تراجع شعبية إسرائيل بشكل حاد يعود إلى حرب غزة والحرب مع إيران، لكنه في الواقع مسار يتراكم منذ عقود. واليوم نشهد أخيرًا نتائجه السياسية.
قد يُعذر البعض إن فاتهم استطلاع مهم لمركز بيو للأبحاث صدر في اليوم نفسه الذي كان فيه العد التنازلي يقترب من تهديد دونالد ترامب بتدمير الحضارة الإيرانية. في 7 أبريل، نشر مركز بيو بيانات حول المواقف تجاه إسرائيل في الولايات المتحدة، وكانت الأرقام قاسية للغاية بالنسبة للدولة التي تصف نفسها باليهودية. ما تكشفه هذه البيانات هو أن الجمهور الأمريكي أصبح أكثر إدراكًا بأن الروايات التي رُوّجت لعقود لتبرير العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية ليست صحيحة. ومع تهاوي هذه الروايات، يحدث تحول سياسي كبير في مراكز القوة داخل الولايات المتحدة فيما يتعلق بالدعم الرسمي لإسرائيل.
يفيد مركز بيو أن 60% من البالغين في الولايات المتحدة لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، ارتفاعًا من 53% خلال عام واحد، وزيادة تقارب 20 نقطة منذ عام 2022. وعند تفصيل الأرقام حسب الفئات، تصبح الصورة أكثر قتامة:
بين الديمقراطيين، ارتفعت نسبة النظرة السلبية من 69% إلى 80% خلال عام واحد، مقارنة بـ53% في 2022.
بين الجمهوريين،على تبلغ النسبة الإجمالية 41%، لكنها تصل إلى 57% بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عامًا، بعد أن كانت 50% العام الماضي. أما بين الديمقراطيين الشباب فتصل إلى 84%.
كما تراجعت الشعبية بين الرجال دون سن 50 من -3 في 2022 إلى -22 في 2025، وتبلغ اليوم -47، وهي الفئة نفسها التي صوتت بكثافة لترامب في 2024.
ومن أبرز نتائج الاستطلاع أن الصهيونية فقدت دعم الشباب بوتيرة متسارعة، ما يشير إلى أن التحول بنيوي وليس مؤقتًا.
جزء لافت في الاستطلاع كان سؤالًا حول ثقة الأمريكيين برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في “فعل الصواب” في الشؤون الدولية، وهو سؤال يفترض ضمنيًا وجود ثقة طبيعية لدى الأمريكيين بقيادة أجنبية. كما يوحي بأن تغيير القيادة في إسرائيل قد يعيد الأمور إلى نصابها، لكن استبدال نتنياهو بشخصيات مثل يائير لابيد أو بيني غانتس لن يغير المسار الذي تسير فيه إسرائيل منذ 1948.
تشير نتائج الاستطلاع إلى انكشاف طبيعة المشروع القومي الإثني الاستيطاني. وبغض النظر عن من يشغل منصب رئيس الوزراء، فإن إسرائيل — بحسب هذا الطرح — لن تتخلى طوعًا عن مشروعها التوسعي، الذي بدأ قبل أكثر من قرن في فلسطين وامتد إلى لبنان وسوريا وإيران.
ويُطرح أن هذا المشروع لا يمكن استمراره إلا عبر الحروب المستمرة، التي يُتوقع من الأمريكيين تمويلها دون اعتراض. لكن عددًا متزايدًا من الأمريكيين بدأ يرفض هذا الواقع.
بالنسبة لملايين الأشخاص، تغيّرت مواقفهم السياسية تجاه إسرائيل والفلسطينيين بعد متابعة حرب تُبث مباشرة لأكثر من عامين. وبينما ضخت إدارة بايدن مليارات الدولارات لدعم الحرب على غزة، كان الأمريكيون يواجهون مشكلات داخلية مثل تدهور البنية التحتية، ونظام صحي مكلف، وارتفاع أسعار السكن والغذاء.
ثم جاء ترامب، الذي واصل إرسال الأسلحة لإسرائيل عبر آليات طارئة تتجاوز موافقة الكونغرس، ودعم الحرب مع إيران. وتُظهر أرقام بيو أن هذا الاتجاه في الرأي العام مستمر منذ أوائل الألفية.
الانعكاسات السياسية لهذا التحول بدأت تظهر في واشنطن وخارجها. فمنذ 1967، كان الدعم الأمريكي لإسرائيل محل إجماع بين الحزبين، لكن الديمقراطيين بدأوا بالابتعاد تدريجيًا عن هذا الموقف خلال العقد الماضي، وتسارع التراجع مؤخرًا.
ويُعزى ذلك إلى عدة عوامل، منها التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، والحروب المتكررة على غزة التي أصبحت مرئية بشكل غير مسبوق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وارتباط قضايا العدالة الاجتماعية بحركة التضامن مع الفلسطينيين.
وفي المعسكر الجمهوري، ورغم استمرار الدعم التقليدي لإسرائيل، تظهر بوادر انقسام، خاصة مع تراجع حماس بعض الإنجيليين، وانتقادات شخصيات إعلامية بارزة للحرب مع إيران والعلاقة مع إسرائيل.
كما يشعر بعض أنصار حركة “MAGA” بخيبة أمل من السياسات الحالية، خاصة في ظل قضايا مثل ملفات إبستين التي لم تُكشف بالكامل.
وصلت نظرة الأمريكيين لإسرائيل إلى نقطة تحول، حيث إن مشاهد القتل الواسع والدمار لم تعد مقبولة لدى قطاعات واسعة، خصوصًا مع إدراك أن الولايات المتحدة تمول ذلك.
يعكس استطلاع بيو، الذي أُجري خلال الأسبوع الرابع من الحرب مع إيران، هذه التحولات، ويشير إلى معركة سياسية قادمة.
في مجلس الشيوخ هذا الشهر، صوّت عدد كبير من الديمقراطيين لمنع بيع قنابل وجرافات لإسرائيل، في خطوة وُصفت بالتاريخية، رغم فشلها بسبب معارضة الجمهوريين.
كما بدأت مؤشرات هذا التحول تظهر في الحملات الانتخابية، حيث يتجنب بعض المرشحين الديمقراطيين دعم لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC).
ويأتي هذا رغم الميزانيات الضخمة للدعاية الإسرائيلية ونفوذ جماعات الضغط، ما يشير إلى أن المال لا يستطيع دائمًا تغيير الرأي العام.
Latest polling paints dire picture for Israel in U.S. politics




