امطانس شحادة
منذ اندلاع الحرب على إيران، كان واضحًا أن اندلاع صراع في منطقة استراتيجية لأسواق الطاقة والنفط ستكون له تداعيات اقتصادية واسعة على الاقتصاد العالمي. وكما كان للحرب في أوكرانيا آثار اقتصادية عالمية تجلّت في ارتفاع أسعار الغاز والنفط، لا سيما في أوروبا، وارتفاع أسعار الحبوب، مما أدى إلى موجة تضخم عالمية طالت غالبية دول العالم، فإن الحال لا يختلف في الحرب على إيران وحزب الله، حيث تمتد تداعياتها الاقتصادية إلى مختلف دول العالم، وإن بدرجات متفاوتة من الحدة.
أدّت الحرب فعليًا إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما ينعكس في زيادة أسعار معظم السلع والخدمات. كما أسهم ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب تراجع الإنتاج وتباطؤ النشاط الاقتصادي في بعض الدول، مثل دول جنوب شرق آسيا التي تعتمد أساسًا على استيراد النفط من الخليج، في دفع معدلات التضخم إلى الارتفاع في معظم أنحاء العالم.
فعلى سبيل المثال، بلغ معدل التضخم في شهر آذار/مارس الماضي نحو 3% في الولايات المتحدة، وهي نسبة تُعدّ مرتفعة نسبيًا. ويعني ارتفاع التضخم استمرار البنوك المركزية في فرض أسعار فائدة أساسية مرتفعة، الأمر الذي يقيّد عمليات النمو الاقتصادي ويحدّ من وتيرتها.
الاقتصاد دافع لوقف إطلاق النار
يرى العديد من المحللين أن الآثار الاقتصادية للحرب على إيران في الأسواق العالمية، ولا سيما على الاقتصاد الأميركي وارتفاع أسعار النفط والوقود، قد لعبت دورًا محوريًا في قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ولو كان ذلك بشكل مؤقت حتى الآن.
أما في إسرائيل، فنجد أن الآثار الاقتصادية للحرب قد تُرجمت حتى الآن أساسًا من خلال تخصيص ميزانية تُقدَّر بنحو 39 مليار شيكل لوزارة الأمن، مع توقعات بأن تصل الكلفة الإجمالية للحرب إلى نحو 64 مليار شيكل.
وحتى الآن، لم تنعكس الأعباء الاقتصادية بشكل واضح في ارتفاع الأسعار أو معدلات التضخم أو البطالة، كما حدث، على سبيل المثال، في الاقتصاد الأميركي. كما لم تظهر آثار مشابهة لما حدث في بعض دول جنوب شرق آسيا، التي شهدت نقصًا حادًا في الوقود والنفط، واضطرت إلى تقليص أيام العمل.
في حين كان للأثمان الاقتصادية في الولايات المتحدة دورٌ مركزي في تصاعد الضغوط السياسية على الإدارة الأميركية للتوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار، لم نشهد في حالة المجتمع الإسرائيلي تأثيرًا يُذكر لهذه الأثمان الاقتصادية المتوقعة للحرب على مواقفه وسلوكياته الداعمة لها. كما لم تظهر ضغوط جدّية على الحكومة للمطالبة بوقف الحرب. بل على العكس، برزت دعوات تدعو إلى استمرارها.
صحيح أن المجتمع الإسرائيلي المجنّد والمعسكر أصلًا يدعم بشكل فوري أي خطوة أمنية وعسكرية تتخذها الحكومة، ويتبنى الرواية الرسمية ويرددها، تمامًا كما تعمل كافة أحزاب المعارضة وغالبية وسائل الإعلام، خاصة بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. لكن إلى جانب ذلك، يبدو أنه على الرغم من التكلفة المالية والاقتصادية المرتفعة للحرب، فإن هذه التكلفة لم تنعكس حتى الآن بشكل ملموس وجدي في المؤشرات الاقتصادية الأساسية، ولم تصل آثارها المباشرة إلى جيب المواطن الإسرائيلي. أضف إلى ذلك أن الاقتصاد الإسرائيلي، على ما يبدو، قد اعتاد العمل في ظل أزمات شبه دائمة منذ جائحة كورونا. هذه العوامل قد تفسّر أيضًا عدم تحوّل الوضع الاقتصادي إلى مصدر ضغط فعلي على صنّاع القرار.
