د. طارق عاشور
(اقتباس من مقال محمود عمارة: “الفلاح المصري يزرع البرتقال وبعد خمس سنين يقلعه ويزرع مشمشاً ويقلع المشمش…”)
هذه العبارة التي دونها عربي مصري يدعى محمود عمارة ليست وصف برئ لواقع زراعي عربي، بل هي جوهر المغالطة الكبرى التي يقع فيها أصحاب النشوة التطبيعية. فهم يختزلون فشل السياسات الزراعية العربية في “تخلف الفلاح” أو “عشوائيته”، بينما يرفعون النموذج الإسرائيلي كـ”معجزة” و”عبقرية”. والحقيقة أنهم يقرأون التاريخ من منتصفه، وكأن الحكاية بدأت في سبعينيات القرن الماضي، حين زار السادات معهد بحوث الصحراء واعجابه الشديد به، ومقارنته التقدم الزراعي الاسرائيلي مع التخلف الزراعي في مصر انذاك ( وهو ما يحاول الكاتب محمود عماره التأكيد عليه).
لا شك أن الفلاح المصري وكذلك العربي بشكل عام يعاني من غياب الإرشاد، وتشرذم السياسات، وسيطرة السماسرة. لكن السؤال الذي يتجنبه أصحاب البهاء الإسرائيلي: على أي أرض قام هذا الكيان الزراعي؟ وبأي مياه؟ ومن أي خزائن دُعم؟ لقد نبه المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين في نظريته عن “التراكم على الصعيد العالمي” إلى أن الرأسمالية تعيد إنتاج علاقات غير متكافئة بين المركز والأطراف، حيث يتطور الأول على حساب تخلف الثاني. فإسرائيل كمركز رأسمالي زراعي متقدم لم تنشأ في فراغ، بل على رماد مجتمع فلسطيني كان يُصدر الحمضيات والزيتون إلى أوروبا، وكان فلاحه يملك أدواته وأرضه.
وهنا يستحضرني غسان كنفاني برؤيته الثاقبة حين كتب أن فلسطين لم تكن مجرد أرض، بل كانت مشروع حضاري قُوِّض عمداً. في دراسته “فلسطين المحتلة: قضية شعب وطنية”، يشرح كنفاني كيف أن الكيان الجديد لم يبن نجاحه على فراغ، بل على أنقاض بنية تحتية زراعية فلسطينية متكاملة، صودرت مع الأرض وسُرقت مع المياه. أليست بحيرة طبرية التي تأسست على ضفافها أول “كيبوتس” عام 1910 هي نفسها البحيرة التي كانت تروي حقول الفلسطينيين؟ أليس “معهد بحوث الصحراء” الذي أذهل السادات هو نفس المعهد الذي يستخدم أبحاث علماء مصريين مثل القصاص ومصطفى طلبة، دون أن يرد لهم أي اعتبار؟
يمضي سمير أمين أبعد من ذلك في تحليله لـ”تبادل غير المتكافئ”، ليؤكد أن تخلف الأطراف ليس مرحلة متأخرة من التطور، بل هو نتيجة عضوية لتطور المركز. تطبيقاً على حالتنا: إسرائيل لم تزهر صحراؤها بقدراتها الذاتية، بل لأن صحراء سيناء والأغوار العربية ظلت معرّاة من دعم مماثل، بل تعرّضت للتدمير المنهجي. حين تقرأ ما كتبه الكاتب محمود ” عن تساؤل السادات في زيارته لمعهد بحوث الصحراء الاسرائيلي حول مفارقة” أن إسرائيل تصدّر بـ12 مليار دولار منتجات زراعية من 2 مليار متر مكعب مياه، وأن مصر تستورد بـ20 ملياراً رغم امتلاكها 50 مليار متر مكعب، فأنت لا تقرأ دليلاً على “عبقرية” المحتل، بل تقرأ دليلاً على هيكلة النظام المالي العالمي الذي يكافئ المعتدي ويعاقب الضحية.
المفكر الاقتصادي عامر محسن، قدم تحليل لافت حول “الدولة الريعية” العربية التي بات اقتصادها مرهون بإيرادات النفط أو المساعدات الخارجية المشروطة. في أبحاثه عن الاقتصاد السياسي للاحتلال، يميز محسن بين الريع التقليدي (النفط، القنوات، السياحة) وبين ما يسميه “الريع الاستعماري” الذي تمارسه اسرائيل: سرقة الموارد الطبيعية، نهب المياه الجوفية، بيع التقنيات العسكرية والأمنية لأكثر من مئة دولة، وتوظيف الدعم الخارجي غير المحدود من الولايات المتحدة وأوروبا. بمعنى آخر، الفارق بين “فشلنا” و”نجاحهم” ليس فارق ذكاء أو جهد أو حتى تنظيم، بل فارق هيكلة النظام المالي العالمي ذاته.
