قال المحلل السياسي سليمان بشارات إن النهج الذي يتبناه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في تعاطيه مع القضايا الدولية والإقليمية يقوم أساسًا على سياسة الإخضاع والهيمنة، سواء عبر الابتزاز السياسي أو الضغط الدبلوماسي أو التهديد باستخدام القوة العسكرية، بهدف الوصول إلى نتيجة واحدة تتمثل في فرض الإرادة الأميركية وتعزيز السيطرة.
وأوضح بشارات أن هذا السلوك مرتبط بشكل مباشر بشخصية ترامب وتكوينه السياسي، ولا يمكن فصله عما مارسه خلال ولايته الأولى بين عامي 2017 و2021، إلا أن الفارق اليوم يتمثل في الوتيرة الأسرع والوضوح الأكبر في السياسات، خاصة في ما يتعلق برفع سقف التهديد العسكري، الذي بدا في الأيام الأخيرة أقرب إلى أداة ضغط مركبة أكثر من كونه استعدادًا فعليًا لحرب شاملة.
تصعيد لقياس ردود الفعل
وبيّن بشارات أن التصعيد الأميركي يخدم جملة من الأهداف، أبرزها اختبار قدرات الأطراف المناهضة للسياسات الأميركية، ومحاولة إخضاعها بالقوة أو التهديد بها، مشيرًا إلى أن هذا الأسلوب استخدم سابقًا في فنزويلا، ويتكرر اليوم مع إيران، من خلال التلويح بخيارات عسكرية خطيرة.
وأضاف أن واشنطن سعت خلال الفترة الماضية إلى جس نبض طهران بعد إعادة ترتيب حساباتها الأمنية عقب مواجهة يونيو الماضية، في محاولة لقراءة سلوكها العسكري والأمني، إلى جانب اختبار فاعلية أطراف المعارضة الإيرانية، قبل أن يتضح للإدارة الأميركية أن هذه الأطراف لا تمتلك المقومات الكافية لإحداث تغيير حقيقي.
خداع مكشوف ومحور غير متماسك
وأشار بشارات إلى أن أسلوب الخداع الأميركي بات مكشوفًا، وأن طهران، كما بقية الأنظمة، لم تعد تثق لا بالتصريحات المهادنة ولا بالتهديدات، لافتًا إلى وجود حالة ارتباك وغياب تنسيق واضح داخل المحور المناهض للهيمنة الأميركية، والمتمثل بروسيا والصين وإيران، وهو ما ظهر في تعاطيه مع تطورات فنزويلا والضربات التي استهدفت إيران.
غزة في قلب المشروع الأميركي
وأكد بشارات أن قطاع غزة يشكل اليوم المفتاح المركزي للمشروع الأميركي الهادف إلى إعادة تشكيل الإقليم والنظام الدولي، معتبرًا أن ما يسمى بـ”مجلس السلام” الذي يروج له ترامب لا ينطلق من منطلق إنساني، بل من رؤية استراتيجية تتخذ من غزة بوابة لإعادة ترتيب الملفات العالمية، وربما كبديل عملي عن منظومة الأمم المتحدة.
تقاسم أدوار أميركي–إسرائيلي
وأوضح أن ما يُسوّق على أنه خلاف بين واشنطن وتل أبيب هو في جوهره تقاسم أدوار وظيفي، حيث تحتفظ إسرائيل بالملف الأمني والعسكري، بينما تدير الولايات المتحدة المسار السياسي والإداري، بما يسمح باستمرار الخروقات في غزة وفرض وقائع جديدة على الأرض.
لجنة إدارية بصلاحيات محدودة
وفي ما يتعلق بالحديث عن تشكيل لجنة إدارية لغزة، شدد بشارات على أن وجود أي جسم فلسطيني يُعد أمرًا مهمًا، إلا أن الإشكالية الحقيقية تكمن في سقف الصلاحيات والدعم السياسي، محذرًا من تفريغ دور اللجنة أو تقييد حركتها بما يتوافق مع الأجندة الأميركية والإسرائيلية.
وختم المحلل السياسي سليمان بشارات بالقول إن المشهد الراهن يعكس استمرار سياسة الإخضاع الأميركية بأدوات متعددة، من الخداع والضغط إلى الاختراقات الداخلية، مؤكدًا أن غزة ستبقى ساحة مركزية في هذا الصراع، وأن إعادة تشكيل النظام العالمي تجري اليوم على وقع الدم الفلسطيني، مهما تغيرت المسميات والعناوين.