تضخم مالي محدود
نشرت دائرة الإحصاء المركزية يوم الأربعاء 15 نيسان/أبريل مؤشر أسعار المستهلك لشهر آذار/مارس، والذي يُفترض أن يعكس تأثيرات الحرب على إيران على معدلات التضخم في إسرائيل. وعلى الرغم من تداعيات الحرب، ارتفع المؤشر بنسبة 0.4% فقط، ما يعني تباطؤ معدل التضخم السنوي من 2% إلى 1.9%. وبذلك، يُتوقّع أن يبقى معدل التضخم خلال عام 2026 ضمن النطاق المحدد من قبل بنك إسرائيل، بين 1% و3% سنويًا.
ارتفاع المؤشر جاء وفقًا للتوقعات، ويعكس زيادات ملحوظة في الأسعار في بنود الخضروات الطازجة، التي ارتفعت بنسبة 5.2%؛ والملابس، التي ارتفعت بنسبة 3.0%؛ والنقل والاتصالات، التي ارتفعت بنسبة 0.4%. في المقابل، سُجِّلت انخفاضات ملحوظة في الأسعار في بنود الأثاث والمعدات المنزلية وبند “متفرقات”، حيث انخفض كلٌّ منهما بنسبة 0.3%. كما ارتفعت أسعار تذاكر الطيران بشكل خاص بنسبة 1.1%، بالأساس نتيجة الحرب وإغلاق الأجواء وتوقف حركة الطيران من وإلى إسرائيل.
وفيما يتعلق بأسعار إيجارات السكن، فقد سُجِّلت زيادة بنسبة 2.2% لدى المستأجرين الذين جددوا عقودهم، في حين بلغت الزيادة 5.9% لدى المستأجرين الجدد (أي الشقق التي شهدت تبدّلًا في المستأجر).
ومن المهم الإشارة إلى أن بند الإيجارات يشكّل نحو 20% من مجمل مكونات مؤشر أسعار المستهلك، وبالتالي فإن التغيرات في هذا القطاع تؤثر بشكل كبير في دفع المعدل العام نحو الارتفاع مقارنة ببقية الفروع الاقتصادية.
من هنا يمكن القول إن البنود الاقتصادية التي كان من المتوقع أن تتأثر بشكل مباشر بالحرب لم تنعكس بعد في مؤشر غلاء المعيشة لشهر آذار/مارس، مثل ارتفاع أسعار الوقود الذي دخل حيّز التنفيذ مع بداية شهر نيسان/أبريل، أو الزيادة في أسعار بعض السلع المستوردة. مع الإشارة إلى أن غالبية واردات الوقود في إسرائيل تأتي من دول خارج منطقة الخليج العربي، ولا سيما أذربيجان، الأمر الذي حال دون حدوث نقص حاد في تزويد الوقود في البلاد. فضلًا عن ذلك، تحوّلت إسرائيل منذ أكثر من عقد إلى دولة منتجة ومصدّرة للغاز الطبيعي، مع اعتماد أسعار شبه ثابتة في السوق المحلية بفضل عقود طويلة الأمد؛ ولذلك لم يتأثر الاقتصاد الإسرائيلي بشكل يُذكر بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عالميًا. بل يمكن القول إن إسرائيل قد استفادت، في هذا السياق، من ارتفاع الأسعار العالمية للطاقة، وكذلك من إغلاق مضيق هرمز.
تراجع سعر الدولار يخفف من الآثار الاقتصادية
عاملٌ آخر خفّف من احتمالات ارتفاع الأسعار ومن تضرّر المستهلك في إسرائيل، وشكّل عنصر دعم للاقتصاد، يتمثّل في تراجع سعر صرف الدولار مقابل الشيكل. فقد انخفض سعر صرف الدولار إلى نحو 3 شواكل، وذلك للمرة الأولى منذ نحو 30 عامًا.
