عمرو حمزاوي
يعود الحديث مجددا عن احتمال توجيه ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران ليضع الشرق الأوسط أمام واحدة من أكثر لحظاته خطورة منذ سنوات، ليس فقط بسبب طبيعة الصراع المحتمل بين واشنطن وطهران، بل لأن تداعيات مثل هذه الضربة ستتجاوز الطرفين لتطال الإقليم بأسره، وتهدد ما تبقى من توازنات هشة ومحاولات محدودة لاحتواء النزاعات وإدارتها بدل الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة. وفي هذا السياق، يصبح مفهوما لماذا تقف قوى إقليمية وسيطة ومؤثرة مثل مصر والسعودية والإمارات وتركيا وقطر ضد خيار الضربة العسكرية، ولماذا ترى فيه مقامرة عالية الكلفة سياسيا وأمنيا واقتصاديا، دون ضمانات حقيقية لتحقيق أهدافه المعلنة.
أي ضربة عسكرية أمريكية لإيران، سواء كانت محدودة أو واسعة، ستكسر أولا الخطوط الحمراء غير المعلنة التي حكمت الصراع الأمريكي- الإيراني لعقود. فالعلاقة بين الطرفين اتسمت تاريخيا بالتصعيد المحسوب، والاشتباك غير المباشر، واستخدام أدوات الضغط الاقتصادية والعقوبات والحروب بالوكالة، مع حرص متبادل على تجنب مواجهة عسكرية مباشرة قد تنفلت من السيطرة. توجيه ضربة عسكرية سيعني الانتقال من منطق الردع المتبادل إلى منطق المواجهة المفتوحة، وهو انتقال لا يمكن التحكم في مساراته ولا في سقف العنف الذي قد يطلقه.
في الشرق الأوسط، لن تُقرأ الضربة باعتبارها حدثا أمريكيا- إيرانيا معزولا، بل باعتبارها لحظة إعادة تشكيل قسرية لمعادلات القوة. إيران، حتى لو تلقت ضربة موجعة، تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والأذرع العسكرية غير النظامية الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. ومن شبه المؤكد أن الرد الإيراني لن يقتصر على مسرح واحد أو على أهداف أمريكية مباشرة، بل سيتخذ طابعا إقليميا متشعبا، ما يعني تعريض دول الجوار، وممرات الطاقة، والملاحة في الخليج والبحر الأحمر، وحتى شرق المتوسط، لمخاطر غير مسبوقة.
من هنا، تدرك القوى الإقليمية الوسيطة أن الضربة العسكرية ستفتح الباب أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار، في وقت بالكاد بدأت فيه بعض العواصم الإقليمية في استعادة قنوات التواصل والحوار، سواء عبر مسارات المصالحة الخليجية، أو التقارب السعودي- الإيراني، أو محاولات تخفيف حدة الاستقطاب في ملفات مثل اليمن وسوريا. أي تصعيد عسكري واسع سيقوض هذه المسارات، ويدفع الفاعلين الإقليميين إلى إعادة التموضع في معسكرات متقابلة، بما يعيد إنتاج مناخ الاستقطاب الحاد الذي ميز العقد الماضي.
الشرق الأوسط لم يعد يحتمل مغامرات عسكرية كبرى تُفرض من الخارج، وأن كلفة الحروب باتت تفوق بكثير أي مكاسب محتملة
الموقف المصري من الضربة المحتملة ينطلق بالأساس من إدراك عميق لارتباط الأمن الإقليمي بعضه ببعض، ولخطورة أي انفجار واسع في الشرق الأوسط على أمن البحر الأحمر وقناة السويس. فمصر ترى أن أي مواجهة أمريكية- إيرانية ستنعكس مباشرة على الملاحة الدولية، سواء عبر تهديد مضيق هرمز أو عبر تصعيد في البحر الأحمر وباب المندب، ما يعني كلفة اقتصادية وأمنية مباشرة. كما أن القاهرة تنظر بعين الريبة إلى منطق الحلول العسكرية في الإقليم، بعد خبرة طويلة مع فشل التدخلات العسكرية الخارجية في تحقيق الاستقرار، من العراق إلى ليبيا.
