في ظل الحديث المتواصل عن ما يُسمى بـ”المرحلة الثانية” واتفاقيات ما بعد الحرب على قطاع غزة، تتزايد مؤشرات الجمود والتباطؤ في التنفيذ، وسط غموض يكتنف مستقبل القطاع. المحلل السياسي سليمان بشارات قدّم قراءة معمقة للمشهد، مؤكدًا أن ملف غزة بات متشابكًا مع ملفات إقليمية ودولية أكبر، وأن ما يجري يتجاوز الإطار الإنساني إلى حسابات استراتيجية واستثمارية.
غزة ليست ملفًا منفصلًا
أكد بشارات أن ملف غزة لم يعد شأنًا فلسطينيًا داخليًا فحسب، بل أصبح ركيزة ترتبط بملفات إقليمية ودولية، من بينها الملف الإيراني، والنفوذ الأمريكي في المنطقة، إضافة إلى حسابات الطاقة والأسواق العالمية.
وأشار إلى أن أي انفراجة حقيقية في غزة لن تتحقق ما لم تنضج بقية الملفات الإقليمية المرتبطة بها، معتبرًا أن ما يسمى “المرحلة الثانية” لا يزال يراوح مكانه في ظل غياب إرادة حقيقية للتنفيذ.
استراتيجية إسرائيل: سيطرة طويلة الأمد
يرى بشارات أن إسرائيل تسعى لتكريس واقع جديد في القطاع قائم على ثلاثة مرتكزات رئيسية:
إحكام السيطرة الأمنية والعسكرية طويلة الأمد على غزة.
إضعاف الكينونة السياسية الفلسطينية في القطاع كما في الضفة الغربية.
إعادة تشكيل عناوين إدارية وسياسية جديدة تسهّل التحكم بالقطاع.
وأوضح أن تل أبيب تتعامل مع الاتفاقيات بمرونة شكلية، لكنها عمليًا تُبقي حالة الضبابية والبطء المتعمد، والدليل – بحسبه – عدم السماح حتى اللحظة للجنة الإدارية المفترض أن تدير القطاع بالدخول إلى غزة، وكأنها “حكومة في المنفى”.
دور الولايات المتحدة: هيكليات دون تطبيق
اعتبر بشارات أن الولايات المتحدة تنظر إلى غزة من منظور استراتيجي واستثماري، وليس إداريًا أو إنسانيًا فقط. وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تقديم “إنجازات شكلية” عبر تشكيل لجان ومجالس، دون ترجمة فعلية على الأرض.
في هذا السياق، يرتبط الأمر بسياسات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي – بحسب بشارات – يتبنى نهج القفز السريع بين الملفات لتحقيق مكاسب آنية، سواء في الملف الإيراني أو الأوكراني أو الفلسطيني.
كما أشار إلى أن مقاربات إعادة الإعمار تعود في جزء منها إلى الرؤية التي طُرحت ضمن ما عُرف بـ صفقة القرن، والتي تضمنت أبعادًا استثمارية واقتصادية واضحة.
غزة كمشروع استثماري؟
من أخطر ما أثير في النقاش، التحذير من تحوّل غزة إلى “بيئة مشاريع”، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية بالمصالح الاستثمارية، وسط حديث عن مليارات مخصصة للإعمار دون وضوح في آليات الطرح أو العطاءات.
ويرى بشارات أن “الجشع الاستثماري” قد يكون المحرك الأساسي لتعجيل بعض الخطوات الأمريكية، في حين يمنح ذلك إسرائيل متنفسًا لمواصلة تثبيت وقائع ميدانية، خاصة في الضفة الغربية.
البعد الإقليمي وتحفظ الدول
لفت بشارات إلى أن بعض الدول التي أبدت استعدادًا للمشاركة في ترتيبات ما بعد الحرب – سواء عبر قوات استقرار أو في ملف الإعمار – باتت أكثر حذرًا، خشية أن تتحول مشاركتها إلى أداة تخدم الأهداف الإسرائيلية–الأمريكية دون ضمانات سياسية واضحة تحفظ الحقوق الفلسطينية.
خلاصة المشهد
خلصت القراءة السياسية إلى أن حالة الغموض والبطء ليست عفوية، بل تعكس صراع مصالح أكبر من حدود غزة نفسها. وبينما تستمر المناورات السياسية، يبقى الواقع الإنساني في القطاع يدفع الثمن، في ظل تراجع التضامن الدولي واعتياد العالم على المشهد.
وفي المحصلة، يبدو أن “المرحلة الثانية” ما زالت عنوانًا معلّقًا، بانتظار توازنات إقليمية ودولية لم تنضج بعد.



