العربي الجديد
كشفت تقارير اقتصادية دولية وتحليلات سوقية متقاطعة أن إيران نجحت، رغم الضربات العسكرية الواسعة والضغوط الغربية المتصاعدة، في تحويل الحرب الدائرة في المنطقة إلى مصدر دخل غير متوقع، محققةً قفزة ملموسة في إيراداتها النفطية خلال الأسابيع الخمسة الأولى من الحرب، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، واستمرار تدفقات صادراتها من النفط والغاز، وتعطل منافسيها الإقليميين، إلى جانب إحكام سيطرتها على أحد أهم الممرات النفطية في العالم، وهو مضيق هرمز. وأفاد تقرير نشرته صحيفة كورييري ديلا سيرا، أول من أمس الثلاثاء، بأن طهران باتت تحقق من صادراتها النفطية عائدات تفوق مستويات ما قبل الحرب، إلى درجة أن استهداف منشآت استراتيجية مثل جزيرة خارج لن يؤدي بالضرورة إلى خنقها مالياً، كما كانت تراهن بعض التقديرات الغربية في بداية الحرب.
وتعد جزيرة خارج أحد الأعمدة الحيوية للاقتصاد الإيراني، إذ تمثل مركز الثقل الرئيسي في منظومة تصدير النفط الخام. وتستمد الجزيرة (التي تقع على بعد نحو 500 كيلومتر شمال غرب مضيق هرمز داخل الخليج العربي) أهميتها من موقعها البحري الذي يتيح استقبال ناقلات النفط العملاقة، في وقت تعاني فيه معظم السواحل الإيرانية من ضحالة المياه التي تحد من قدرة الرسو. وتكشف بيانات منصة تتبع الشحنات النفطية “تانكر تراكر” حجم الاعتماد الكبير على الجزيرة، إذ قامت خلال العام الماضي بتحميل نحو 344 ناقلة بإجمالي 572 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات، أي ما يعادل 1.56 مليون برميل يومياً، وهو ما يمثل قرابة 95% من صادرات إيران النفطية. وتدعم هذه القدرة التصديرية بنية تحتية متطورة تشمل 55 خزاناً نفطياً مرتبطة بخطوط أنابيب من البر الرئيسي، ما يجعل الجزيرة عقدة لوجستية رئيسية في تدفقات الطاقة، وليس مجرد ميناء تحميل تقليدي.
ووضعت هذه الأهمية الاستثنائية الجزيرة في صلب الحسابات الأميركية، إذ لوحت واشنطن بإمكانية استهدافها باعتبارها شريان الإيرادات الإيرانية. غير أن هذا الطرح – وفق الصحيفة الإيطالية – يصطدم بتجارب تاريخية سابقة، أبرزها خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات، عندما تعرضت الجزيرة لقصف مكثف من دون أن يؤدي ذلك إلى شل كامل لصادرات النفط. وقد دفعت تلك التجربة طهران إلى إعادة هيكلة منظومة التصدير، بهدف تقليل الاعتماد على نقطة واحدة يمكن استهدافها. وفي هذا الإطار، عملت إيران على تطوير شبكة بدائل تشمل موانئ ونقاط تحميل إضافية، مثل كوه مبارك المرتبطة بخط أنابيب بطول يقارب ألف كيلومتر، إضافة إلى مرافق في جزر لاوان وسيري وقشم، فضلاً عن منافذ ساحلية لتصدير الغاز. ورغم أن هذه البدائل لا تزال أقل قدرة من خارج، فإنها تمنح إيران مرونة تشغيلية مهمة، وتقلل من مخاطر الاختناق الكامل في حال استهداف الجزيرة، ما يجعل منظومة التصدير الإيرانية أكثر تماسكاً وقدرة على الصمود في ظروف الحرب.