اليوم: ففي فلسطين، نعاني أزمة مالية خانقة نتيجة سرقة الموارد الطبيعية والمالية، والحصار الخانق الذي يخنق كل منفذ، وتوقف معظم النشاطات الاقتصادية الزراعية والصناعية والخدماتية في غزة، وهجرة العقول من الضفة. بينما في إسرائيل، ورغم أنها علّقت أغلب الأنشطة الزراعية والصناعية في مناطق واسعة نتيجة الحرب على غزة، ورغم هجرة عشرات الآلاف من كفاءاتها وخبرائها، فإن البنك المركزي الإسرائيلي لا يزال يتمتع بفائض سيولة يفوق 225 مليار دولار. هل هذا يعني أنهم مبدعون ونحن فاشلون؟ قطعاً لا. بل يعني أن نظام التمويل العالمي يضخ الأموال في شرايين المحتل، بينما يخنق الضحية تحت شعار الاصلاح.
وهنا يكمن جوهر النقد لمنطق “يا نأكل منها الشهد يا نشرب عصير برسيم”. فالخيار ليس ثنائي بين ذل التبعية وفشل الذات. هناك خيار ثالث، وهو أن نعيد بناء حضارتنا بأيدينا، وبأرضنا ومائنا، وبعدالة توزيع لا تكرس سرقة أمة لأمة. مصر وسوريا والعراق هي مهد الزراعة والري والحضارة. في سورة يوسف، كانت خزائن مصر تمد المنطقة بالقمح حين كانت المجاعة تعم المنطقة. السوريون أبدعوا في بناء اولى الحضارات، والعراقيون أسسوا قوانين حمورابي الزراعية. ليست الحضارة حكر على أحد، ولكنها تحتاج إلى ظرف موضوعي لا يقتل صاحبه كلما حاول النهوض.
لذا، عندما يكتب محمود عمارة عن “الفلاح المصري الذي يزرع البرتقال ثم يقلعه ويزرع مشمشاً”، فهو لا يخطئ في الوصف، لكنه يخطئ في التشخيص. الفلاح المصري ليس “غشيمياً” أو “عشوائياً” كما يوحي النص. هو ضحية سياسات زراعية متقلبة، وغياب تمويل، وانهيار إرشاد، واحتكار سماسرة. والفارق بينه وبين مستوطن “الكيبوتس” ليس فارق عبقرية، بل فارق أن ذاك يُدعم بمليارات الدولارات سنوياً من أقوى اقتصاد في العالم، ويُمنح قروضاً بلا فوائد، ويُؤمن على مخاطره، ويُصدّر منتجاته عبر أرصفة ممولة من الخارج، وهذا يُترك لمصيره وسط بيروقراطية تأكل الأخضر واليابس.
وما ينساه أصحاب الحسرة على “الفلاح الإسرائيلي” أن غسان كنفاني أجابهم قبل نصف قرن: إن فلسطيني اليوم الذي يُقتل أطفاله بالصواريخ، وتُسرق مياهه، وتُجرف أرضه، ويُحاصر في قطاع لا يتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً، لا يحتاج إلى خطاب “تعلموا منهم”، بل يحتاج إلى خطاب تحرر. البرسيم الذي يشربه الفلاح المصري أو الفلسطيني قد يكون مر، لكنه ليس ملوث بالدم الفلسطيني. وهذا فرق لا تدركه الميزانيات العمومية، لكنه يزن في ميزان التاريخ.
وبما قلنا لا نزكي أنفسنا، ولا نقدس غيرنا. إسرائيل ليست عبقرية الزراعة، ونحن لسنا أغبياء الأرض. هي دولة استعمارية استيطانية تلقت دعم غير محدود لتبدو ناجحة. ونحن شعوب تدفع ثمن أن تكون حرة في عالم لا يحب الحرية إلا في شعارات خطبه. سراب الصحراء الإسرائيلية لن يروي ظمأ عربي واحد، مهما زينه أصحاب الأقلام المرتعشة أمام “المعجزة” المزيفة. والخيار الحقيقي ليس بين “الشهد المسروق” و”البرسيم المر”، بل بين الاستمرار في البكاء على أطلالنا، أو النهوض بوعي جديد يعيد لنا ثقتنا بأنفسنا وبأرضنا ومائنا وتاريخنا. وهذا الوعي يبدأ بجملة واحدة: لا تسرق أرضي ثم تعلمني كيف أزرعها.




