انتقلنا رويدًا رويدًا من حالة الشرعيّة الدولية إلى حالة بينية، ووصلنا في العقود الأخيرة إلى وجود قوى خارج الشرعيّة تمامًا. وأبرزها إسرائيل بما تصنعه وتُحدثه، وأميركا بما تدمّره…
مرزوق الحلبي
مركزان سياسيّان عملا طيلة عقود ضدّ الشرعيّة الدوليّة. الأوّل، إسرائيل التي أقيمت بقوّة الشرعيّة الدوليّة ـ قرار التقسيم من العام 1947 ـ والثانية، الولايات المتّحدة الأميركيّة التي بدت بعد الحرب العالمية الثانية عاملًا مثبّتًا لهذه الشرعيّة. فقد استضافت مقرّ الأمم المتّحدة وشاركت في تمويل هيئاتها. في الحالتيْن، كانت العلاقة بين “المركزيْن” وبين الشرعية الدوليّة علاقة متوتّرة، بين القبول والرفض، بين التغطّي بها أو الخروج ضدّها، إلى مرحلة بات واضحًا أن المركزيْن يُريدان عالمًا بلا شرعية دولية ومرجعيات القانون الدوليّ. أو أنه الصدام الحتميّ بين مركزيْن يريان نفسيهما فوق هذه الشرعيّة، وهما القادران على محاسبة هذه “الشرعية”، لا هي التي تحاسبهما. في هذه اللحظة بالذات تبطل فاعليّة الشرعية الدوليّة تمامًا. ما دام هناك “شرعية” فوقها، فهي أضعف وقابلة للتعطيل والإلغاء، وهو ما يحصل في العقود الأخيرة.
لقد كانت إسرائيل وأميركا بحاجة إلى الشرعيّة كي تنقلبا عليها في كلّ مرّة. كمَن يحتاج إلى القانون لخرقه من ثغرة فيه! فاجتماعات مجلس الأمن التي حمت فيها أميركا إسرائيل بالفيتو هو استعمال الشرعية الدوليّة ضدّها! فعادة ما كانت الأمور تنتهي عند الفيتو، ويحصل بعدها ما يحصل خارج حدود الشرعية ونصوصها. كانت إسرائيل مثلًا تقصف المدنيين في لبنان وتدمّر القرى ـ كما الآن. وكان الفيتو، بوصفه أحد أدوات “الشرعيّة”، جاهزًا للتبرير والتغطية وإعطاء الضوء الأخضر لمواصلة خرق النظام الدولي والقوانين والأعراف والمواثيق. بمعنى أن الشرعيّة، وما تعنيه، لم تعمل على الجميع بالتساوي، لأن هناك تفاوتًا في “القوة” و”المركز” و”الموقع” من هذه الشرعيّة. هناك مَن يُفعّلها وهناك مَن هو مفعول بها!
انتقلنا رويدًا رويدًا من حالة الشرعيّة الدولية إلى حالة بينية، ووصلنا في العقود الأخيرة إلى وجود قوى خارج الشرعيّة تمامًا. وأبرزها إسرائيل بما تصنعه وتُحدثه، وأميركا بما تدمّره. فإذا صحّ ما نُشر عن أن أميركا قتلت في العقود الأخيرة حوالي 38 مليون إنسان في حروب لا حصر لها كي تفرض هيمنتها، فإننا أمام كارثة ممتدّة تتغطّى بالشرعية لغرض فرض واقع غير شرعي على دول وشعوب ومناطق كاملة. واستعملت حقّ النقض في مجلس الأمن حوالي 82 مرّة لحماية سياسات إسرائيل العدوانيّة. كما أن إسرائيل وصلت إلى ما وصلته من خلال دوس كل شرعية في كل مستوى وجزئيّة من جزئيّاتها. وها نحن أمام حالة مكشوفة تمامًا الآن ـ الحرب العدوانية على إيران. ومن قبل، حرب الإبادة على غزّة. امتحانان متراكمان تضع فيهما أميركا وإسرائيل ـ لأنهما تستطيعان ولا مقاومة تُذكر لسعيهما ـ نفسيهما فوق كل شرعية. بل رأينا أن الرئاسة الأميركيّة قادرة على اتخاذ إجراءات عقابيّة ضد مؤسسات الشرعية الدوليّة. ضدّ المحكمة الجنائيّة الدولية، وضد الأونروا ـ وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، وضد المقررة الأمميّة لمنطقة الشرق الأوسط، فرانشيسكا ألبانيزي. فإسرائيل غير مهتمّة بشيء في ارتكابها الإبادة في غزّة لأنها قادرة على تحييد “الشرعيّة”، وهي وأميركا يخوضان الحرب ضد إيران الآن ـ وضد لبنان ـ دون أي اعتبار لأيّ “شرعيّة”.
