوية.
الحالة إذن وفرة سيولة تقابلها وفرة أكبر في الخيارات المعروضة عليها، فيرتفع السعر الحدي للأجل الطويل. والدليل أن المستثمرين لم يحجموا عن صفقة أمازون بل باعوا سنداتهم القائمة ليمولوا الاكتتاب فيها، فاتسعت هوامش سندات التكنولوجيا في السوق الثانوية، حيث يتبادل المستثمرون السندات القائمة فيما بينهم، بين 7 و13 نقطة أساس في يوم واحد؛ وهذا سلوك سوق تعيد ترتيب محافظها أمام معروض متدفق لا سوق فقدت المال. ويظل الخلاف قائما بين محللين يرون أن اقتراض الشركات بدأ فعلا يزاحم الطلب على سندات الخزانة، وآخرين يرون أن الإصدارات غير المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ما تزال تلقى استقبالا جيدا؛ والحسم بينهما مسألة وقت لا مبدأ، لأن المعروض المشترك للحكومات والشركات يتراكم في اتجاه واحد.
والحكم على الظاهرة مزدوج. في جانبها الإيجابي، هذه ديون تمول تكوينا رأسماليا حقيقيا ساهم بنحو ثلاثة أرباع نمو الناتج الأمريكي في الربع الأول من 2026، وتوجيه المدخرات نحو استثمار منتج هو جوهر وظيفة أسواق رأس المال. لكن الجانب الآخر أثقل: فقد حذر خبراء صندوق النقد الدولي من أن كبرى شركات التكنولوجيا بدأت ترفع مديونيتها مع خطر عدم التطابق بين عمر الأصول الطويل وأجل الديون الأقصر الممولة لها، وهو توصيف يقترب من إطار الاقتصادي هيمان مينسكي الذي ميز بين تمويل متحوط تغطي فيه إيرادات المقترض خدمة ديونه بأريحية، وتمويل مضاربي يرتهن لإيرادات مستقبلية غير مؤكدة ولقدرة دائمة على الاقتراض الجديد لسداد القديم. ووثق بنك التسويات هياكل تمويل دائرية تستثمر فيها شركات الرقائق والسحابة في شركات ناشئة تعيد إنفاق الأموال ذاتها على منتجات المستثمرين أنفسهم، بما يضخم مظهر الطلب دون جوهره. والكلفة الأولى تقع خارج القطاع: فحين تمتص الشركات الأعلى تصنيفا شريحة متعاظمة من الطلب على الأجل الطويل، ترتفع كلفة الاقتراض أولا على الأضعف من شركات متوسطة التصنيف وأسواق ناشئة وحكومات مثقلة، في بيئة نقدية غير متسامحة سجل فيها التضخم الأمريكي 4.2 بالمئة في ايار، بما يقيد قدرة الاحتياطي الفيدرالي على أداء دور الممتص الأخير عبر خفض الفائدة أو شراء السندات.
لقد انقلبت معادلة العقد الماضي: بعد سنوات كانت فيها السيولة الفائضة تطارد أصولا نادرة وتقبل بأي عائد، صارت الأصول الوفيرة تطارد سيولة تزداد انتقائية وتفرض شروطها. والاختبار الفاصل يأتي في 2027 و2028 حين تتقاطع ذروة الإنفاق الرأسمالي مع أولى موجات إعادة تمويل مئات المليارات من هذه السندات؛ فإن جاءت إيرادات الذكاء الاصطناعي عند مستوى الوعود سجل التاريخ أن أسواق الدين مولت ثورة صناعية جديدة، وإن تأخرت فإن السعر الحدي للأجل الطويل، لا شح السيولة، هو الذي سيكتب الفصل التالي ويدفع ثمنه الجميع: الشركات والحكومات ودافعو الضرائب على السواء.



