خاص الرقيب
يُعاد فتح ملف التأمين الزراعي في فلسطين اليوم ليس بوصفه نشاطًا تأمينيًا تقليديًا، بل كأحد المفاتيح الاقتصادية القليلة القادرة على الاشتباك المباشر مع ثلاث أزمات متداخلة: الأمن الغذائي، تمويل الزراعة، وصمود المزارعين في مواجهة المصادرة والاستيطان.
هذا ما خلصت إليه مقابلة مطوّلة مع المدير العام لشركة البركة للتأمين عبدالحكيم قاسم في برنامج حديث الرقيب، حيث قدّم قراءة نقدية لواقع القطاع الزراعي الفلسطيني، واضعًا التأمين الزراعي في قلب النقاش حول السياسات الاقتصادية لا على هامشها.
قطاع عالي المخاطر… خارج الحسابات الحكومية
رغم أن الزراعة تُعدّ من أكثر القطاعات التصاقًا بالأمن الوطني والاقتصادي، إلا أنها لا تزال، بحسب قاسم، خارج دائرة الأولويات المالية للحكومات المتعاقبة، إذ لا تتجاوز مخصصات وزارة الزراعة 1% من الموازنة العامة. هذا التهميش يترافق مع تصاعد غير مسبوق في المخاطر، من شح المياه والتغيرات المناخية، إلى الاعتداءات اليومية على الأراضي الزراعية، خصوصًا في الأغوار ومناطق «ج».
في هذا السياق، يتحول المزارع الفلسطيني إلى مستثمر عالي المخاطر بلا أدوات حماية، ما يفسر إحجام البنوك ومؤسسات التمويل عن الإقراض الزراعي، ويفسر أيضًا هشاشة الإنتاج المحلي واعتماده المتزايد على الاستيراد.
التأمين الزراعي كحلقة مفقودة
وفق قاسم، فإن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في ضعف الإنتاج، بل في غياب منظومة مالية تحمي الاستثمار الزراعي. هنا يظهر التأمين الزراعي كحلقة مفقودة تربط بين المزارع ومؤسسات التمويل، وتحوّل الزراعة من نشاط معيشي إلى نشاط اقتصادي قابل للتمويل.
وأوضح أن تجربة شركة البركة منذ عام 2023 أثبتت عمليًا أن وجود بوليصة تأمين زراعي يخفض المخاطر على المقرضين، ويفتح الباب أمام تمويل كان مستحيلًا سابقًا، ما أدى إلى توسيع قاعدة الإنتاج في عدد من القطاعات كالدواجن والبيوت البلاستيكية والنخيل.
أرقام محدودة… لكن دلالاتها كبيرة
ورغم أن أقساط التأمين الزراعي ما تزال متواضعة – إذ لم تتجاوز في السنة الأولى 200 ألف دولار – إلا أن قاسم يرى أن تقييم التجربة بالأرقام فقط مضلل، مشيرًا إلى أن الشركة استثمرت أكثر من 1.25 مليون دولار في بناء المعرفة والأنظمة والعلاقات الدولية دون عوائد مباشرة.
ويشبّه هذا الاستثمار بالزراعة نفسها، حيث لا يبدأ العائد الحقيقي إلا بعد سنوات، معتبرًا أن التأمين الزراعي بطبيعته استثمار طويل الأجل في الاستقرار الاقتصادي وليس نشاطًا ربحيًا سريعًا.
اختراقات فنية غير مسبوقة
من الناحية الفنية، تمكنت التجربة الفلسطينية من تحقيق اختراقات نادرة في المنطقة، أبرزها إدخال تغطيات لأمراض وأوبئة زراعية كانت تُعدّ «خطًا أحمر» لشركات التأمين، إضافة إلى تأمين نقص الإنتاج وليس فقط الأصول الثابتة.
كما نجحت الشركة في ربط السوق الفلسطيني بشركات إعادة تأمين عالمية، وهو ما يمنح التأمين الزراعي المحلي مصداقية فنية ومالية رغم صغر السوق وارتفاع المخاطر السياسية.
التمويل المدعوم: نموذج قابل للتوسع
ويمثل المشروع التجريبي الجاري بالتعاون مع وزارة الزراعة والاتحاد الأوروبي عبر «أوكسفام» نموذجًا عمليًا لكيفية تدخل السياسات العامة في هذا الملف، حيث يتم دعم أقساط التأمين لصغار المزارعين، ما يخفف العبء عليهم ويشجعهم على الدخول في منظومة تأمينية–تمويلية متكاملة.
لكن قاسم يحذر من أن بقاء هذه المبادرات في إطار المشاريع المؤقتة، دون تحويلها إلى سياسة وطنية دائمة، يهدد استدامتها.
أزمة تشريعات وغياب رؤية وطنية
أحد أخطر المؤشرات، بحسب قاسم، هو غياب التأمين الزراعي عن مسودة قانون التأمين الجديد، وغياب إطار تنظيمي شامل يشمل تقييم الأضرار، وتوحيد المعايير، وبناء قاعدة بيانات وطنية للمخاطر الزراعية.
ودعا إلى عقد مؤتمر وطني متخصص للتأمين الزراعي، تقوده الجهات الرقابية والحكومية، بهدف إنتاج حزمة متكاملة من التشريعات والسياسات والتمويل، بدل التعامل مع الملف كاجتهادات متفرقة.
التأمين الزراعي في قلب الصراع على الأرض
في الخلاصة، يقدّم التأمين الزراعي نفسه كأداة اقتصادية ذات بعد سيادي، لا تقل أهمية عن أي تدخل سياسي، إذ يساهم في تثبيت المزارع في أرضه، واستقرار الإنتاج، والحد من الهجرة من الريف، وتقليل التبعية الغذائية.
وفي ظل تصاعد الاستيطان ومصادرة الأراضي، تبدو المعركة على الأرض مرتبطة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالقدرة على إنتاج سياسات اقتصادية ذكية، يكون التأمين الزراعي أحد أعمدتها الأساسية.



