يشكل انتقال السيطرة على معظم النسخة الأميركية من منصة تيك توك إلى ائتلاف من المستثمرين الأميركيين، مع احتفاظ شركة “بايت دانس” الصينية بنسبة قليلة، لحظة مفصلية في معركة السرديات الرقمية المرتبطة بفلسطين وإسرائيل، ولا يمكن فصلها عن السياق الأوسع لما سماه بنيامين نتنياهو بـ “الحرب الثامنة”، أي حرب الوعي والرواية. فمنذ اندلاع موجات التصعيد الأخيرة، لعب تيك توك دورا غير مسبوق في كسر احتكار السرد الغربي التقليدي، إذ أتاح لملايين المستخدمين الاطلاع المباشر على مشاهد وشهادات فلسطينية حية، خارج غرف الأخبار الكبرى، وهو ما راكم ضغطا شعبيا وإعلاميا على إسرائيل وحلفائها. هذا الدور بالذات هو ما جعل المنصة هدفا سياسيا واستراتيجيا، لا أمنيا فحسب لواشنطن.
وقبل الاستحواذ الأميركي، أظهرت مؤشرات المتابعة الرقمية وتحليلات التفاعل أن المحتوى المناصر لفلسطين شكل واحدة من أكثر الظواهر حضوراً على تيك توك، ليس فقط من حيث عدد المقاطع المنشورة، بل من حيث معدلات المشاهدة وإعادة النشر والتعليق. فقد ارتبطت القضية الفلسطينية بقضايا دولية وإقليمية أوسع مثل مناهضة الاستعمار، وحقوق الإنسان، وازدواجية المعايير الغربية، ما جعلها نقطة التقاء لخطابات شبابية عابرة للحدود. هذا التداخل منح المحتوى الفلسطيني زخما مضاعفا، بحيث تحول من قضية محلية أو إقليمية إلى رمز كوني للظلم البنيوي، ورفع نسب انتشاره مقارنة بملفات سياسية أخرى كانت تقليديا تحظى باهتمام أقل على المنصات الغربية.
وبعد انتقال السيطرة إلى مستثمرين أميركيين، بدأت تظهر مؤشرات على تراجع نسبي في حضور هذا المحتوى، ليس عبر اختفائه الكامل، بل من خلال انخفاض معدل الوصول العضوي وتباطؤ انتشاره مقارنة بالفترات السابقة. فالمحتوى المرتبط بفلسطين والقضايا المتفرعة عنها بات يصنف في كثير من الحالات ضمن “المحتوى الحساس” أو “السياسي الخلافي”، ما يحد من دفعه خوارزميا إلى جمهور أوسع. في المقابل، ارتفعت نسب المحتوى المحايد أو المنسجم مع الخطاب الغربي السائد حول “الأمن” و”الاستقرار” و”مكافحة التطرف”، وهو ما خلق اختلالا تدريجيا في ميزان السرديات، لا يظهر كمنع مباشر بقدر ما يتجلى كإعادة ترتيب للأولويات الرقمية.
هذا التحول في النسب لا يعني نهاية الحضور الفلسطيني على تيك توك، لكنه يعكس انتقال المنصة من فضاء كان يسمح بتفجرالسرديات المهمشة إلى فضاء أكثر انضباطاً سياسياً. فالمحتوى المناصر لفلسطين بات يحتاج جهدا أكبر ليحقق التأثير نفسه الذي كان يحققه سابقا، بينما تقلصت المساحة التي تربط القضية الفلسطينية بسياقاتها الدولية والإقليمية الأوسع. وبهذا المعنى، فإن التغير في نسب المحتوى ليس مجرد مسألة أرقام، بل مؤشر على إعادة تشكيل الوعي العام عبر التحكم في ما يرى وما يدفن في أعماق الخوارزميات.
إن استحواذ مستثمرين أميركيين على 80% من “تيك توك” الأميركي لا يعني مجرد تغيير هيكلي في الملكية، بل يفتح الباب لتحول عميق في سياسات الإشراف على المحتوى، والخوارزميات، وتعريف “المقبول” و”المخالف”. فالشركات الأميركية الكبرى المرتبطة بالصفقة، سواء تلك العاملة في الحوسبة السحابية أو إدارة الأصول ورأس المال المغامر، تعمل ضمن بيئة سياسية وقانونية وإعلامية شديدة الحساسية تجاه إسرائيل، حيث تتقاطع مصالح رأس المال، واللوبيات المؤيدة لها، وخطوط السياسة الخارجية الأميركية. في مثل هذا السياق، لا يحتاج تقويض الرواية الفلسطينية إلى قرارات حظر صريحة وفجة، بل يكفي إضعاف الوصول، وتوسيع تعريف “خطاب الكراهية” أو “المحتوى الحساس”، وتكثيف الحذف المؤتمت، بحيث يعاد تشكيل المشهد السردي تدريجيا من دون ضجيج.
من هنا، يبرز القلق من أن يتحول “تيك توك” الأميركي، بعد الصفقة، من منصة أربكت السردية الإسرائيلية إلى أداة أكثر انضباطا ضمن المنظومة الإعلامية الغربية، بما يخدم إعادة تلميع صورة إسرائيل بوصفها “دولة تدافع عن نفسها”، ويهمش السياق الاستعماري والحقوقي للقضية الفلسطينية. غير أن السؤال الجوهري هو ما إذا كان هذا التحول قادرا فعلا على استعادة السيطرة الكاملة على الوعي العام. فالتجربة خلال السنوات الماضية تشير إلى أن الوعي الذي تشكل لم يعد هشا أو عابرا، وأن الأجيال الشابة باتت أكثر تشككا في الروايات الرسمية، وأكثر ميلاً للبحث عن مصادر بديلة ومتعددة.