أدّى تراجع سعر صرف الدولار إلى التخفيف من ارتفاع أسعار الوقود، وكذلك من تكاليف السفر والطيران والسلع المستوردة، ما جعله عاملًا مُخفِّفًا لمعدلات التضخم. كما يساهم انخفاض الدولار في تقليص عبء الدين الخارجي الإسرائيلي، الذي يكون غالبًا مقوّمًا بالدولار، ويحدّ من حجم مدفوعات خدمة الدين (الأصل والفوائد) ضمن الميزانية الحكومية.
في المقابل، فإن تراجع سعر صرف الدولار ينعكس سلبًا على أرباح الصناعات الإسرائيلية المعتمدة على التصدير، بما في ذلك صادرات الأسلحة وقطاعات التكنولوجيا المتقدمة (الهاي تك). وقد يقود ذلك إلى آثار أوسع، مثل انخفاض الإيرادات الضريبية، وربما تسريح عمّال وارتفاع معدلات البطالة.
قد تدفع هذه التأثيرات المتناقضة محافظ بنك إسرائيل إلى التدخل في سوق الصرف، من خلال شراء كميات كبيرة من الدولار للحدّ من انخفاضه ومنع تحوّله إلى عامل سلبي على الاقتصاد. إلا أن البنك المركزي لم يتدخل حتى الآن في سوق العملات، مستندًا إلى عدم وجود ما يُعدّ فشلًا في السوق حتى هذه المرحلة، وكذلك إلى أن ضعف الدولار ظاهرة عالمية لا تقتصر على إسرائيل، وإن كان التراجع في حالتها أكثر حدّة، إذ انخفض بنحو 10% مقابل العملات الرئيسية منذ بداية عام 2025.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن تفسير عدم تدخل البنك المركزي أو الحكومة في سعر صرف الدولار، وفقًا للمحلل الاقتصادي سامي بيرتس في صحيفة ذي ماركر (16 نيسان/أبريل)، بأن الرئيس دونالد ترمب راضٍ عن تراجع أسعار الدولار عالميًا ويصفه بأنه “رائع”، ويرى فيه وسيلة لتعزيز الصادرات الأميركية وتقليل عبء الدين القومي الضخم (نحو 39 تريليون دولار)، إلى جانب سياسة الرسوم الجمركية التي يتبعها. وفي هذا السياق، فإن أي تدخل إسرائيلي في السوق بهدف كبح تراجع الدولار قد يُفسَّر من قبل ترمب على أنه تلاعب بالعملة الأميركية، ويمكن توقّع رد فعله في حال أقدمت دولة حليفة قريبة مثل إسرائيل على خطوة كهذه. ولا يعود ذلك إلى كون إسرائيل لاعبًا محوريًا في السوق العالمية، بل إلى ما قد تشكّله هذه الخطوة من سابقة تشجّع دولًا أخرى على اتخاذ إجراءات مماثلة. لذلك، لا تبدو الحكومة معنية بأن تكون الأولى في إثارة استياء ترمب في هذا الملف.
لذلك يمكن القول إن رغبة المجتمع الإسرائيلي في استمرار الحرب، وعدم دعمه لوقف إطلاق النار كما تُظهر غالبية استطلاعات الرأي، لا تنبع فقط من مستوى الدعم المرتفع لاستخدام القوة ومن حالة التعبئة العامة في المجتمع، بل تتأثر أيضًا بغياب تأثير اقتصادي مباشر وملموس للحرب على حياة المواطنين حتى الآن.
ويبدو أن المجتمع الإسرائيلي يرى أن الاقتصاد قادر على تحمّل الكلفة المالية والاقتصادية المرتفعة للحرب، كما حدث منذ عام 2023، وأن هذه الكلفة لا ينبغي أن تؤدي إلى تغيير في السياسات الأمنية أو إلى وقف العمليات العسكرية.




