د. أحمد رفيق عوض
رئيس مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
العشيرة أو الحمولة، في حالتنا الفلسطينية، ليست مجرد إطار اجتماعي عابر، وليست مجرد اسم عائلة كبير أو شبكة علاقات، وإنما هي في الحقيقة المحضن الأول، المدرسة الأولى، والمكان الذي يتعلّم فيه الإنسان أولى قواعد السلوك، وأولى معاني الانتماء، وأولى أشكال الضبط. هناك، داخل هذا الإطار الضيق نسبياً، يتشرّب الفرد لغته، وثقافته، وقيمه، وحتى نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين.
ولذلك، حين نتحدث عن المجتمع، لا يمكن أن نتعامل مع العشيرة كأنها تفصيل صغير، أو كأنها بقايا من الماضي، لأنها في الحقيقة كانت، وما زالت، واحدة من أهم الوحدات التي حافظت على تماسك هذا المجتمع، ووفّرت له نوعاً من الاستمرارية، خصوصاً في لحظات الانكسار والضعف.
بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، والقول إن الأوطان نفسها، أو الدول إذا أردنا الدقة، لم تنشأ من فراغ، وإنما نشأت من اجتماع هذه الوحدات الصغيرة، من تلاقي العائلات، والقبائل، والحمائل، واتفاقها، أو اضطرارها، على العيش ضمن إطار أوسع. بهذا المعنى، العشيرة ليست نقيض الدولة، بل هي أحد الأسس التي قامت عليها الدولة.
لكن، وهنا المفارقة، الدولة شيء آخر تماماً. الدولة ليست عشيرة كبيرة، وليست امتداداً للحمولة، وإنما هي كيان مختلف، قائم على القانون، وعلى المعايير العامة، وعلى فكرة أن الجميع متساوون أمام هذا القانون. في الدولة، لا يُحتكم إلى اسم العائلة، ولا إلى وزنها، ولا إلى عدد أفرادها، بل يُحتكم إلى نص قانوني واضح، وإلى دستور، وإلى مؤسسات.
ومن هنا، تصبح الدولة أكبر من العشيرة، وأوسع، وأكثر تعقيداً، والأهم أنها أكثر عدالة – على الأقل في الفكرة – لأنها تفترض أن الجميع، مهما كانت أصولهم، يخضعون للمعيار نفسه.
في حالتنا الفلسطينية، القصة أكثر تعقيداً. نحن لم نعش تجربة دولة مستقرة ومكتملة حتى نقول إن الدولة أخذت مكان العشيرة. بالعكس، في كثير من المراحل، ومنذ أيام الانتداب البريطاني، مروراً بكل أشكال الاحتلال التي عرفناها، كان هناك غياب واضح للدولة، أو ضعف شديد في حضورها، وهذا ما أعطى العشيرة دوراً أكبر مما هو مفترض.
العشيرة، في هذه الحالة، لم تكن بديلاً عن الوطن، ولم تكن ضد الفكرة الوطنية، لكنها ملأت فراغاً. حين يغيب القانون، تحضر العشيرة. حين تضعف المؤسسات، تقوى الحمولة. حين يشعر الفرد أنه مكشوف، يبحث عن حماية، وغالباً ما يجدها في أقرب دائرة إليه.
لكن هذا الدور، على أهميته، لم يكن دائماً إيجابياً. في لحظات كثيرة، ونتيجة التنافس العائلي، ونتيجة سياسات الاحتلال التي شجّعت الانقسام، ونتيجة ضعف النخب السياسية، تحولت هذه البنية إلى عامل إضعاف للحراك الوطني، ليس لأنها تريد ذلك، بل لأنها تعمل وفق منطقها الخاص، منطق الحماية والمصلحة المباشرة.
اليوم، ومع كل ما نعيشه من ضعف أحزاب، وتراجع فصائل، وضغط اقتصادي، وتغيّر في التعليم، وتراجع في الوازع الديني والاجتماعي، عادت العشيرة لتتقدم المشهد من جديد، بل أحياناً لتغطي على غيرها. حتى القوى السياسية نفسها، في بعض الحالات، تتوارى خلف العشيرة، أو تستند إليها، إما خوفاً، أو عجزاً، أو حسابات معقدة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. لأن القوة التي كانت تحمي، يمكن أن تتحول إلى قوة تدمير إذا خرجت عن حدودها. حين يصبح الولاء للعشيرة أعلى من الولاء للوطن، وحين تصبح المصلحة الضيقة أهم من الهدف العام، فإننا لا نكون أمام تماسك اجتماعي، بل أمام تفكك مقنّع.
وهذا ما نراه في مظاهر العنف المتزايدة، في المشاجرات الطويلة، في استخدام السلاح بشكل عبثي، في عجز الحلول العشائرية أحياناً عن إنهاء النزاعات، أو حتى في تعقيدها. لم يعد الإصلاح العشائري، بصيغته التقليدية، كافياً، لأن الظروف تغيّرت، والسلاح تغيّر، والناس تغيّرت.
أضف إلى ذلك البطالة، وضيق المكان، وضغط الاحتلال، وغياب الأفق، وضعف النماذج القيادية، فتجد نفسك أمام مشهد قاسٍ: عنف داخلي، مستمر، ومؤلم، ويأكل من رصيد المجتمع كل يوم.
لهذا، المسألة ليست في إلغاء العشيرة، ولا في شيطنتها، فهذا غير ممكن وغير منطقي. المسألة في إعادة تعريف دورها. أن تبقى حاضنة للتربية، للقيم، للتماسك، لكن ضمن سقف الدولة، وليس بديلاً عنها. أن تكون جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة.
وفي المقابل، لا يمكن أن نطلب من العشيرة أن تتراجع، بينما الدولة غائبة أو ضعيفة. لا بد من استعادة فكرة القانون، وتعزيز المؤسسات، والبحث عن قواسم مشتركة، وإنهاء الانقسام، وإعادة الاعتبار للتعليم، ولخطاب الوعظ والإرشاد، ولرجال الإصلاح الحقيقيين.
في النهاية، لا يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله وهو غارق في صراعاته الداخلية، ولا يمكن لوطن أن يتماسك إذا كانت ولاءات أبنائه موزعة ومتنازعة. والتحدي، كما يبدو، ليس في الاختيار بين العشيرة والدولة، بل في القدرة على وضع كل منهما في مكانه الصحيح، دون أن يبتلع أحدهما الآخر.