كيف حولت إيران الحرب إلى ماكينة أرباح؟
ودفعت الحرب أسعار النفط إلى مستويات قياسية. فقد تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف متزايدة من تعطل الإمدادات في الخليج وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، ووفق بيانات السوق فإن النفط الإيراني، الذي كان يباع قبل الحرب بأقل من 50 دولاراً للبرميل، بات يباع بأسعار تتجاوز 100 دولار، ما يعني أن القيمة السوقية لكل برميل تضاعفت تقريباً خلال فترة قصيرة. ويعد هذا العامل السعري المحرك الأول لزيادة الإيرادات الإيرانية. وأفادت تقديرات نشرها موقع “الطاقة” المتخصص، الأحد الماضي، بأن الإيرادات اليومية لإيران ارتفعت من نحو 115 مليون دولار قبل الحرب إلى حوالي 139 مليون دولار بعد اندلاعها في 28 فبراير/شباط 2026، وهو ما يعني أن إيران باتت تحقق يومياً نحو 24 مليون دولار إضافية مقارنة بفترة ما قبل الحرب، وهو فارق لم ينتج عن زيادة في حجم الإنتاج، بل عن تحسن شروط البيع، وعلى رأسها تقلص الخصومات التي كانت تفرض على النفط الإيراني بسبب العقوبات، حيث انخفض الفارق السعري بين النفط الإيراني وخام برنت – بحسب الموقع – إلى نحو 2.10 دولار للبرميل فقط، بعد أن كان يتجاوز عشرة دولارات قبل الحرب، ما رفع صافي العائد لكل برميل مصدَّر.
وأعلن وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، في منشور عبر قناته بتطبيق تليغرام، أول من أمس الثلاثاء، أن إيران لن تعاني من أي نقص في الوقود رغم التصعيد، وأشار الوزير الإيراني إلى أن الحسومات على مبيعات النفط تقلصت بشكل كبير، فيما ارتفع متوسط سعر البيع للنفط بشكل ملحوظ. وقال: “لا داعي للقلق بشأن إمدادات الوقود، فقد جرى اتخاذ الإجراءات اللازمة في هذا المجال. يمكن للشعب أن يكون مطمئناً بأنه لن تكون هناك أية مشاكل. لقد انخفضت الحسومات على مبيعات النفط بشكل كبير، كما ارتفع متوسط سعر البيع بشكل ملحوظ”. ووفقاً لحسابات أجرتها “العربي الجديد”، فإن هذه الزيادة اليومية، البالغة نحو 24 مليون دولار، لم تبق رقماً ثابتاً، بل تراكمت تدريجياً مع استمرار الحرب يوماً بعد يوم. ومع امتداد هذه الزيادة على مدار خمسة أسابيع متواصلة، تحولت إلى ما يقارب 840 مليون دولار كأرباح إضافية مباشرة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. ويأتي هذا التقدير من خلال تتبع الفارق اليومي في الإيرادات وتعميمه على كامل فترة الحرب، وهو ما يوضح كيف يمكن لتحسن السعر وحده، من دون زيادة الإنتاج، أن يولد أرباحاً ضخمة خلال فترة زمنية قصيرة.
والأحد الماضي، قالت وكالة تسنيم الإيرانية إن صادرات النفط بلغت نحو 1.5 مليون برميل يومياً، مع تسجيل زيادة تصل إلى 50% في المبيعات خلال شهر رمضان. كما أشارت بيانات تتبع الناقلات إلى أن الصادرات الإيرانية تراوحت بين 1.6 و1.8 مليون برميل يومياً خلال مارس/ آذار المنصرم، وهو مستوى قريب من ما قبل الحرب، ما يعني أن إيران لم تفقد قدرتها على الوصول إلى الأسواق، بل حافظت على حضورها في وقت تعاني فيه دول أخرى من تعطلات كبيرة. وكانت الولايات المتحدة، قد سمحت في خطوة مفاجئة، بتخفيف مؤقت لبعض القيود على شحنات النفط الإيراني العالقة في البحر، محاولة احتواء ارتفاع أسعار الطاقة، بحسب وكالة بلومبيرغ الأميركية. ونقلت الوكالة عن الباحث في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، ريتشارد نيفيو: “إن إدارة ترامب تتوسل عملياً إلى إيران لبيع النفط، وكنت أظن أن منع مبيعات النفط الإيرانية سيكون من أولويات الولايات المتحدة”.
