قال المحلل السياسي سليمان بشارات إن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة شكّلت لحظة كاشفة لانهيار المنظومة الدولية، وأظهرت زيف الادعاءات الغربية بوجود مؤسسات تحمي القانون الدولي والقيم الإنسانية، مؤكدًا أن ما يجري اليوم هو محاولة أمريكية، بقيادة دونالد ترامب، لإعادة تشكيل العالم وفق مقاسات سياسية وأيديولوجية تخدم الهيمنة الإسرائيلية والصهيونية العالمية.
وأوضح بشارات، خلال مقابلة إذاعية، أن العدوان على غزة لم يكن حدثًا منفصلًا، بل فضح عجز المؤسسات الدولية التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مشيرًا إلى أن آلية “الفيتو” كرّست تحكم خمس دول فقط بمصير العالم، وكانت إسرائيل المستفيد الأكبر من هذا الخلل البنيوي.
وأضاف أن “الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال في غزة أسقطت القناع عن الخطاب الغربي، ودفع الولايات المتحدة للبحث عن صيغ بديلة لترميم صورة الاحتلال بعد انكشافه أمام الرأي العام العالمي”.
وأشار بشارات إلى أن الحرب أحدثت تحولًا واضحًا في الوعي الجمعي العالمي، لا سيما داخل المجتمعات الغربية، معتبرًا ذلك إحدى الخسائر الاستراتيجية الكبرى للمنظومة الدولية الداعمة لإسرائيل، رغم محاولات الالتفاف على هذا التحول من قبل الإدارات السياسية.
وفي السياق ذاته، انتقد بشارات مساعي ترامب للترويج لما يسمى بـ“مجلس السلام العالمي”، معتبرًا أن الفكرة خرجت عن سياقها الأصلي الذي طُرحت فيه بعد وقف إطلاق النار، وتحولت إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الدولية بمسميات جديدة.
وأكد أن المرحلة الحالية تشهد تغوّل “الفردانية السياسية”، حيث باتت شخصيات مثل ترامب ونتنياهو تسعى للحفاظ على نفوذها عبر إعادة تشكيل المؤسسات والهيئات الدولية بما يضمن استمرار السيطرة، مدفوعة ببعد شخصي وأيديولوجي واستعماري مترابط.
وقال بشارات:
“ما يجري اليوم ليس سلوك دول متحضرة، بل أقرب إلى منطق الخاوة وفرض الإتاوات، عندما يُطلب من الدول دفع مليارات مقابل العضوية، في استخفاف واضح بسيادة الدول وكرامتها”.
وتطرق إلى سلوك الإدارة الأمريكية تجاه دول عدة، مثل الحديث عن السيطرة على غرينلاند أو انتهاك سيادة دول أخرى، معتبرًا ذلك مؤشرًا خطيرًا على طبيعة القيادة العالمية الحالية القائمة على الغطرسة وفرض الأمر الواقع.
وختم بشارات بالقول إن هذه المرحلة، رغم سوداويتها، قد تكون مقدمة لتحول تاريخي، مضيفًا:
“التاريخ يثبت أن القوى المتغطرسة لا تدوم، وكلما زادت العربدة السياسية، اقتربت لحظة الانفجار والتغيير، وقد تكون الولايات المتحدة نفسها من أكبر الخاسرين في معادلات المستقبل”.



