هآرتس
الحرب في إيران، مقتل المدنيين في لبنان، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية – كلها ليست سوى جزء من أسباب التوتر المتصاعد حتى مع دول كانت تُعد صديقة. تعليق مذكرة التفاهم مع إيطاليا، إلى جانب فقدان “الفيتو” المجري داخل الاتحاد الأوروبي، يشكلان إشارة مقلقة.
تحولت صورة الغلاف لمجلة “L’Espresso” الإيطالية الشهيرة الأسبوع الماضي إلى حادثة دبلوماسية إضافية ضمن سلسلة أحداث تشير إلى أزمة في العلاقات بين إسرائيل وإحدى أكبر الدول الصديقة لها في أوروبا. تظهر في الصورة شاب ذو سوالف طويلة، يرتدي زيًا عسكريًا ويحمل بندقية، يبتسم أثناء تصويره لامرأة ترتدي الحجاب، تبدو على وجهها ملامح القلق. ويقف الاثنان على خلفية شجرة ونباتات وتل.
ملامح وجه الشاب وتعابيره بدت وكأنها مأخوذة من كاريكاتير معادٍ للسامية. سارع السفير الإسرائيلي في إيطاليا، يوناتان بيلد، إلى إدانة صورة الغلاف واعتبارها “مضللة”. وكتب: “الصورة تشوه الواقع المعقد الذي تضطر إسرائيل للتعايش معه، وتعزز الصور النمطية والكراهية. الصحافة المسؤولة يجب أن تكون متوازنة وعادلة”. ورد نائب رئيس تحرير المجلة بمقال لاذع يمكن تلخيصه بعبارة: “نحن فقط نضع أمامكم مرآة”. وانتشر الرد على نطاق واسع، إلى جانب صورة الغلاف.
في الوقت نفسه، تصاعد التوتر أيضًا على المستوى السياسي. بعد أقل من أسبوعين على زيارة رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، لدول الخليج خلال الحرب، وصل وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلى بيروت. جاءت الزيارة بعد أيام من الهجمات الواسعة التي نفذتها إسرائيل في لبنان، بما في ذلك وسط بيروت، دون إنذار مسبق. وقد أُطلق على موجة الهجمات في إسرائيل اسم “الظلام الأبدي”، بينما سُميت عالميًا “الأربعاء الأسود”. ووفقًا للجيش الإسرائيلي، قُتل 250 مقاتلًا من حزب الله، بينما بلغ إجمالي القتلى بحسب وزارة الخارجية اللبنانية 357، إضافة إلى مئات الجرحى.
قبل ساعات من زيارة تاياني، تحدث معه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في محاولة استباقية. وبحسب بيان ساعر، قال إن “الهجوم الناجح أسفر عن مقتل أكثر من 200 عنصر من حزب الله، مع بذل جهد لتقليل الضرر على المدنيين”. كما حاول تبرير معارضة إسرائيل لوقف إطلاق النار في لبنان، قائلاً إن “منح إيران القدرة على تحديد موعد وقف إطلاق النار هو خطأ خطير يعزز نفوذها في لبنان”. وبعد ثلاثة أيام، حصلت إيران على ما أرادت، لكن الجهد الدبلوماسي فشل قبل ذلك.
بعد وصوله إلى بيروت، كتب تاياني أنه جاء للتعبير عن التضامن في ظل “الهجمات الإسرائيلية غير المقبولة على السكان المدنيين”. وفي نفس المساء، تم استدعاء السفير الإيطالي في إسرائيل، لوكا فيراري، حيث أكدت له إسرائيل أن الغالبية الساحقة من القتلى اللبنانيين هم مقاتلون، وتم التأكيد على معاناة سكان الشمال في إسرائيل. وفي اليوم التالي، علّقت ميلوني مذكرة التفاهم مع إسرائيل، ضمن سياسة بدأت منذ المراحل الأولى لحرب غزة تقضي بعدم بيع الأسلحة لإسرائيل.
قال أرتورو فارفيللي، رئيس فرع روما في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، إن هذه الخطوة “رمزية أكثر منها عملية”، لكنها تعكس أن إيطاليا ترى سلوك إسرائيل “غير مقبول”، خاصة فيما يتعلق بالضغط على قوات اليونيفيل. وأضاف أن الحكومة الإيطالية لا تعتبر الاحتكاكات مع اليونيفيل مجرد حوادث عرضية.