صحيح أن حظر المحتوى المناصر للفلسطينيين أو تقييده قد يساعد، مرحليا، في تقليل انتشاره على منصة بعينها، لكنه لا يكفي لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. فالصورة التي تضررت لإسرائيل لم تتضرر بسبب تيك توك وحده، بل نتيجة تراكم طويل من الوقائع الموثقة، ومن التناقض الصارخ بين الخطاب والواقع. لذلك، فإن أي محاولة لتعزيز السردية الإسرائيلية عبر التحكم بالمنصات ستبقى محاولة دفاعية أكثر منها هجومية، تسعى إلى احتواء الخسائر لا إلى تحقيق نصر حاسم في “حرب نتنياهو الثامنة”.
في المقابل، يواجه مناصرو القضية الفلسطينية تحديا مزدوجا: الاستمرار في إنتاج محتوى موثوق ومؤثر، مع تقليل الارتهان لمنصة واحدة خاضعة لميزان قوى سياسي واقتصادي معاد. البدائل المتاحة لا تكمن فقط في الهجرة إلى منصات ناشئة أو أقل خضوعاً للضغط السياسي، بل أيضا في تنويع قنوات النشر، وبناء شبكات إعلامية لامركزية، والاستثمار في المواقع المستقلة، والبودكاست، والنشرات البريدية، ومنصات الفيديو المفتوحة المصدر، إضافة إلى إعادة الاعتبار للعمل الإعلامي المنظم الذي يربط بين السرد الرقمي والعمل الحقوقي والقانوني. فمعركة الرواية، في نهاية المطاف، ليست معركة منصة، بل معركة وعي طويل النفس، تتطلب استقلالية أكبر عن بنى رأس المال المهيمنة، وقدرة دائمة على التكيف مع تغير أدوات الصراع.
ومع تراجع الثقة لدى كثير من المستخدمين المناصرين للقضية الفلسطينية بسبب سياسات الحظر الخفي والتقييد المتزايد للمحتوى الذي يعرض على تيك توك وغيرها من منصات التواصل الكبرى، بدأ يشهد العالم الرقمي هجرة واضحة نحو منصة جديدة تدعى UpScrolled، أسسها تقنيا فلسطيني- أسترالي بهدف خلق فضاء رقمي يتيح حرية التعبير دون تحكم خفي في الخوارزميات أو تلاعب في وصول المحتوى. المنصة التي شهدت زيادة ملحوظة في عدد التحميلات خلال الأيام الماضية بعد انتقال ملكية تيك توك الأميركية، تعتمد على خوارزميات شفافة تغلب فيها الترتيب الزمني على التلاعب بالظهور وإلغاء “الظلال الخفية” بحيث يمنح كل منشور فرصة عادلة للوصول إلى جمهوره دون تمييز. هذا النهج جعلها أكثر جاذبية لمنشئي المحتوى المناصر لفلسطين والقضايا الدولية التي تتقاطع معها، خصوصاً أولئك الذين شعروا بأن أصواتهم تكبت أو تهمش في المنصات التقليدية.
على مستوى الميزات التقنية وتجربة المستخدم، تتميز UpScrolled بأنها تمزج بين عناصر مألوفة للمستخدمين (مثل مقاطع الفيديو القصيرة والقصص والمنشورات النصية والصور) مع وعد بعدم وجود تلاعب خفي في الخوارزميات، وعدم بيع البيانات، وتخصيص مساحة أوسع للمحتوى الذي يخدم المجتمعات المهمشة. بخلاف تيك توك الذي يعتمد بشكل كبير على التوصيات المدفوعة والتحكم في الانتشار، توفر UpScrolled خيارين رئيسيين للعرض: بث زمني للمتابعين، وواجهة “اكتشف” تظهر المحتوى بناء على المشاركة والحداثة بنزعة عشوائية محسوبة. هذا التصميم يهدف إلى منح منشورات مناصري فلسطين والحركات العالمية المشابهة فرصا أكبر للبقاء في دائرة الظهور وعدم دفنها تحت سياسات محتملة لتقييد النقاش السياسي.
وفي ما يتعلق بآفاق نجاح هذه المنصة، فإنها تبدو في موقع واعد نسبيا لأن نموها الحاد في التحميلات والإقبال العالمي يعكس رغبة حقيقية لدى قطاعات واسعة من المستخدمين في إيجاد مساحات بديلة للتعبير الحر، خاصة في ظل الشعور المتزايد بأن الخوارزميات التقليدية قد تميل إلى تهميش الخطابات السياسية الحرجة. بيد أن نجاح UpScrolled على المدى الطويل لن يقاس فقط بعدد المستخدمين أو التنزيلات، بل بمدى قدرتها على بناء مجتمع نشط ومستدام، وتقديم أدوات قوية للمستخدمين لإنشاء ومشاركة المحتوى والتفاعل معه بشكل فعال دون الحاجة إلى الاعتماد على استراتيجيات ربحية تضحي بحرية التعبير. في هذا السياق، قد تكون هذه المنصة نموذجاً أوليا لفضاءات رقمية أكثر عدالة وتمثيلا، إذا حافظت على مبادئها التأسيسية في الشفافية والمساواة في الوصول.



