الأمم المتحدة- “القدس العربي”: بدأ مجلس الأمن الدولي اجتماعا رفيع المستوى حول بند “الوضع في الشرق الأوسط بما فيه القضية الفلسطينية”، تحت رئاسة السيدة، إيفيت كوبر، وزيرة الدولة للشؤون الخارجية في المملكة المتحدة التي تتولى بلادها الرئاسة الدورية للمجلس خلال الشهر الحالي.
ويشارك في الاجتماع عدد من الدول المعنية من بينها الأردن وسوريا ومصر وتركيا وإندونيسيا، بالإضافة إلى ممثلي فلسطين وإسرائيل.
وقد ألقت وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية، روز ماري ديكارلو إحاطة باسم الأمم المتحدة حيث أشارت إلى الأوضاع المأساوية في قطاع غزة والضفة الغربية. واستعرضت ديكارلو بالتفصيل العمليات الإنسانية في غزة التي تستمر “رغم القيود الشديدة”، مشيرةً إلى فتح معبر رفح أمام حركة المشاة في 2 فبراير/ شباط باعتباره “تطورًا إيجابيًا”. ومع ذلك، استهدفت الضربات الإسرائيلية المكثفة مناطق مكتظة بالسكان في جميع أنحاء الأراضي المحتلة، لا سيما في 31 يناير/ كانون الثاني وأوائل فبراير/ شباط، ما أدى إلى استشهاد عشرات الفلسطينيين.
وتابعت ديكارلو إحاطتها حول الأوضاع في الضفة الغربية، حيث تقوم السلطات الإسرائيلية بعمليات واسعة النطاق ومداهمات مع عمليات مصادرة منازل، واعتقالات جماعية، وقيود على الحركة، وتشريد متكرر للعائلات الفلسطينية، خاصة في الشمال.
وجددت ديكارلو التعبير عن قلق الأمين العام البالغ إزاء قرار إسرائيل بتفويض إجراءات إنفاذ ونقل السلطات في المنطقتين (أ) و(ب)، كما شددت قائلة: “إذا نُفذت هذه الإجراءات، فإنها ستشكل توسعًا خطيرًا للسلطة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. كما يهدد قرار 15 فبراير/ شباط باستئناف إجراءات تسجيل الأراضي في المنطقة (ج) تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم. ودعت وكيلة الأمين العام إسرائيل إلى “التراجع الفوري” عن هذه القرارات.
وأضافت وكيلة الأمين العام “هذه لحظة محورية في الشرق الأوسط”، مؤكدةً أنه بعد سنوات من الصراع باتت هناك فرصة سانحة قد تسمح للمنطقة بالتحرك في اتجاه مختلف. وستحدد القرارات – التي ستتخذها الأطراف والمجلس على حدّ سواء – ما إذا كان هذا الوضع سيستمر. وأكدت أنه “لكي يدوم السلام، يجب بذل الجهود الآن لترسيخ وقف إطلاق النار في غزة، وتخفيف المعاناة، وإحراز تقدم نحو الاستقرار والتعافي، بما يتماشى مع القانون الدولي”.
وأكدت ديكارلو قائلةً: “إن اجتماع مجلس السلام في واشنطن العاصمة غدًا خطوة مهمة”. وفي المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، يجب أن تركز الجهود على نزع سلاح القطاع، وتفكيك الأسلحة التي بحوزة حماس والفصائل الفلسطينية المسلحة الأخرى، ووضع ترتيبات أمنية تُسهّل مهام اللجنة الوطنية لإدارة غزة.”
هبة قصاص.. المجتمع المدني الفلسطيني
وخاطبت هبة قصاص مجلس الأمن بصفتها فلسطينية نشأت في الضفة الغربية، ومنسقة ائتلاف “متحدون من أجل مستقبل مشترك”، الذي يضمّ نحو 550 من القادة الإسرائيليين والفلسطينيين في مجالات الأمن والسياسة والأعمال والمجتمع المدني والإعلام، وقالت: “ننطلق من حقيقة واحدة، وهي أن الوضع الراهن غير مستدام لأي من الشعبين، فلا يمكن لأي طرف أن ينعم بأمن وكرامة وازدهار دائمين على حساب الآخر”.
