خاص الرقيب
رام الله – قدّم وكيل وزارة العمل، سامر سلامة، قراءة معمّقة وشاملة لتحولات سوق العمل الفلسطيني، كاشفًا عن أرقام دقيقة وتحديات بنيوية وفرص كامنة، وذلك خلال مقابلة إذاعية مطوّلة على إذاعة الرقيب.
أرقام حقيقية تكسر الروايات المتداولة
استهل سلامة حديثه بتوضيح الأرقام المتعلقة بالعمالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر قبل 7 أكتوبر، مشيرًا إلى أن عدد العمال الحاصلين على تصاريح رسمية بلغ نحو 95 ألف عامل، إضافة إلى ما يقارب 35 ألف عامل في المستوطنات. كما قدّر وجود نحو 70 ألف عامل آخرين كانوا يعملون بطرق اخرى أو عبر تصاريح لأغراض مختلفة (تجارة، علاج، وغيرها).
وأكد أن العدد الإجمالي الحقيقي للعمالة الفلسطينية كان بحدود 130 ألف عامل، وليس 200 ألف كما يتم الترويج له، معتبرًا أن تضخيم الأرقام يضر بوضوح التشخيص الاقتصادي.
العمالة المهرة: من “الداخل” إلى السوق المحلي
ركّز سلامة على أن الشريحة الأهم من هذه العمالة هي العمالة الماهرة، خاصة في قطاعي البناء والزراعة، موضحًا أن قطاع البناء وحده كان يستحوذ على نحو 60% من العمالة الفلسطينية داخل إسرائيل.
وبيّن أن هذه الفئة – من فنيين وحرفيين وتقنيين – لم تكن “عمالة عادية”، بل محترفين نقلوا خبراتهم إلى الداخل الفلسطيني بعد توقف العمل، حيث نجح كثير منهم في:
- إيجاد فرص عمل محلية
- إنشاء مشاريع خاصة
- المساهمة في تطوير قطاعات إنتاجية
وفي المقابل، أوضح أن العمالة غير الماهرة هي التي كانت تميل للعمل بطرق غير قانونية، كالتسلل عبر الحواجز، وغالبًا ما كانت تعمل في وظائف منخفضة المهارة.
نهضة زراعية وفرص غير مستثمرة
أشار سلامة إلى أن السوق الفلسطيني بدأ يشهد تحولات إيجابية، خصوصًا في القطاع الزراعي، مستشهدًا بما وصفه بـ”النهضة الزراعية” في بعض المناطق، والتوسع الكبير في زراعة التمور.
وأوضح أن هذا التطور جاء نتيجة نقل الخبرات من العمل في الداخل إلى السوق المحلي، ما يعكس وجود فرصة حقيقية لإعادة بناء قاعدة إنتاجية وطنية.
أزمة سياسات لا أزمة إمكانيات
رغم توفر الفرص، شدد سلامة على أن العائق الرئيسي يتمثل في غياب سياسات اقتصادية فعّالة، موضحًا أن:
- ارتفاع تكاليف المياه والكهرباء يثقل كاهل المزارعين
- إغراق السوق بمنتجات إسرائيلية يضعف القدرة التنافسية
- غياب إدارة ذكية للتصدير والاستيراد يؤدي إلى اختلالات (مثل نقص سلع محلية رغم وفرتها)
وأشار إلى أن المشكلة ليست في تبني اقتصاد السوق بحد ذاته، بل في غياب أدوات الحماية والإدارة.
دعوة لحوار وطني وعقد اقتصادي جديد
في أحد أبرز محاور المقابلة، دعا سلامة إلى إطلاق حوار اقتصادي اجتماعي شامل يضم:
- الحكومة
- القطاع الخاص
- العمال
بهدف التوصل إلى “عقد اقتصادي جديد” قائم على التوافق الوطني، يحدد شكل الاقتصاد الفلسطيني للسنوات القادمة، بدل الاكتفاء بحلول جزئية قصيرة المدى.
وأكد أن المطلوب هو الانتقال من معالجة الأزمات اليومية إلى بناء رؤية استراتيجية، عبر خطط خمسية واضحة قابلة للتقييم.
تحديات الحكومة: حماية المؤسسات في ظل الأزمة
تطرق سلامة إلى التحدي الكبير الذي تواجهه الحكومة، والمتمثل في الحفاظ على استقرار المؤسسات العامة، في ظل:
- الأزمة المالية
- تأخر الرواتب
- تراجع الأداء الوظيفي نتيجة الضغوط المعيشية
وحذّر من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى تآكل الكفاءات وتراجع جودة الخدمات العامة.
صمود المجتمع… والحاجة لقيادة اقتصادية جامعة
أشاد سلامة بصمود العمال والموظفين الفلسطينيين، معتبرًا أنهم يشكلون “خط الدفاع الأول” عن استقرار الاقتصاد، رغم الظروف الصعبة وانخفاض الأجور أحيانًا.
وفي المقابل، شدد على أن المرحلة الحالية تتطلب:
- التفافًا وطنيًا حول المؤسسات
- شراكة حقيقية بين جميع الأطراف
- قيادة اقتصادية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص
الخلاصة
اختتم سلامة حديثه بالتأكيد على أن الفلسطينيين أمام لحظة مفصلية، تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء نموذج اقتصادي أكثر استقلالية وصلابة، مشددًا على أن الإمكانيات متوفرة، لكن النجاح مرهون بالإرادة السياسية والتكامل بين مختلف مكونات المجتمع.



