خاص – الرقيب
رجّح الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات استمرار التصعيد العسكري في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، معتبرًا أن المؤشرات السياسية والميدانية الحالية لا توحي بقرب وقف الحرب، بل تشير إلى أن منطق التصعيد ما يزال هو الحاكم للمشهد الإقليمي والدولي.
وقال بشارات في مداخلة إذاعية على اثير الرقيب، إن قراءة السلوك الأميركي والإسرائيلي في هذه المرحلة باتت أكثر تعقيدًا، في ظل تناقضات واضحة في الخطاب السياسي الصادر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يواصل، بحسب وصفه، تبني الرواية الإسرائيلية بشكل شبه كامل، سواء في توصيف أهداف الحرب أو في طبيعة الخطاب المستخدم تجاه إيران وشعبها.
وأوضح أن التركيز الأميركي والإسرائيلي المتكرر على البرنامج النووي الإيراني بوصفه “الهدف المركزي” للحرب، لا يعني بالضرورة أن هذا الهدف قد تحقق أو أنه قابل للتحقق قريبًا، مشيرًا إلى أن إيران ما تزال تحتفظ بأوراق قوة استراتيجية مؤثرة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، إلى جانب تمسكها بموقفها الرافض لأي تهدئة لا تتضمن وقفًا كاملًا للحرب وضمانات واضحة.
وأضاف أن إسرائيل لا تبدو مستعدة للتراجع في هذه المرحلة، لأن أي وقف للحرب دون تحقيق مكاسب ملموسة سيُفسَّر داخليًا على أنه فشل استراتيجي يمس جوهر المشروع الإسرائيلي، وهو ما يدفعها، وفق تقديره، إلى توسيع دائرة الاستهداف والتدمير بدلًا من التوجه نحو تسوية سياسية أو عسكرية قريبة.
ورأى بشارات أن ما يجري يتجاوز الحسابات التقليدية المرتبطة بأسواق الطاقة أو الضغط الاقتصادي العالمي، رغم تأثير هذه العوامل، معتبرًا أن الإدارة الأميركية الحالية تتصرف وفق ما وصفه بـ”سياسة الجنون”، في ظل تراجع دور المؤسسات التقليدية في صناعة القرار داخل الولايات المتحدة، وصعود مجموعة ضيقة من الشخصيات المحيطة بترامب التي باتت تؤثر بشكل مباشر في توجيه السياسة الخارجية والحربية.
وأشار إلى أن هذا التحول في آليات اتخاذ القرار داخل الولايات المتحدة انعكس أيضًا على علاقتها بحلفائها التقليديين، موضحًا أن واشنطن لم تعد تراعي بالقدر الكافي مصالح شركائها الاستراتيجيين، خصوصًا في الخليج وأوروبا، الأمر الذي أدى إلى تراجع الثقة الدولية بقدرة الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي وفق قواعد مستقرة أو متوقعة.
وفي السياق ذاته، اعتبر بشارات أن العالم يشهد بالفعل حالة تفكك متسارعة في المنظومة الدولية، حيث بدأت الدول الكبرى والمتوسطة على حد سواء بإعادة ترتيب علاقاتها وتحالفاتها انطلاقًا من مصالحها المباشرة، بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية التي كانت سائدة في العقود الماضية. وضرب مثالًا على ذلك بما وصفه بـ”التحول الفرنسي” في التعاطي مع أزمة مضيق هرمز، من خلال السعي إلى تفاهمات تضمن مصالحها الاقتصادية المباشرة.
كما لفت إلى أن روسيا والصين تبدوان، في هذه المرحلة، مستفيدتين من حالة الاستنزاف التي تتعرض لها الولايات المتحدة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو العسكري، دون الحاجة إلى الدخول في مواجهة مباشرة معها، مشيرًا إلى أن الفوضى التي تخلقها الإدارة الأميركية الحالية تمنح خصوم واشنطن الدوليين مساحة أوسع لتعزيز نفوذهم ومصالحهم.
وأكد بشارات أن استمرار الحرب بهذا الشكل، من دون أفق واضح للتهدئة، يهدد بتكريس مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، تقوم على منطق القوة المجردة وتراجع الاعتبارات القانونية والأخلاقية، ما ينذر بتحولات أوسع في شكل النظام العالمي وطبيعة التحالفات السياسية والاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.
وختم بالتأكيد على أن الساعات والأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاهات التصعيد، إلا أن المعطيات الحالية، بحسب تقديره، تجعل سيناريو استمرار الحرب أو توسعها أكثر ترجيحًا من أي مسار تهدئة حقيقي.