وأضافت قصاص: “لن تنجح المرحلة الثانية إلا إذا كان تعافي غزة مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتعافي الضفة الغربية، بحيث يكون هذا الارتباط قائمًا على خطة متكاملة، ومحميًا بضمانات، ومرتبطًا بهدف سياسي واضح ومحدد زمنيًا”. وتابعت: “لا يمكن لغزة أن تنجح إذا انهارت الضفة الغربية”.
ودعت إلى تيسير الحركة والوصول في غزة والضفة الغربية، واستعادة الوظائف المالية والمصرفية الفلسطينية، ودعم الإصلاحات السياسية والإدارية والحوكمية للسلطة الفلسطينية. كما أكدت على أهمية حماية الاستقرار الإقليمي، وردع العنف والتحريض “من جميع الأطراف”، وتمكين الحكم الانتقالي في غزة، ودعم مسار الحوار السياسي الإسرائيلي الفلسطيني.
وركزت قصاص في إحاطتها على “المصالح المستنيرة” كبديل للصراع، وطرحت سبع أولويات فنية عاجلة:
الوصول والحركة: رفع الحظر عن المنظمات غير الحكومية الدولية، وتحديث معابر غزة، وفتح طرق التجارة والعمل عبر الأردن.
الاستقرار المالي :استعادة النظام المصرفي الفلسطيني، وضمان تداول العملة، والإفراج الفوري عن العوائد المحتجزة لمنع انهيار السلطة.
الحوكمة السياسية: دعم إصلاح السلطة الفلسطينية بآليات تحقق واقعية والتحضير لانتخابات فلسطينية ذات مصداقية.
حماية التواصل الجغرافي: تجميد العمل في منطقة (E1) وممر القدس الجنوبي فورًا لمنع تقطيع أوصال الضفة.
ردع العنف: تطبيق عواقب قانونية ضد “إرهاب المستوطنين” والمجموعات المسلحة على حدّ سواء.
الإدارة الانتقالية: السماح للمجلس الوطني لإدارة غزة بالعمل تحت حماية سياسية دولية وربط هذه الإدارة “تكنوقراطيًا” بالضفة الغربية.
المسار السياسي: بناء بنية تحتية للحوار بين القادة من الطرفين لملء الفراغ الذي خلّفه غياب القنوات الرسمية.
جي- ستريت
تحدث نداف تامير، من منظمة “جي ستريت” اليهودية، أمام المجلس بصفته صهيونيًا وعضوًا في منظمة “متحدون من أجل مستقبل مشترك”، وقال “على الرغم من الصدمة التي عانى منها الشعبان الإسرائيلي والفلسطيني في أعقاب مجزرة 7 أكتوبر/ تشرين الأول، فإن هذه اللحظة تمثل فرصة تاريخية لا يجب تفويتها. “يجب ترجمة الشعور المتزايد بالإلحاح – داخل المجتمع الدولي وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط – إلى “مسار واضح لا رجعة فيه” نحو دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب إسرائيل، ضمن تحالف إقليمي”.
ووصف تامير هذه الرؤية بأنها “حلّ الدولة الثالثة والعشرين”: إسرائيل، وفلسطين، والدول العربية الـ 21 التي أيدت مبادرة السلام العربية لتطبيع العلاقات. واستشهد بدراسة أجرتها الجامعة العبرية، والتي وجدت أن غالبية الإسرائيليين سيقبلون بدولة فلسطينية إذا ما تم دمجها في اتفاقية تطبيع شاملة بين إسرائيل والدول العربية. وقال: “يدرك الإسرائيليون أن طريق الأمن يمرّ عبر التطبيع”.