أما السعودية والإمارات، فعلى الرغم من خلافاتهما العميقة مع إيران وسياساتها الإقليمية، فإنهما أصبحتا أكثر ميلا في السنوات الأخيرة إلى إدارة الصراع بدلا من تفجيره. فالرياض، التي دفعت ثمنا باهظا في اليمن نتيجة التوتر مع طهران، تدرك أن الضربة العسكرية ستجعلها في مرمى ردود فعل إيرانية مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر استهداف المنشآت النفطية أو عبر تحريك ساحات إقليمية حساسة. كما أن رؤية السعودية الاقتصادية الطموحة تحتاج إلى بيئة إقليمية أكثر استقرارا، لا إلى حرب إقليمية مفتوحة ترفع أسعار المخاطر وتبعد الاستثمارات.
الإمارات تشارك السعودية هذا القلق، لكنها تضيف إليه بعدا اقتصاديا وتجاريًا أوضح. فدولة تعتمد على موقعها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات والتمويل لا يمكنها أن تنظر بارتياح إلى سيناريو حرب واسعة في جوارها المباشر. كما أن أبوظبي، التي أعادت فتح قنوات التواصل مع طهران، ترى أن الدبلوماسية والاحتواء، رغم صعوبتهما، أقل كلفة من الانفجار العسكري غير المحسوب.
تركيا، من جهتها، تنظر إلى الضربة المحتملة من زاوية توازنات القوة الإقليمية ودورها كقوة مستقلة نسبيا عن الاستقطاب الأمريكي ـ الإيراني. أنقرة تخشى أن تؤدي الحرب إلى تعزيز الفوضى على حدودها الجنوبية والشرقية، وإلى موجات جديدة من عدم الاستقرار في العراق وسوريا، بما ينعكس على ملف الأكراد وعلى أمنها الداخلي. كما أن تركيا تدرك أن إضعاف إيران عسكريا قد لا يصب بالضرورة في مصلحتها، إذا ما أفضى إلى فراغات أمنية أو إلى تمدد فاعلين آخرين على حساب توازنات دقيقة تحاول أنقرة إدارتها.
قطر تمثل حالة خاصة، بحكم دورها التقليدي كوسيط إقليمي وقدرتها على التواصل مع أطراف متناقضة. الدوحة ترى أن الضربة العسكرية ستغلق مساحات الوساطة، وتدفع الجميع إلى منطق الصفر أو الواحد، بما يقلص دور الدبلوماسية ويعزز منطق القوة. كما أن قطر، التي تستضيف قواعد أمريكية كبرى، تدرك حساسية أن تتحول أراضيها أو محيطها إلى ساحة ارتدادات مباشرة لأي مواجهة مع إيران.
ما يجمع هذه القوى الإقليمية الوسيطة هو قناعة متزايدة بأن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل مغامرات عسكرية كبرى تُفرض من الخارج، وأن كلفة الحروب باتت تفوق بكثير أي مكاسب محتملة. كما أن هذه الدول باتت أكثر تشككا في قدرة الولايات المتحدة على إدارة ما بعد الضربة، في ضوء تجارب سابقة أظهرت محدودية الرؤية الأمريكية لمرحلة ما بعد التدخل العسكري، واعتمادها المفرط على القوة الصلبة دون استراتيجية سياسية إقليمية متماسكة.
إضافة إلى ذلك، تدرك هذه القوى أن ضربة عسكرية ضد إيران قد تسرّع، paradoxically، من المسارات التي تقول واشنطن إنها تريد منعها، وعلى رأسها دفع طهران إلى مزيد من التشدد في الملف النووي، وإلى التخلي الكامل عن أي التزامات أو قيود قائمة. فبدلا من ردع إيران، قد تؤدي الضربة إلى إقناعها بأن امتلاك قدرات ردع قصوى هو الضمان الوحيد لبقائها.
في المحصلة، لا يعكس رفض مصر والسعودية والإمارات وتركيا وقطر للضربة العسكرية الأمريكية تعاطفا مع السياسات الإيرانية، بل قراءة واقعية لتوازنات الإقليم، ولحدود القوة العسكرية في معالجة أزمات سياسية عميقة الجذور. هذه الدول تراهن، بدرجات متفاوتة، على أن الاحتواء، والحوار الصعب، وترتيبات الأمن الإقليمي، رغم بطئها وهشاشتها، تظل أقل خطورة من حرب قد تخرج عن السيطرة، وتدفع الشرق الأوسط كله إلى مرحلة جديدة من الفوضى يصعب التنبؤ بنهايتها.



