القانون الإسرائيلي الجديد المتعلق بفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين لا يطبق بأثر رجعي على الأسرى والمعتقلين الموجودين حاليًا في سجون الاحتلال، لكنه يشكل تصعيدًا خطيرًا في إطار السياسات العنصرية الإسرائيلية، ويهدف إلى منح غطاء قانوني أوسع لاستهداف الفلسطينيين، مع وجود ثغرات قانونية قد تفتح الباب أمام الطعن فيه أمام المحكمة العليا الإسرائيلية
خاص – الرقيب
قال المحامي والخبير القانوني محمد دحلة إن القانون الإسرائيلي الجديد المتعلق بفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات قتل، دخل حيّز التنفيذ من الناحية الشكلية، إلا أنه لا يشمل الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الموجودين حاليًا في سجون الاحتلال، ولا يسري على أي ملفات سابقة لإقراره، موضحًا أن تطبيقه يقتصر فقط على أي حالة جديدة مستقبلية قد تندرج ضمن الشروط التي وضعها الاحتلال.
وأوضح دحلة خلال مقابلة على اثير الرقيب, أن المطالبات الإسرائيلية بإقرار عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين ليست جديدة، بل طُرحت منذ سنوات من قبل أحزاب يمينية مختلفة، قبل أن تعود بقوة في ظل الحكومة الحالية التي يقودها اليمين المتطرف، وعلى رأسه إيتمار بن غفير، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي من تمرير القانون هو تسهيل فرض العقوبة على الفلسطينيين بعد أن كانت القوانين السابقة، رغم وجود عقوبة الإعدام فيها نظريًا، تضع شروطًا معقدة جعلت تنفيذها شبه مستحيل عمليًا.
وبيّن أن القوانين الإسرائيلية السابقة كانت تشترط لفرض عقوبة الإعدام أن تطلب النيابة العامة العقوبة بشكل صريح، وأن يصدر القرار بإجماع هيئة المحكمة، إلى جانب شروط أخرى في المحاكم العسكرية، وهو ما جعل هذا النوع من الأحكام غير قابل للتنفيذ فعليًا في معظم الحالات، الأمر الذي دفع أحزاب اليمين المتطرف إلى تعديل النصوص القانونية لتجاوز هذه القيود.
وأشار دحلة إلى أن القانون الجديد يكرّس تمييزًا قانونيًا واضحًا بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وبين الفلسطينيين في الداخل المحتل والقدس، موضحًا أن الفلسطيني من سكان الضفة قد تطبق عليه العقوبة إذا اعتُبر الفعل جزءًا مما يصفه الاحتلال بأنه “عمل إرهابي”، بينما يخضع الفلسطيني من حملة الهوية الزرقاء داخل الخط الأخضر أو القدس المحتلة لشروط مختلفة وأكثر تعقيدًا، من بينها أن يكون الفعل قد ارتُكب بهدف “نفي وجود إسرائيل”، وهو شرط وصفه بأنه فضفاض وصعب الإثبات والتطبيق.
وأضاف أن هذا التمييز لم يأتِ بشكل عشوائي، بل صيغ عمدًا لتفادي الطعن المباشر بالقانون باعتباره نصًا عنصريًا صريحًا، وكذلك لضمان عدم انطباقه على المستوطنين الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم قتل بحق الفلسطينيين، إذ إن هؤلاء يحاكمون ضمن المنظومة القانونية الإسرائيلية الداخلية التي تكاد تجعل فرض الإعدام عليهم مستحيلًا، حتى في الحالات التي تكون فيها الجريمة ذات خلفية أيديولوجية واضحة.
وأكد دحلة أن القانون، بصيغته الحالية، يكشف عن طابع عنصري فاضح، لأنه يستهدف الفلسطينيين تحديدًا حتى وإن حاولت الحكومة الإسرائيلية إخفاء ذلك عبر صياغات قانونية ملتبسة، مشددًا على أن الهدف السياسي منه لا ينفصل عن سعي الحكومة الحالية إلى إرضاء قواعدها اليمينية المتطرفة وإظهار مزيد من التشدد في التعامل مع الفلسطينيين.