وهنا السؤال عن كيفيّة حصول هذا التغيير في “المناخ الدوليّ”؟ إنه سؤال المليون الذي تدلّنا إجابته على مفاتيح فهم العالم بحالته اليوم، بقواه وتفاعلاتها، بموقع هيئاته الدوليّة في العلاقات والحروب، بطبيعة العلاقات بين الشعوب والقوى الدولانيّة وغير الدولانيّة ـ منظمات وشركات واحتكارات وبنوك ورأسمال. إننا حيال علاقات دولية جديدة لم تعد الدولة فيها القوة الوحيدة، ولم تعد الحكومات الشرعيّة أو غير الشرعيّة هي اللاعبة الوحيدة أو الأهم في المعادلة. لأن هناك شركات ومؤسسات غير دولانيّة أقوى بكثير من الدولة ومن المؤسسات الأمميّة، ولأن هناك دولًا راكمت من القوة والتأثير ما يفوق التصوّر. والأهمّ، لأن الحالة الدوليّة دخلت السيولة والرخاوة بفعل العولمة وقواها الفاعلة. و”الشرعيّة الدوليّة” مصمّمة لحالة دوليّة سابقة ـ غداة الحرب العالميّة الثانية ومفهوم السيادة الوطنيّة. ولأن الإعلام في مؤسساته الأساسيّة لم يعد إعلامًا وطنيًّا بقدر ما هو إمبراطوريات تخدم مراكز المال وصناعة القرار العابر للدول وللشرعية الدوليّة. لم يعد العالم الحالي يُطيق “تدخلات” الشرعية ومحاولتها ضبط جموح مراكز القرار وتحالفاتها كما رأيناها. فأوروبا الحالية بعيدة عن الشرعية الدولية وغير ملتزمة بها، وكذلك مراكز قرار أخرى في العالم كروسيا والصين. لا أحد معنيّ الآن بتثبيت الشرعيّة. حتى إن بعض منظمات حقوق الإنسان والشرعية في العالم صارت رهينة لمراكز التمويل، مثل الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة التي رأيناها تُصدر تقارير عن إيران وفق الطلب.
يُمكننا القول إن الاحتكارات في المجال الاقتصادي والسوق انتقلت إلى مجال المفاهيم والمعاني. فالمراكز القادرة على احتكار القرار الاقتصادي والسياسات قادرة على احتكار “الشرعيّة” أو أجزاء منها. أو أن القوة الاقتصادية ـ السياسيّة تُمكن أصحابها من الانقضاض على الشرعيّة الدولية وافتراسها أو ثنيها أو تحييدها والمناورة بها كأي “أداة سياسيّة” أخرى ضد الخصوم والأعداء. نرجّح أن الأمور لن تنتهي هنا، وأن مسألة الشرعيّة مرشّحة لأن تتفاقم لا أن تنفرج. والاتجاه، كما نراه، هو أن “مراكز القرار” غير الأمميين هم المرشّحون لإنتاج “شرعية جديدة” قوامها أن الحروب العدوانية شرعية ومطلوبة، وأن الإبادة والتوحّش قوانين اللعب الجديدة. وكي تفعل ذلك، هي بحاجة إلى إعلام يُصمّم الوعي ويكويه، وإلى مراكز أكاديميّة تبرّره وتنظّر له وتصيغ الخطاب وتنشره. وهو ما سنأتي عليه في مادة مستقلّة في وقت لاحق.