الولايات المتحدة الأمريكية
أكد مندوب الولايات المتحدة، مايك والتز، أن المنطقة دخلت “مرحلة التنفيذ الفعلي” عبر خطة السلام المكونة من 20 نقطة التي طرحها الرئيس ترامب. وأوضح أن وقف إطلاق النار الحالي مكّن من استعادة كافة الرهائن وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية لتتجاوز سقف 4200 شاحنة أسبوعياً.
وشدد المندوب الأمريكي على أن “المرحلة الثانية” ترتكز على أولوية الأمن والحوكمة، معلنًا عن دور “قوة الاستقرار الدولية” في خلق بيئة خالية من الإرهاب، وتولي “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” مسؤولية استعادة الخدمات الحيوية تحت إشراف “مجلس السلام”.
وأشار المندوب إلى أن “مجلس السلام” (Board of Peace) —الذي يضمّ 27 دولة منها دول خليجية وإسلامية— سيعقد اجتماعه الافتتاحي في واشنطن غدًا للإعلان عن تعهدات مالية لإعادة الإعمار تتجاوز 5 مليارات دولار.
ووجه المندوب رسالة حازمة مفادها أن إعادة الإعمار لن تشمل أي مناطق لم يتم فيها “نزع سلاح حماس” وتفكيك الأنفاق ومنشآت إنتاج الأسلحة بالكامل، مؤكدًا أن الهدف هو “نزع السلاح واجتثاث التطرّف” لضمان عدم تكرار أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول. كما دعا الدول الأعضاء إلى التوقف عن الانتقاد والبدء بالمساهمة الفعلية بالمال والوقت لدعم هذا المسار الجديد.
فلسطين
أشار السفير الفلسطيني رياض منصور، إلى أن الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة يُحرم من ممارسة عقيدته بحرية في اليوم الأول من شهر رمضان نتيجة تدمير دور العبادة المسيحية والإسلامية والاعتداءات على الحرم الشريف والحرم الإبراهيمي، ووضع القيود العسكرية أمام الحجاج.
وذكر منصور أن الهدف الإسرائيلي يتمثل في إزالة الشعب الفلسطيني والاستيلاء على الأرض عبر أدوات الاستيطان، وإرهاب المستوطنين، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، والسيطرة على سجلات الأراضي لخدمة هدف “الضمّ”. وأكد أن الضمّ أصبح الآن علنيًا وبدون رادع، محذرًا من أن هذا المسار يحدد مستقبل المنطقة ويقضي عليه، ومشددًا على أن فلسطين ملك للشعب الفلسطيني وليست للبيع، ولن تنجح إسرائيل في تحويل الفلسطينيين إلى شعب بلا أرض.
واستشهد منصور بتصريحات لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الذي قال: “نحن نعزز قبضتنا على الأرض ونقتل فكرة إنشاء دولة فلسطينية”، كما أشار إلى تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي في 2023 بأن “غزة يجب أن تصبح أصغر بنهاية الحرب”.
وأوضح منصور أن أكثر من 100 دولة ومنظمة انضمت لبيان يرفض إجراءات الضمّ الإسرائيلية التي تخالف ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، بما في ذلك “إعلان نيويورك” وخطة الرئيس ترامب التي نصّت على عدم وجود ضمّ أو احتلال أو تهجير قسري. وأعرب عن أمله في أن تكون خطوات وقف إطلاق النار في غزة بداية لممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، مؤكدًا أن إسرائيل يجب أن تختار بين الضمّ أو السلام.
وذكر منصور أن الحكومة الإسرائيلية تسعى لتفجير الأوضاع في الضفة الغربية عبر الاقتحامات العسكرية وتسهيل عنف المستوطنين وتدمير مخيمات اللاجئين، بالإضافة إلى سرقة الموارد المالية والطبيعية ومهاجمة السلطة الفلسطينية الملتزمة بالحلّ السياسي.
وأكد أن قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تشكل وحدة ترابية وسياسية واحدة، ويجب تمكين الحكومة الفلسطينية من تنفيذ سياستها القائمة على “دولة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد”. واختتم منصور بالتذكير بأن عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة استندت إلى الالتزام بالقرار 181 والقرار 194، محذرًا من تحول حلّ الدولتين إلى “وهم” إذا لم يتم إنهاء الاحتلال وإنقاذ الدولة الفلسطينية لتحقيق السلام.