مضيق هرمز… من ممر إلى أداة اقتصادية
وإلى جانب النفط، ظهر مصدر دخل جديد مرتبط بالتحكم في مضيق هرمز. فالمضيق، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، شهد تراجعاً حاداً في حركة الملاحة، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وبالتالي ارتفاع الأسعار. وفي ظل هذا الوضع، أصبحت إيران، في بعض الفترات، المصدر الوحيد القادر على استخدام المضيق بفاعلية، ما منحها ميزة تنافسية كبيرة. كما فرضت طهران نظام مرور انتقائياً، سمحت بموجبه لبعض السفن بالعبور، ومنعت أخرى، ما عزز قدرتها على التحكم في تدفقات الطاقة. وذكرت “بلومبيرغ”، في تقرير نشرته أول من أمس الثلاثاء، أن عدد السفن العابرة للمضيق انخفض إلى نحو ست سفن يومياً فقط، مقارنة بنحو 135 سفينة يومياً في الظروف الطبيعية. وأوضحت أن نحو 80% من ناقلات النفط التي غادرت المضيق خلال هذه الفترة كانت إيرانية أو تابعة لدول ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، لافتة إلى أن السفن التي تعبر المضيق تفعل ذلك غالباً عبر مسارات توافق عليها إيران، وبالقرب من سواحلها، وغالباً بعد إجراء مفاوضات لضمان المرور الآمن.
ووافق البرلمان الإيراني، الاثنين الماضي، على مشروع قانون لفرض رسوم عبور على جميع السفن التي تمر عبر مضيق هرمز. وقد اعتُمد مشروع القانون الذي يفرض رسوماً على جميع السفن التي تعبر هذا الممر الحيوي في الخليج العربي من قبل لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني. وذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن بعض السفن دفعت للسلطات الإيرانية نحو مليوني دولار لكل منها لضمان المرور الآمن عبر الممر. ووفق حسابات “العربي الجديد” استناداً إلى ما ذكرته “فايننشال تايمز” وعدد السفن التي سمح لها بالمرور يومياً. حققت إيران إيرادات إضافية من رسوم مرور السفن تراوح بين 100 و300 مليون دولار خلال خمسة أسابيع. وهو ما يعني أن المضيق تحول من مجرد ممر نقل إلى أداة اقتصادية مدرة للدخل.
وعند تجميع هذه المعطيات ضمن إطار تحليلي واحد، تتضح ملامح الصورة المالية بشكل أكثر دقة. فبحسب حسابات “العربي الجديد”، حققت إيران نحو 840 مليون دولار كعائدات إضافية من صادرات النفط خلال الأسابيع الخمسة الأولى من الحرب، نتيجة ارتفاع الأسعار وتحسن شروط البيع، بالتوازي مع إيرادات إضافية تقدر بما بين 100 و300 مليون دولار من رسوم العبور عبر مضيق هرمز. وبذلك، يصل إجمالي الأرباح الإضافية إلى نطاق يتراوح بين مليار و1.1 مليار دولار خلال فترة لا تتجاوز خمسة أسابيع. ووفقاً للحسابات ذاتها، قد تحقّق إيران ما بين خمسة وستة مليارات دولار كأرباح إضافية خلال ستة أشهر من الحرب، وقد تتجاوز عشرة مليارات دولار سنوياً إذا استمرت الظروف الحالية، مدفوعة بمزيج من ارتفاع الأسعار، واستمرار التصدير، والسيطرة على مضيق هرمز، وفرض رسوم عبور على السفن.