ولفت إلى أن القانون يواجه إشكاليات دستورية وقانونية كبيرة، سواء من منظور القانون الدولي أو حتى وفق النظام القانوني الإسرائيلي نفسه، موضحًا أن المحكمة العليا الإسرائيلية تملك صلاحية مراجعة القوانين التي يقرها الكنيست، وقد سبق لها أن ألغت قوانين مختلفة في حالات سابقة عندما رأت أنها تتعارض مع ما يسمى “قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته”.
ورأى دحلة أن هناك فرصة فعلية للطعن في هذا القانون أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، خاصة أن تطبيقه قد يضع إسرائيل في مأزق قانوني ودولي واسع، موضحًا أن إمكانية تنفيذه على أرض الواقع، حتى في حال وقوع حالة جديدة، لن تكون فورية، لأن أي قضية من هذا النوع تحتاج إلى تحقيقات وإجراءات ومحاكمات طويلة قد تمتد لعام ونصف أو عامين قبل الوصول إلى مرحلة إصدار الحكم النهائي.
وقال إن القانون لا يمثل تحولًا كاملًا بقدر ما يشكل غطاءً قانونيًا جديدًا لسياسة قائمة أصلًا، تتمثل في الإعدام الميداني للفلسطينيين، مشيرًا إلى أن الاحتلال يقتل الفلسطينيين في كثير من الحالات فور الاشتباه، سواء بتهمة تنفيذ عملية أو حتى بمجرد الشبهة بإلقاء حجر أو زجاجة حارقة أو تجاوز جدار الفصل، مضيفًا أن القانون الجديد يستهدف أولئك القلة الذين قد ينجون من القتل الفوري ليواجهوا لاحقًا الإعدام عبر المحاكم.
وأضاف أن من بين الأهداف الخطيرة للقانون أيضًا محاولة منع أي إمكانية مستقبلية لإدراج من قد تصدر بحقهم أحكام بالإعدام ضمن صفقات تبادل الأسرى، عبر تقييد صلاحيات الجهات العسكرية في تخفيف الأحكام أو تعديلها لاحقًا، إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن التجارب السابقة أظهرت أن إسرائيل كثيرًا ما تغيّر قوانينها عندما تفرض عليها الوقائع السياسية والأمنية ذلك.
وفي السياق ذاته، اعتبر دحلة أن تمرير القانون يحمل أبعادًا سياسية وانتخابية وشعبوية واضحة، ويعكس محاولة من قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف، وعلى رأسهم بن غفير، لتقديم أنفسهم أمام الجمهور الإسرائيلي باعتبارهم الأكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن مشهد الاحتفال داخل الكنيست بعد تمرير القانون كان رسالة سياسية مقصودة أكثر منه مجرد حدث بروتوكولي.
ورغم تشكيكه بفاعلية النظام الدولي في ظل الدعم الأمريكي المفتوح لإسرائيل، شدد دحلة على أهمية استمرار التحرك الفلسطيني قانونيًا ودبلوماسيًا أمام المحافل الدولية، بما في ذلك محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، معتبرًا أن القرارات الصادرة عن هذه المؤسسات، حتى إن لم تنفذ فورًا، تشكل أدوات مهمة لتثبيت الحقوق الفلسطينية، وتعزيز الضغط الدولي، وإسناد الحراك الشعبي والقانوني في مواجهة السياسات الإسرائيلية.
وأشار إلى أن مواجهة هذا القانون لا يجب أن تقتصر على الإدانة السياسية أو بيانات الشجب، بل تتطلب جهدًا قانونيًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا متواصلًا، إلى جانب تحرك شعبي واسع يفضح طبيعته العنصرية وخطورته على مستقبل الأسرى الفلسطينيين وحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة.




