خاص الرقيب
في مدينة البيرة التي تدخل عامها المئة من العطاء والصمود، لم تعد الشوارع تُرسم بالإسفلت وحده، بل بالأفكار أيضاً. فقد كرّمت بلدية البيرة أحد المشاريع الفائزة ضمن معرض ومسابقة «من المرسم إلى الموقع»، في مبادرة تنقل تصاميم طلبة الهندسة المعمارية من الورق إلى الفضاء العام، وتحول أفكارهم إلى ملامح حقيقية في المدينة.
ونُظّمت المسابقة ضمن إطار مشروع التعاون البلجيكي–الفلسطيني في التخطيط العمراني المستدام، بالشراكة بين الوكالة البلجيكية للتعاون الدولي وجامعة بيرزيت، وبدعم من إقليم العاصمة بروكسل، ضمن برنامج «فلسطين الخضراء» الهادف إلى تحسين جودة الفضاءات العامة في مدينة البيرة.
وقالت رئيسة قسم تجميل المدينة في بلدية البيرة، آمنة بدّة في حلقة عبر إذاعة الرقيب، إن فكرة «من المرسم إلى الموقع» تُعد الأولى من نوعها على مستوى الوطن، حيث جرى العمل على دراسة مشاريع الطلبة ميدانياً، وتطويرها بالتعاون مع البلدية لتكون قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. وأضافت أن المعرض الذي احتضنته بلدية البيرة فتح باب التقييم أمام لجنة تحكيم محلية ودولية، إلى جانب تصويت مجتمعي مباشر وإلكتروني، ما عزز مشاركة المواطنين في اختيار المشروع الأنسب لمدينتهم.
وأوضحت بدّة أن البلدية ركزت في توجيه الطلبة على أفكار الاستدامة والمساحات الخضراء وتعزيز ثقافة المشي والتفاعل الاجتماعي، بعيداً عن المشاريع غير القابلة للتطبيق، مشيرة إلى أن الإبداع الطلابي يمثل فرصة حقيقية لإنتاج حلول خارج الصندوق تخدم المدينة على المدى البعيد.
من جهتها، أكدت الدكتورة منال البشاوي، أستاذة مشاركة في دائرة الهندسة المعمارية والتخطيط في جامعة بيرزيت والمنسقة الأكاديمية لمشروع التعاون البلجيكي في فلسطين، أن هذه التجربة تمثل الأولى التي يرى فيها الطلبة تصاميمهم تتحول إلى مشاريع منفذة على أرض الواقع، بدعم دولي ومشاركة مجتمعية واسعة. وأضافت أن الجامعة تسعى دائماً إلى ربط الجانب النظري بالتطبيق العملي، وتعزيز دور الطلبة كمواطنين فاعلين في تشكيل الفضاء العام، لا كمصممين تقنيين فقط.
وبيّنت البشاوي أن المشاريع ركزت على مبادئ الاستدامة البيئية والاجتماعية والاقتصادية، واستندت إلى خلفية نظرية قدّمها خبراء وأكاديميون من فلسطين والعالم، بالتعاون مع جامعة كاي لوفن البلجيكية، ما أسهم في تطوير جودة التصاميم وربطها بالسياق المحلي.
وفاز في المسابقة مشروع «ممشى شارع العين»، أحد أكثر الشوارع حيوية في مدينة البيرة، لما يحمله من قيمة تاريخية واجتماعية، إذ يربط بين مركز المدينة الحديث والبلدة القديمة، ويصل بين المسجد العمري وكنيسة العائلة المقدسة ومناطق تعليمية وخدماتية عدة. ويهدف المشروع إلى تحويل الشارع إلى مساحة مشاة خضراء ومستدامة، تعزز التفاعل الاجتماعي، وتقلل الاعتماد على المركبات، بما ينعكس إيجاباً على الصحة العامة والبيئة والاقتصاد المحلي.
وأكدت بدّة أن اختيار المشروع جاء وفق منهجين متكاملين: تصويت المجتمع المحلي من جهة، وتقييم لجنة تحكيم متخصصة من جهة أخرى، لضمان توافق المشروع مع احتياجات السكان والمعايير المهنية للتخطيط المستدام.
وفي ظل الواقع السياسي والاقتصادي الضاغط، شددت البشاوي على أن التخطيط العمراني في فلسطين ليس شأناً هندسياً فقط، بل موقف أخلاقي وسياسي يحمي المكان من التهميش والاستيلاء، ويعزز ارتباط الناس بمدنهم وفضاءاتهم العامة، معتبرة أن الاستثمار في المساحات الخضراء والمشاة هو استثمار في الصحة والهوية والصمود.
كما أعلنت عن توسيع التجربة لتشمل مسابقات تصميم في بيت لحم والخليل ونابلس وطوباس، بمشاركة طلبة ومهندسين من داخل فلسطين وخارجها، على أن تُنفّذ المشاريع الفائزة على أرض الواقع، ضمن مبادئ التخطيط المستدام.
وفي ختام اللقاء، شددت بدّة والبشاوي على أهمية الشراكات بين البلديات والجامعات والجهات الدولية، ليس فقط للدعم المالي، بل لتبادل المعرفة وتطوير أدوات التخطيط بما يخدم المدن الفلسطينية ويعزز استدامتها.
وتؤكد تجربة «من المرسم إلى الموقع» أن المدينة ليست خرائط صامتة، بل فضاء حي يمكن للطلبة والبلدية والمجتمع معاً أن يشاركوا في صياغته، وأن الجمال في المدن الفلسطينية ليس ترفاً، بل فعل انتماء وصمود، وخيار أخلاقي يعكس كيف نريد لمدننا أن تُروى قصتها في المستقبل.



