د. أحمد رفيق عوض
مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
عندما نسمع عبارة العالم الثالث، تتبادر إلى أذهاننا صور الفقر والضعف والتبعية والجهل وغياب الحريات والحقوق والخدمات. نتذكر العشوائية، الارتجال، المدن المزدحمة، والأنظمة التي تبدو عاجزة عن حماية الإنسان أو منحه شعورًا حقيقيًا بالأمان والاستقرار. العالم الثالث هو العالم المستباح، الساحة الخلفية لصراعات الأقوياء، والمكان الذي تُفرض عليه الأزمات والحروب والتبعية الاقتصادية والسياسية. لذلك لم يُخلق العالم الثالث ثالثًا بطبيعته، بل دُفع دفعًا إلى هذا الموقع عبر الاستعمار والاستغلال وإدامة التخلف.
لكن معنى العيش في عالم ثالث لا يقتصر فقط على السياسة أو الاقتصاد، بل يمتد إلى طريقة تفكير الناس وسلوكهم اليومي. فحين تكون المنظومة السياسية مضطربة، والمنظومة الاجتماعية غير متماسكة، والمنظومة الفكرية مليئة بالتناقضات، يصبح الإنسان نفسه انعكاسًا لهذا الاضطراب. المواطن في العالم الثالث يشبه مدينته ونظامه السياسي؛ يعيش وسط الفوضى ويحاول النجاة بأي طريقة ممكنة، حتى لو اضطر إلى الكذب أو التظاهر أو المبالغة أو ممارسة الفهلوة والشطارة باعتبارها وسائل للبقاء.
في العالم الثالث يتعلم الإنسان الريبة والشك والتوجس منذ طفولته. يتعلم أن القانون ليس دائمًا لحماية الحق، بل قد يكون أداة بيد الأقوى. ويتعلم أن المعاملة تحتاج إلى واسطة، وأن الورق أهم أحيانًا من الحقيقة، وأن ملء الاستمارات وإرضاء البيروقراطية أهم من الالتزام بالقيم أو احترام النظام. لذلك تصبح المظاهر أهم من الجوهر، وتتحول الحقيقة إلى أنصاف حقائق وأرباعها، ويصبح الالتفاف على القانون نوعًا من الذكاء الاجتماعي الذي يفتخر به البعض بدل أن يخجلوا منه.
ولأن العنف في العالم الثالث غالبًا ما يكون محتكرًا من السلطة أو محكومًا بمنطق القوة، فإن العنف يتوالد بأشكال مختلفة داخل المجتمع. يظهر في البيت والمدرسة والشارع، ويتحول إلى عنف أسري وعشائري وفردي. الناس هنا لا يعيشون فقط تحت ضغط الفقر أو القهر، بل يعيشون أيضًا تحت ضغط الغضب المكبوت والإحساس المستمر بالظلم وانعدام الأفق. لذلك نرى أن الإنسان قد يبدو متبلدًا أو مستسلمًا لفترة طويلة، لكنه قد ينفجر فجأة بعنف كبير، لأن الداخل ممتلئ بالاحتقان واليأس.
ومن أخطر ما يميز العالم الثالث أنه لا يستثمر في الإنسان نفسه. الكفاءات تُهاجر، والمبدعون يُحاربون، وأصحاب المبادرات يُحاصرون، بينما تتقدم العلاقات الشخصية والولاءات الضيقة على الكفاءة والمعرفة. وهكذا ندخل دائرة مغلقة من قتل الفكر والإبداع والتفكير الحر، وتصبح النجاة الفردية أهم من بناء مجتمع حقيقي قادر على التطور. ومع غياب الأهداف الكبرى والقيم المشتركة، يبحث الناس عن بدائل ضيقة للانتماء، فتزداد الطائفية والعرقية والانقسامات الاجتماعية باعتبارها تعويضًا عن غياب المشروع الجماعي.
إن العيش في عالم ثالث ليس مجرد وصف جغرافي أو اقتصادي، بل تجربة يومية قاسية يعيشها الإنسان في تفاصيل حياته الصغيرة. هو شعور دائم بالازدحام والاختناق والخوف وعدم الثقة. هو الإحساس بأن المستقبل هش، وأن الإنسان يبذل جهدًا هائلًا فقط لكي يعيش حياة عادية. لذلك فإن العيش في عالم ثالث عذاب حقيقي، ليس فقط لأنه يدمر الحاضر والمستقبل، بل لأنه يستهلك روح الإنسان نفسها ويجعله يعيش دائمًا بين القلق والغضب ومحاولة النجاة.
وفي العالم الثالث أيضًا تتآكل فكرة العدالة بالتدريج. الناس لا يشعرون بأن الفرص متساوية، لذلك يفقدون الثقة بالعمل الجاد وحده، ويبدأ كثيرون بالبحث عن الطرق المختصرة للوصول. يصبح النجاح مرتبطًا بالعلاقات أو النفوذ أكثر من ارتباطه بالكفاءة، ويتحول الإحباط إلى جزء طبيعي من الحياة اليومية. حتى الأحلام البسيطة، مثل الحصول على وظيفة محترمة أو بيت آمن أو تعليم جيد، تبدو أحيانًا وكأنها معركة طويلة تستنزف الإنسان نفسيًا وعاطفيًا. ولهذا تنتشر السخرية السوداء بين الناس باعتبارها وسيلة دفاع ضد القهر والخيبة، ويصبح الضحك أحيانًا محاولة للهروب من واقع ثقيل لا يتغير بسهولة.
ورغم كل ذلك، يبقى الإنسان في العالم الثالث قادرًا على الصبر والمقاومة ومحاولة الاستمرار. لكنه يعيش دائمًا وهو يشعر بأن حياته مؤجلة، وأن ما يستحقه من كرامة وعدالة وفرص ما زال بعيدًا عنه. لهذا يصبح الحلم بالهجرة عند كثيرين ليس رفاهية، بل محاولة للبحث عن مكان يشعرون فيه بأن الإنسان له قيمة، وأن القانون يمكن أن يحميه بدل أن يرهقه أو يهدده باستمرار.