مندوب إسرائيل
قال جدعون ساعر، وزير خارجية إسرائيل إن خطة الرئيس ترامب لعام 2020 أوضحت أن المجتمعات اليهودية في “يهودا والسامرة” (الضفة الغربية) ستبقى في مكانها في أي اتفاق دائم، معتبرًا أن هذه المجتمعات ليست عائقًا أمام السلام.
واتهم ساعر السلطة الفلسطينية بانتهاك اتفاقيات أوسلو عبر سياسة “الدفع مقابل القتل”، حيث ذكر أن وزارة الخارجية الأمريكية أبلغت الكونغرس بأن السلطة التزمت بدفع أكثر من 200 مليون دولار كرواتب لـ”الإرهابيين” وعائلاتهم في عام 2025 وحده. كما عرض ساعر خريطة من مدرسة ابتدائية فلسطينية في الخليل تظهر جماجم فوق التجمعات اليهودية، متهمًا السلطة بغسل أدمغة الأطفال وتحريضهم على الكراهية وتدمير المواقع الأثرية التوراتية مثل “مذبح جبل عيبال”. واختتم بأن إسرائيل لن تكرر تجربة الانسحاب من غزة عام 2005 التي أدت لنشوء دولة إرهابية، ولن ترهن أمنها لضغوط دولية.
باكستان
تحدث باسم باكستان، عضو مجلس الأمن غير الدائم، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، محمد إسحاق دار، الذي أكد أن باكستان لا تزال منخرطة بشكل كامل في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف دائم للأعمال العدائية والتوصل إلى حلّ عادل للنزاع.
وأضاف “نحن نُثمن جهود السلام التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي هذا الصدد، نعمل بتعاون وثيق كجزء من مجموعة الدول العربية والإسلامية الثماني، وهي: مصر، والأردن، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وإندونيسيا، وباكستان، وتركيا”.
وقال دار إن قرارات إسرائيل الأخيرة غير القانونية لتوسيع سيطرتها على الضفة الغربية تُثير قلقًا بالغًا. وفي البيانين المشتركين الصادرين في 7 و17 فبراير/ شباط، أدان وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية الثماني بأشد العبارات هذه الإجراءات والقرارات، التي تهدف إلى فرض سيادة إسرائيلية غير شرعية، وترسيخ النشاط الاستيطاني، وتصنيف الأراضي على أنها “أراضي دولة”، وفرض واقع قانوني وإداري جديد في الضفة الغربية المحتلة.
وأضاف أن هذه الإجراءات غير القانونية باطلة ولاغية، وتُشكل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة. كما أنها تنتهك قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وعلى رأسها القرار 2334، فضلًا عن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024.
وقال إن مجموعة الدول العربية والإسلامية الثماني أعربت عن إدانتها الشديدة لانتهاكات إسرائيل المتكررة لوقف إطلاق النار في غزة، والتي أسفرت بالفعل عن استشهاد وإصابة أكثر من ألف فلسطيني.
وأكد نائب رئيس الوزراء أن الشعب الباكستاني يتضامن مع إخوانه وأخواته الفلسطينيين وقضيتهم العادلة بشكل ثابت لا يتزعزع. “نقف إلى جانبهم في سعيهم المشروع لنيل حق تقرير المصير والكرامة والحرية. وباكستان على أتم الاستعداد للمساهمة في جميع المبادرات الدبلوماسية، بما في ذلك خطة السلام التي طرحها الرئيس ترامب، وميزان المدفوعات، والمؤتمر رفيع المستوى المعني بالتسوية السلمية للقضية الفلسطينية، والتحالف العالمي لحلّ الدولتين، والتي يجب أن تدعم بعضها بعضًا من خلال تنفيذ منسق وملموس، بما يخدم هدفنا المشترك المتمثل في تحقيق سلام عادل ودائم وشامل في الشرق الأوسط”.