إيطاليا هي أكبر مساهم في قوات اليونيفيل بأكثر من 700 جندي. لكن هناك أسباب أخرى لتغير نبرة إيطاليا تجاه إسرائيل: الحرب في إيران تؤثر سلبًا على الاقتصاد الإيطالي المعتمد على الطاقة من الخليج، وخاصة الغاز من قطر، كما أن ميلوني تحاول التمايز عن ترامب ونتنياهو أمام الرأي العام المحلي، الذي أصبح أكثر انتقادًا لإسرائيل.
الإهانات كنهج دبلوماسي
اندلعت الأزمة مع إيطاليا في نفس الأسبوع الذي خسرت فيه إسرائيل حليفها الأقرب في أوروبا، فيكتور أوربان، بعد هزيمته في الانتخابات في المجر. وفي الأسبوع نفسه، أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن قلقه العميق من الوضع في الضفة الغربية، مؤكدًا أنه “لا يجب أن يكون هناك ضم فعلي”، وكتب ذلك علنًا.
ورد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشكل حاد، مطالبًا ميرتس “بالاعتذار ألف مرة باسم ألمانيا بدل إلقاء المواعظ”، وأضاف أن “الألمان لن يعيدونا إلى الغيتوهات”. وفي الوقت نفسه، وصف السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل لايتر، فرنسا بأنها “تأثير غير إيجابي”، مشيرًا إلى ضرورة منعها من التدخل في المفاوضات مع لبنان.
يتجلى التدهور في العلاقات مع أوروبا في عدة مجالات، من شعور السياح الإسرائيليين بعدم الأمان، إلى صعوبات في استيراد الأسلحة. ومن أخطر الساحات بروكسل، حيث قد تظهر تداعيات هذا التدهور.
قانون عقوبة الإعدام للفلسطينيين، الحرب مع إيران، مقتل المدنيين في لبنان، عنف المستوطنين، والأزمة في غزة – كلها عوامل تدفع أوروبا إلى فقدان صبرها.
من المتوقع اتخاذ خطوات قريبة، منها توسيع العقوبات الأوروبية على مستوطنين ومنظمات يمينية متطرفة، خاصة بعد احتمال رفع الفيتو المجري. وحتى الآن، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على 9 إسرائيليين و5 منظمات، لكن توسيعها كان معرقلًا من المجر.
لكن التحديات أوسع من ذلك. في القدس، يتم خوض معركة لمنع تعليق جزئي لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. تعليق الاتفاق لا يتطلب إجماعًا، بل أغلبية مؤهلة، ما يجعل موقف ألمانيا وإيطاليا حاسمًا.
انتقادات داخلية لأسلوب الدبلوماسية الإسرائيلية
في إسرائيل، هناك من ينتقد أسلوب الحكومة، معتبرين أن الخطاب الدفاعي المتكرر، وعدم الاعتراف بالأخطاء، يضر بالعلاقات. ويرى البعض أن التعبير عن الأسف لمقتل المدنيين في لبنان كان يمكن أن يخفف التوتر مع إيطاليا.
كما أن تصريحات مسؤولين إسرائيليين حول “تسوية القرى” في لبنان أو ضم أراضٍ لا تساعد في تحسين الحوار مع أوروبا.
في لقاء جمع ساعر مع سفراء أجانب، وصف دبلوماسيون الأجواء بأنها “متوترة”، وقالوا إن النقاش كان تكرارًا لمواقف معروفة. وعندما عبّر سفير الاتحاد الأوروبي عن خيبة أمل من لهجة إسرائيل، رد ساعر بأن إسرائيل أيضًا خائبة من الاتحاد.
المخاطر المستقبلية
تسعى الدبلوماسية الإسرائيلية حاليًا إلى إقناع الدول الأوروبية بالفصل بين الحكومة والشعب، وتأجيل أي خطوات عقابية حتى الانتخابات القادمة.
في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المرتقب، سيُعاد طرح مسألة تعليق الاتفاق. وفي رسالة شديدة اللهجة، دعت إسبانيا وسلوفينيا وإيرلندا إلى اتخاذ إجراءات، مشيرة إلى قانون الإعدام، الوضع في غزة، والانتهاكات في الضفة.
كما حذرت إسرائيل من احتمال استبعادها من برنامج “Horizon Europe” للأبحاث (2028–2034)، وهو ما قد يضر بقطاع التكنولوجيا والبحث العلمي لديها.
بالإضافة إلى ذلك، وصلت عريضة تطالب بتعليق اتفاق الشراكة مع إسرائيل إلى مليون توقيع داخل الاتحاد الأوروبي، وهو رقم يُلزم المفوضية الأوروبية بالنظر




